رياضة

18:36 23 يوليو, 2021

مترجم: أولمبياد طوكيو.. البيروقراطية الأمريكية تمنع مشاركة سبَّاحة من ذوي الاحتياجات

منذ خمس سنوات، وعلى أرضية غرفتها في قرية الأولمبياد بمدينة ريو دي جانيرو؛ كانت السبّاحة الأمريكية بيكا مييرز – المُشاركة في دورة الألعاب الأولمبية للمعاقين بالعام 2016 – تبكي منهارة وهي مذعورة ومحبطة، وهذا بعد أن توقفت عن تناول الطعام لعدم تمكنها من العثور على مُجمّع المطاعم الخاص بالرياضيين. وعلى الرغم من أن والديها ظهرا في الوقت المناسب، وأمداها بالطعام والثقة اللتين كانت في حاجة إليهما لتفوز بثلاث ميداليات ذهبية، وواحدة فضية، لفريق الولايات المتحدة في تلك الدورة، فإنها وعدت نفسها بأنها لن تمر بهذا الكابوس مرة أخرى.

هكذا استهل الكاتب الصحافي المتخصص في الرياضة ديف شينين تقريره المنشور في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. واستعرض فيه مسيرة هذه اللاعبة الأمريكية اللافتة، والدوافع وراء قرارها بعدم خوض الأولمبياد مرة أخرى.

يقول الكاتب إنه خلال هذا العام 2021، وفي واحدة من الأمسيات التي سبقت بدء دورة الألعاب الأولمبية للمعاقين المقامة في طوكيو بخمسة أسابيع، قررت بيكا السبّاحة الصمّاء العمياء؛ التخلي عن «حلمها الأولمبي»، وبضغطة واحدة على زر الإرسال في بريدها الإلكتروني؛ أحاطت بيكا مسؤولي اللجنة الأولمبية، ولجنة أولمبياد المعاقين الأمريكية بقرار الانسحاب من فريق الولايات المتحدة الأمريكية، ومن السباق الذي كان يؤهلها للتنافس على أربع ميداليات، وكان هذا القرار نابعًا من رغبتها في حماية نفسها، وشعورها الأسمى بالواجب وغايتها في الحياة.

Embed from Getty Images

ووضحت الرياضية البالغة من العمر 26 عامًا: «كنت أود الذهاب إلى طوكيو»، مؤكدة أن ممارسة رياضة السباحة شكّلت هويتها وسط أقارنها فقد كانت دائمًا «بيكا الفتاة السبّاحة»، والانسحاب لم يكن أمرًا هينًا عليها، بل كان «صعبًا جدًا بالنسبة لها»، ولكنها أكدت للإعلام»: أريد أن أقول شيئًا لإحداث تغيير، فهذا الوضع لا يمكن أن يستمر». شاركت بيكا للمرة الأولى في أولمبياد المعاقين عام 2012، وذلك في الدورة التي أقيمت بلندن، ومشاركتها في طوكيو كان من شأنها أن تكون المشاركة الثالثة لها في أولمبياد المعاقين.

يشير الكاتب إلى ظروف اللاعبة الصحية فيقول إنها ولدت تعاني من «متلازمة أشر»، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر على السمع والبصر، ولذلك في سنوات عمرها الأولى سلبها هذا المرض سمعها وبصرها، ولذلك هي في حاجة دائمة لـ«مرافق رعاية شخصية» (موظف معين مقابل أجر لمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة أو المصابين بأمراض مزمنة في القيام بأنشطة الحياة اليومية) لتكون رياضية ناجحة، بل لتكون فردًا فعّالًا في المجتمع، ومنذ عام 2017 – وبعد ما مرت به بيكا في العام 2016 – كان هناك اتفاق واضح بين لجنة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الأمريكية للسماح لوالدتها – ماريا – بالسفر معها إلى المسابقات الدولية بصفتها «مرافق الرعاية الشخصية» لها.

والنتائج كانت مبهرة؛ فقد تمكنت بيكا عام 2018 من الفوز بخمس ميداليات ذهبية في بطولة «بان باسيفيك بارا» للسباحة بأستراليا، ومرة أخرى عام 2019 فازت بأربع ميداليات، وسجلت رقمين قياسيين عالميين في بطولة العالم للسباحة بلندن. 

