قبل عامين، اعترف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، فى انتهاك صريح لقرارات الشرعية الدولية، والتى تقوم فى الأساس على قيام الدولة الفلسطينية، والقدس الشرقية عاصمة لها.

القرار الأمريكى يحمل فى طياته الكثير من الأبعاد، بعضها يرتبط بالداخل، حيث سعى الرئيس ترامب، قبل مرور عام على ولايته الأولى، إلى دعم القاعدة المؤيدة له، بالإضافة إلى تقديم نفسه باعتباره الرئيس الأكثر جراءة بين أسلافه فيما يتعلق باتخاذ هذا القرار، والذى بقى حبيسا لأدراج البيت الأبيض، منذ أكثر من عقدين من الزمان.

وفى الوقت نفسه، كان القرار بمثابة محاولة صريحة من البيت الأبيض، لدعم حليفه الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، والذى يواجه تحديات كبيرة فى الداخل الإسرائيلى، إثر اتهامه بالتورط فى قضايا فساد، ربما تضع كلمة النهاية لمستقبله السياسى.

إلا أن قرار ترامب، والذى جاء بشكل أحادى بعيدا عن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ساهم بصورة كبيرة فى توارى الدور الأمريكى فى القضية الفلسطينية بسبب التحيز الصارخ لإسرائيل، وهو الأمر الذى قد يفتح الباب أمام ظهور قوى دولية أخرى، وعلى رأسها روسيا، يمكنها مزاحمة الدور الأمريكى فى القضية، والتى طالما مثلت محورا للنفوذ الأمريكى بالشرق الأوسط.

وتعد روسيا أكثر الدول المؤهلة لمشاركة الولايات المتحدة النفوذ فى القضية الفلسطينية، فى ظل نجاحها المنقطع النظير فى سوريا، سواء عسكريا عبر تطهير معظم الأراضى السورية من الميليشيات المتطرفة، أو سياسيا عبر تقديم الدعم للنظام الحاكم هناك فى تحد صارخ للقوى الغربية، وعلى رأسها واشنطن، والتى سعت نحو مهادنة الإرهاب، خلال ولاية إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

وهنا يمكننا القول بأن قرار الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ترك العديد من التداعيات السلبية على الدور الذى تلعبه واشنطن، والتى بما بدأت فى اتخاذ مناح جديدة، فى الأشهر الماضية، عبر إيجاد مناطق جديدة للنفوذ، فى حين تخلت عن مناطق أخرى، وهو ما بدا فى قرار الانسحاب الأمريكى من سوريا، ليثور التساؤل حول ما إذا كانت موسكو قادرة، سواء بمفردها أو بمشاركة حلفائها الأخرين، وعلى رأسهم الصين، قادرة على نزع ورقة التوت الأخيرة فى حقبة النفوذ الأمريكى بالشرق الأوسط.