عند ذلك الحدّ الفاصل الدقيق ما بين الكتابة والرسم، يبرز الخطّ العربي مثالًا فائقًا على جماليّات تُطوّع ليُعبّر بها عما لا تستطيعه فنونٌ أخرى. عن هذه الجماليات يتحدث الكاتب ويل هاينريش في تقريره المنشور ضمن صحيفة «نيويورك تايمز» ومشاهداته للوحات العربيّة في معرض «جري» للفنون.

لمساتٌ عربيّة في ساحة الفن الدولية

يشيد الكاتب بجاذبية المرونة الفائقة للأبجدية العربية، والتي بسهولة تصويرها وبراعة جمال دوائرها ونقاطها وانحناءاتها تصبح قابلةً للتشكّل في أي صورةٍ قد تخطر لك تقريبًا، من حصانٍ ينتصب على قوائمه إلى شاشة تلفاز مشوشة.

تزايد ظهور الدول العربية على ساحة الفن الدولية في السنوات القليلة الماضية، ووفقًا للكاتب زاد إنفاقهم من ثرواتهم في دور المزادات وبناء المتاحف، لكن الفن المختص بمجالهم الثقافي لم يحظ بعد بنصيبه العادل من كل هذا الاهتمام الجديد، على الأقل ليس في نيويورك.

يشير الكاتب إلى اتّساع المجال الفنّي العربي وتنوعاته، ويعتبر أن القارئ الغربي قد يجد مدخلًا مناسبًا للتعرف على هذه الفنون عبر معرض «Taking Shape: Abstraction From the Arab World, 1950s-1980s» الذي أُقيم في معرض جري للفنون بجامعة نيويورك.

ويذكر الكاتب القيّمتين على المعرض سهيلة تاكيش من مؤسسة بارجيل للفنون في الإمارات العربية المتحدة ولين جامبيرت من معرض جري للفنون، واللتين أحضرتا 90 مطبوعةً ولوحةً فنية لفنانين عرب وأمازيغ، وآخرين من الجزائر، وصولًا إلى العراق، مع التركيز على العقود الماضية القليلة التي اتسمت بسمات مراحل إنهاء الاستعمار وبناء الأمة.

أغلب هؤلاء الرسامين حظوا ببعض التدريب الأوروبي أو الأمريكي. يُرى في المعرض اللوحات الرملية الخارجة عن المألوف، وبعض التفاصيل الأخرى الجذابة وغير المعتادة، إلى جانب بعض المقاربات الأكثر ألفةً مثل الألوان المشرقة لجوزيف ألبرز، ورشقات الإمباستو القرمزية التي تُحاكي بدايات الفن التعبيري التجريدي، لكنهم – وعلى نقيض الفنانين الأوروبيين – لديهم أيضًا أبجدية ذات تاريخ فنّي عريق، وهو ما يضفي على أعمالهم التجريدية تأثيرًا مختلفًا تمامًا.

لوحة للفنانة السورية مديحة عمر، مصدر الصورة: «نيويورك تايمز»

في جمال الحروف العربية

يشير الكاتب إلى لوحة الفنانة السورية مديحة عمر التي درست في مدرسة كوركوران للفنون والتصميم في واشنطن، وتعتبر الحروف العربية آلية للتعبير عن هويتها العلمانية، ووسيلة لامتلاك الفنّ الغربي على طريقتها الخاصة. يمتزج اللونان الأزرق والأحمر في لوحتها التي تعود لتاريخ 1978، موحيان سويًا بأشكال الحروف العربية والأهلّة القديمة المميزة لثقافة بلاد ما بين النهرين، لكن الفنانة تُشكّل الهلال ذهابًا وإيابًا على حواف اللوحة بطريقةٍ تبدو وكأنها حركة سرديّة، وتجعلك تفكّر بالكتابة حتى.

تحتفظ الحروف العربية برابطها الدينيّ المقدّس عند الفنان المصري عمر النجدي، وخاصةً حرف الألف، وهو – كما يصفه الكاتب – الحرف الذي يُرسم خطًا عموديًا مائلًا حادًا كصاعقة البرق، به تبدأ الأبجدية العربية والحرف الأول من اسم الله، وقد يمثل بداية الترقيم أحيانًا.

في لوحة النجدي غير المعنونة والتي تعود لعام 1970، تتداخل خطوط الألف العمودية في سحابةٍ تحوي أنواعًا عدّة من الألفات الطويلة والرفيعة إلى المنحنية قليلًا ومتمايلة، وتقدم سويًا رؤيا صوفية عن جوهر الألوهية في جميع مخلوقات العالم المختلفة. في اللوحة رؤيا صوفية للرسم بحدّ ذاته، حيث تحتفظ كل ضربة فرشاة باحتمالها اللانهائي ولو امتزجت جميعها بلوحة واحدة.