ولكن عام 2021 – وفي ظل التغييرات التي طرأت على تنظيم دورة أولمبياد المعاقين في طوكيو بسبب جائحة فيروس كورونا، حيث أقيمت الأولمبياد بدون جماهير – كان من الصعب على اليابان استقبال العديد من الوافدين إلى جانب اللاعبين المشاركين في الأولمبياد، وكان هذا يعني عدم السماح لوالدة بيكا – التي تقوم بدور مرافق الرعاية الشخصية – بالدخول إلى اليابان، وبالتالي هذا كان معناه ألا تسافر بيكا نفسها إلى طوكيو؛ حتى لا تكرر ما مرت به في ريو من ذعر وإحباط.

ونقل التقرير عن ماريا مييرز والدة بيكا قولها: «لقد كرست حياتها للسباحة! وما يحدث غير مقبول». مضيفةً: «إنه لأمر مفجع؛ فهي خائفة أن تسافر بمفردها، وحين أقول خائفة فأنا أعني رعبًا حقيقيًا بلا مبالغة». أما بيكا فتقول: «لا أستطيع النوم؛ فأنا متوترة للغاية، وقد بدأ هذا يؤثر سلبيًا على تدريباتي؛ فلست في أفضل حال، ولن أكون إلا إذا توفرت لي المساعدة التي أحتاجها، وقد ثبت هذا من نجاحي في السنوات الأربع الماضية».

من صاحب القرار؟

يقول الكاتب إنه حين يتعلق الأمر بالإجابة عن سؤال «من المسئول عن هذا القرار؟» يصبح الأمر معقدًا: فقد استشهدت لجنة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الأمريكية – في ردها على بيكا وأسرتها – بالقيود المفروضة على الزوار والوفود الأجنبية، والتي وضعتها الحكومة اليابانية واللجنة المنظمة لألعاب طوكيو لعام 2020.

Embed from Getty Images

وفي بريد إلكتروني وصل لمارك مييرز والد بيكا في تاريخ 29 يونيو (حزيران)، أرسله ريك آدامز رئيس الأداء الرياضي والهيئة الرياضية للخدمات الوطنية في لجنة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الأمريكية، وشاركته الأسرة مع صحيفة «واشنطن بوست»، وضح من خلاله أنه «لا توجد استثناءات، ولا توجد فرصة لإضافة فرد إلى قائمة الوفد، بخلاف الرياضيين، والموظفين الأساسيين في اللجنة المنظمة». وأعرب آدامز عن أسفه للأسرة قائلًا: «وكما قلت لكما سابقًا في مكالمة هاتفية، ومن خلال البريد الإلكتروني، فأنا متفهم تمامًا لمخاوفك، وأتمنى أن نتمكن من إيجاد حل آخر كما فعلنا سابقًا».

ولكن على الجانب الآخر تواصلت أسرة بيكا مع مصدر يشغل منصبًا في اللجنة بأمريكا، ووصلوا إلى إجابة مختلفة، وأكد والد بيكا لواشنطن بوست أنه تواصل مع سكرتير ولاية ماريلاند حيث تقيم الأسرة، وموظف في الحكومة اليابانية، والسفير أيضًا، وجميعهم – بحسب أسرة بيكا – وضحوا أن الأمر ليس بسبب الحكومة اليابانية، بل هو مسئولية لجنة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الأمريكية، والتي كان يمكن للعاملين بها طلب المزيد من الأوراق الرسمية التي تسمح للأم بالسفر مع بيكا، ولكنهم لم يخططوا لذلك، على الرغم من علمهم بالأمر منذ شهر فبراير (شباط)، وصرح والد بيكا قائلًا: «كان في يد اللجنة أن تحل تلك الأزمة إذا خاطبت الاشخاص المناسبين، لكنهم اختاروا ألا يفعلوا ذلك».

من جانبها أوضحت بيكا لواشنطن بوست: «لم يسألني أحد من اللجنة عما أحتاجه، لم يسألني أحد هذا السؤال أبدًا»، وأكدت أنها في اجتماع بينها وبين اللجنة في مايو (آيار) الماضي بغرض التوصل إلى حل، أخبروها أنها يتعين عليها تحمل مسؤولية نفسها في طوكيو، وأنهوا الاجتماع، وشعرت بيكا حينها أنهم «نبذوها».

ومن خلال بيان أرسلته اللجنة لواشنطن بوست، وضح المسئولون خلاله أنهم يتعاملون مع قيود غير مسبوقة فيما يتعلق بدخول الأفراد المشاركين إلى أرض اليابان، وأن لجنة طوكيو المنظمة للألعاب الأولمبية، وأولمبياد المعاقين، بتوجيه رسمي من الحكومة اليابانية لا تسمح لأي فرد بخلاف اللاعبين المشاركين والموظفين الأساسيين بالدخول إلى البلاد.

وجاء في نص بيان اللجنة: «هذا الوضع الصعب – الوباء – الذي وجدنا أنفسنا فيه دفع العديد من الرياضيين الذين يحتاجون مساعدة شخصية إلى عدم المشاركة في أولمبياد المعاقين هذا العام، ونحن نشعر بالحزن والأسى لأنهم – الرياضيين – اضطروا إلى اتخاذ هذا القرار المؤلم، ولكن أيضًا الأولوية القصوى في هذا الوقت لضمان سلامة الرياضيين والمدربين والموظفين، ومواطني البلد المُضيف».

وبحسب التقرير فالعديد من اللجان الأولمبية والبارالمبية اضطرت إلى تقليص حجم وفودها مقارنة بالدورات السابقة، وقد أدركت أسرة بيكا أن اللجنة الأمريكية رفضت المساومة في إضافة والدتها إلى قائمة المسافرين لليابان؛ لأنه في هذه الحالة، وبدخول مرافق رعاية صحية واحد إلى اليابان؛ سيكون من المنطقي أن توافق البلد على استقبال باقي مرافقي الرعاية الصحية للاعبين الآخرين.

وكحل لتلك الأزمة، أخبرت اللجنة أسرة بيكا أنه سيكون هناك مرافق رعاية صحية واحد مصاحب لفريق السباحة البارالمبي الأمريكي، والذي يتكون من 34 رياضيًا، بالإضافة إلى ستة مدربين بإمكانهم المساعدة في تلبية الاحتياجات الشخصية.

تقول بيكا لواشنطن بوست: «من المفترض أن نحتفي بكل من تحدى إعاقته وكسر كل الحواجز، وتحدى الصعاب ليصل إلى تلك النقطة من النجاح، ولكن في المقابل يعاملوننا وكأننا عبء عليهم»، وترى بيكا أن مرافق الرعاية الصحية يجب أن يعتبر واحدًا من فريق الموظفين الأساسيين في أولمبياد المعاقين – البارالمبية – مثل الأفراد الذين أضيفوا في الأولمبياد كمساعد لاعب الجولف الذي يحمل له حقيبة الكرات.

ووضحت بيكا لواشنطن بوست أن في حديث بينها وبين باقي أفراد فريقها الذين سافروا إلى طوكيو بدون مرافق رعاية شخصية أدركت أن «جميعهم خائفون وفي حاجة إلى المساعدة»، ولكنهم يحاولون الصمود رغم ذلك، وإيجاد وسائل لمساعدة أنفسهم.

حلم مؤجل

تعتبر «S11» وفقًا لقوانين لجنة أولمبياد المعاقين فئة تصنيف يندرج تحت بندها السباحون المكفوفون تمامًا، وحسب قدرة السباح على الرؤية يتغير هذا التصنيف، ومن بين 34 سباحًا في أولمبياد المعاقين بالولايات المتحدة الأمريكية، صُنّف تسعة منهم على أنهم ضعاف البصر، ولكن بيكا هي الوحيدة من بين هؤلاء التسعة التي تعاني من الصمم أيضًا، وقد تدهور بصرها في السنوات الأخيرة، حتى أنها انحدرت من الفئة S13 إلى الفئة S12، أي أنها يفصلها عن أن تكون كفيفة تمامًا درجة واحدة.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن عملية زراعة القوقعة للأذن قد ساعدت بيكا كثيرًا على السمع في الأماكن الهادئة، إلا أنها تعتمد بشكل كبير على قراءة الشفاة في الأماكن المزدحمة أو الصاخبة، والتي تعد ملاعب الأولمبياد بعضها، وفي تلك الظروف الدولية التي تفرض علينا ارتداء الكمامة، سيكون من الصعب على بيكا قراءة الشفاة والتواصل مع الآخرين.