ينتقل الكاتب إلى الرسام والفنان التشكيلي العراقي شاكِر حسن آل سعيد، ورسمته «المنتصرون» من عام 1983، والتي تبدو وكأنها تشكيلة عمل فني على حائطٍ جرى عليه الزمان بمرّه، وترفع غموض أحرف ألف النجديّ إلى مستوى مثيرٍ للدوار أكثر. برصانةٍ يلوّح الشريط الأسود عبر الجزء السفليّ الرماديّ من المستطيل لمفهوم الأفق، بينما تتموضع فوقه مجموعة من الشبكات والخربشات التي تبدو بتلقائية جرافيتي الجدران المعتاد. وفوق ما سبق كله، تطفو علامة من شدة بساطتها تبدو وكأنها ضربة بخاخ سوداء بحلقةٍ واحدة أنيقة، وهي تمثل حرف العطف العربي «و».

العربية.. تشكيلاتٌ فنية أصيلة

ينتقل الكاتب إلى الفنانة والأميرة الأردنية وجدان التي توقع لوحاتها باسمها عادةً، ولوحتها الزيتية العائدة لعام 1970. تبدو في هذه اللوحة خطوط: الأحمر، والأزرق، والبرتقالي، والأسود، متراصفة ومتزاحمة على محيطٍ أبيض مصفرّ، تقاطعها شرطاتٌ عمودية كلّ منها مُشدّد على تمايزها مثلما الحروف، بغض النظر عن تأثيرها مجتمعةً.

لوحة الفنان المصري عمر النجدي، مصدر الصورة: «نيويورك تايمز»

يرتقي المستوى المفاهيميّ في المحتوى الشفعي المضاف في لوحات الفنان التشكيلي الفلسطيني البارز كمال بلاطة، ويذكر الكاتب على وجه التحديد لوحته المكتوب فيها «لا أنا إلا أنا» من عام 1983، وبها مشاكلة لأساس العقيدة الإسلامية وشعارها «لا إله إلا الله».

وكذلك الحال مع لوحات الرسام اللبناني صليبا الدويهي في الستينات، واستخدامه للألوان المشرقة والخطوط الحادة، لكن يخصص الكاتب بالذكر لوحتين صغيرتين بدا الدويهي فيها وكأنه قد دفع كل زخم الرسمة وحركتها باتجاه الحواف، بحيث تذكّر بالضرورة بالانحناءات الرأسية المميزة للكتابة العربية المتصلة.

يتأمّل الكاتب بخاصية تمازج الحرف العربي بالفنّ، مشيرًا لكون قراءة الحروف والصور تصبّان في آليتين مختلفتين، ولذلك فإن كل العلامات التي تشابه الأحرف ولكنها ليست أحرف حقيقية – غير قابلة للقراءة – تثير شعورًا قويًا لدى المتلقي، وكأنها بوابة على احتمالاتٍ لا نهائية، وكأنك تسكن فرشاة الفنان نفسه فيما تتردد بين الكتابة والرسم.

ويسترجع الكاتب لوحة «المنتصرون» لشاكِر حسن آل سعيد، والتي يجد أن هذه المشاعر تتمثل فيها، وتشتمل على العديد من التناقضات – الهوية المحلية مقابل الهوية القومية العربية، والمجتمع المدني مقابل المجتمع الديني – بحيث تصبح لوحة واحدة منفذًا مفتوحًا على اللانهائي.

يستمدّ الفنانان المغربيان أحمد الشرقاوي والجيلالي الغرباوي إلهامهما من أبجدية تيفيناغ التي استخدمها الأمازيغ بمنطقة شمال أفريقيا، فلجمال الحرف الأمازيغيّ وحضوره أثر نفّاذ في رسوماتهما.

تتميز لوحات هذين الفنانين بالبقع اللونية المتوهجة والقوية، مع تقاطعات الخطوط السميكة السوداء أو الوردية والتي تُحاكي أحرفًا أمازيغية في بعض أجزائها – مثل حرف ياز «ⵣ» الذي يظهر على العلم الأمازيغي – وتثقل كاهل العين بقوة حضورها إلى درجة يبدو فيها وكأن الرسمة على اللوحة بُثّت فيها الحياة وصارت تُخبِرُ عن رسالتها بصوتٍ لا لبس فيه.

لوحة «المرايا الحمراء» للفنان المغربي أحمد الشرقاوي ، مصدر الصورة: «نيويورك تايمز»

ويتوقف الكاتب في النهاية عند لوحة الغرباوي «تكوين» من عام 1969، والتي يستخدم الرسام بها حلقات وانحناءات سوداء كثيفة يفصل بها انفجارات من الأبيض والأصفر المتمازجين مثل بيضٍ حار خرج للتوّ من موقدٍ سماوي.

ولكن يبقى الغموض يحيط باللوحة، هل ما بها هو حرف أم رسم؟ وهل هي تعبير رمزي أو تجريدي؟ وهل تحكي انفجارات الأحمر مشاعر الفرح أو اليأس؟ أيًّا ما كان الجواب، فقد استطاع الغرباوي بالتأكيد أن يدمجها جميعًا على أساسٍ صلب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».