في تصريح لها لواشنطن بوست قالت والدة بيكا، والتي هي أيضًا مرافقة الرعاية الصحية الخاصة بها: «كم أود أن أضع غمامة على أعينهم، وأسد آذانهم، ثم أتركهم وسط مكان صاخب ومزدحم وأقول لهم: هيا! حظًا سعيدًا في إيجاد حمام للسباحة».

منذ عامين، تركت بيكا ناديها المحلي «نورث بالتيمور أكواتيك كلوب»، لتنضم إلى الفريق الوطني «ناشن كابيتال سويم كلوب» بواشنطن، وفي الفريق الوطني تدربت بيكا على يد «بروس جيميل»، والذي يُعرف باسم «مدرب كاتي ليديكي» وهي سباحة أمريكية فائزة بأربع ميداليات ذهبية وفضية. ووقتها كان نجم بيكا صاعدًا، وراعيها الرسمي كان شركة ملابس السباحة العالمية «سبيدو»، كما أنها كانت حاصلة على جائزة ESPY الرياضية مرتين كأحسن لاعبة ذات إعاقة، وهي جائزة التميز في الأداء الرياضي السنوية بالولايات المتحدة الأمريكية.

وينقل التقرير عن مدربها في النادي الوطني – جيميل – قوله: «بدون مبالغة عندما رأيتها تسبح في الماء للمرة الأولى ذكرتني ببطلة السباحة كاتي ليديكي». وأضاف أنه يتذكر حين قالت له بيكي: «أريد أن أتدرب وأصبح أفضل بغض النظر عن العقبات التي تواجهني»، وقتها – بحسب جيميل – كان يراها وكأنها «بطلة خارقة»، وقد عبر لها عن شعوره بذلك.

ولكن بعد انتشار الوباء العالمي – جائحة كورونا – كان فريقها يكافح مثل أي فريق آخر للحصول على مكان مناسب للتدريب داخل النادي، ولم يكن متاحًا لها ميعاد للتدريب سوى في الخامسة صباحًا، حين تكون الرؤية بالنسبة لها منعدمة، ولذلك اضطرت بيكا إلى العودة لبلدتها «تيمونيوم»، حيث تمكنت من التدريب وممارسة تمارين السباحة بمفردها في صالة الألعاب الرياضية المحلية هناك، ولم تكن ترى مدربها – جيميل – إلا قليلًا، ولكنها على الرغم من ذلك حافظت على مستوى أدائها ولياقتها، وفي تجارب البارالمبية الشهر الماضي، سجلت أفضل أداء في سباق الـ400 متر لفئة S12.

وحتى الآن لم تزل بيكا تطمح في إقناع شخص مسؤول بالسماح لها أن تصطحب مرافق رعاية شخصية، وتسافر معه إلى طوكيو. ووصف جيميل حالة بيكا قائلًا: «القلب ينفطر من أجلها». وأضاف: «إذا كان اللاعبون على قائمة أولوياتنا – وهو المفترض – فعلى لجنة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الأمريكية أن يكون أداؤها أفضل من ذلك».

تلك اللافتة التي كانت في منزل بيكا، والتي تخص دورة أولمبياد طوكيو لعام 2020، والتي جرى تأجيلها إلى عام 2021 بسبب جائحة كورونا، كان قد رُسم عليها رقم واحد مكان الرقم صفر في نهاية السنة، ظنًا من بيكا أنها ستكون ضمن المشاركين في تلك الدورة من الأولمبياد للمعاقين، ولكن هذه اللافتة سقطت منذ أسابيع، وسقط معها حلم مؤجل مرة أخرى لبيكا، ولكنها أيضًا أدركت أن ما تمر به الآن ليس سوى معركة أخرى في مسيرتها، ولم تزل في البداية. 

وينقل التقرير في ختامه عن بيكا قولها: «لقد كان الأمر صعبًا حقًا، ولكن كان يجب عليَّ أن أتخذ موقفا أمام الجميع، وأقول (كفى)، يجب أن أحمي من هم أصغر مني، ويجب أيضًا أن أفعل شيئًا لتغيير هذا الوضع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».