«كِل ما بدي تابع مسلسل، بغيرو مواعيد قطع الكهربا، هيك بروح عليّ كتير حلقات أو حتى مشاهد، وما عاد بقدر أفهم القصة»، تقول أمل، التي تخلت عن مشاهدة الكثير من الأعمال لهذا السبب. يمنع غياب الكهرباء الطويل السوريين من أبسط متعهم، «مشاهدة التلفاز».

«ما في كهربا» بهذه الردّ الموجز يختصر السوريون معاناتهم الطويلة، في ظلّ غياب الكهرباء وغياب الدراما معها، ولذا يظلُّ من المبكر والعسير تقييم رأي الجمهور في دراماه التي لا يستطيع مشاهدتها وإن أحب ذلك.

دراما لا تسدّ جوع المشاهد

اختيار المسلسلات من نصيب الكهرباء لا المشاهدين، تقول راما: «المسلسل الي بيطلع والكهربا جاي بنحضرو»، ومع عودتها بعد أيام يُدرك المشاهد أن البطل أصبح في مكان آخر أو أنجب طفلًا أو حتى توفيت إحدى الشخصيات الرئيسية.

تتفاوت نسبة مشاهد الجمهور لدراما 2021، فالبعض لا يتابع أيًّا منها اعتقادًا بأن كلّ ما يعرض هي «أعمالٌ سخيفة»، أمّا سبب هذا الاعتقاد حسب رأيهم فهو كثرة الأعمال الرديئة خلال السنوات السابقة والتي غدت أضعف فنيًا عامًا بعد آخر، ما عزّز هذا الانطباع عند الجمهور.

يجد المتابعون في أعمال أخرى مجرد مسلسلات لإمضاء الوقت أو كما سماها البعض، «وقتيّة»، هدفها جمع المال لمنتجيها دون إضافة أيّ قيمة حقيقة للمشاهد. لا تخفى أسباب هذا التراجع الحاد على المشاهد السوري، الذي ساعدته الدراما السورية عبر عقود في فهمٍ واسع ودقيق لها، وبخاصة الأعمال التي عُرضت منذ بداية التسعينيات، ويدرك المشاهد اليوم غياب النصوص الدرامية القوية، فلا حوارات متقنة أو صادمة، ولا مواضيع غير مطروقة أو جدلية يمكن بفضلها تجاوز ركاكة التصوير أو الإخراج.

Embed from Getty Images

صورة لطفل سوري لاجئ في تركيا يشاهد التلفاز في خيمة

لا تنفصل الدراما عن الوضع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، فمن المفارقة الحديث عن دراما جيدة تتابعها العائلات بطمأنينة بينما تقضي هذه العائلات يومها في السعي خلف الخبز والغاز للطهو، وفي المواصلات، للوصول إلى لحظة الإفطار دون الخشية من الجوع.

لا يمكن أن تعبّر فنانات ملأن وجوههن بعمليات التجميل والعدسات اللاصقة وأحمر الشفاه الفاقع عن واقع نساء يقضين نهارهن على طوابير السكر والأرز، لا تشبه هؤلاء الممثلات الحقيقة، حتى لو كان تمثيلهن جيدًا وقدمن قصصًا واقعية، فوجوه النساء في الخارج متعبة وتائهة، ولا تملك رفاهية النظر في المرآة لأيام.

ومع مرور شهر رمضان يدرك الجمهور غياب القصص المتماسكة، لتغيب الواقعية عن دراما 2021، فلا تطرَّق للأزمات الاقتصادية الخانقة التي يعيشها السوريون ولا لمشاكل جيل الشباب المتخطّف بين الهجرة والفقر والجوع والقتل، ولا طرح لأزمات اللجوء والهجرة أو النزوح، لم تُعالج مواضيع تمس الشارع مثل انفصال العائلات، وغياب المُعيل وتحديات النساء السوريات أمام انعدام الحلول، ولم نرَ اختلاف الطبقات كما هي على أرض الواقع، ولا ملامح للمدن السورية، ومسلسلاتٌ شامية تغيب عنها شوارع دمشق، لتبدو أعمال 2021 قادمةً من «عالم آخر»، وكأن حقيقة السوري مشوّهة.

الأعمال العريقة تكشف انحدار أعمال اليوم

شكلت الأعمال القديمة ذاكرة السوريين عبر السنين، خالقةً علاقات داخل المجتمع السوريّ، فلطالما اجتمعت العائلات والأصدقاء مع بدء عرض مسلسلاتٍ مثل «الزير سالم»، و«الفصول الأربعة» و«ربيع قرطبة»، لتدور بعدها الأحاديث والنقاشات، لتفتح أفقًا للمشاهد، ولم يكن هذا الأفق ضيقًا، فهو عن وجود المشاهد، وعلاقاته مع محيطه وتاريخه ومستقبله، ولربما هذا ما تفتقده الدراما السورية اليوم. وهنا يكمن التحدي الأول لها؛ تجاوز الأعمال الفارقة مثل «حمام القيشاني» كبيئةٍ شامية، أو «ضيعة ضايعة» ومسلسل «مرايا» على صعيد الأعمال الكوميدية. التحدي في إقناع الجمهور بأعمال ترقى إلى مستوى الأعمال التي كبُرت عليها أجيال وتذوقت تكاملها الفنيّ والإخراجي وحتى موسيقاها.

يتابع البعض عملًا أو اثنين في أفضل الأحوال، وآخرون يكتفون بأعمال البيئة الشامية، التي لا زالت تتربع على عرش الدراما السوريّة رغم وقوعها في الكثير من المطبات، مما جعلها أعمالًا مخيبة لآمال متابعيها، لكن هذا لا يمنع الطلب العربي المتزايد عليها، بسبب البيئة الجذابة واللكنة الشامية المحببة، فبعد النجاح الساحق لمسلسل باب الحارة الذي يعرض اليوم في الجزء 11 منه، بات هناك طوفان من مسلسلات البيئة الشامية التي قدمت عبر سنوات صورة مغلوطة عن الحياة الدمشقية، بتنميط النساء الدمشقيات، فقدمتهن على أنهن نساء جاهلات، قليلات الحيلة ولا يستخدمن عقولهن.

ومثلًا، يعرض أحد المشاهد في مسلسل «حارة القبة» ضربَ الفنان عباس النوري للفنانة سلافة معمار، التي تحاول أن تجد حلًا لمشكلة وقعت فيها ابنتها دون علم زوجها فتقع هي في مشكلة أكبر، لا يعالج هذا المشهد أي أزمة حقيقية تتعلق بقضايا المرأة، يريد الزوج اعتراف زوجته المريضة وغير الواعية بسبب تعاطيها لنبتة الخشخاش على يد ابنتها، والزوجة شبه غائبة عن الوعي، والزوج يعنفها غامسًا رأسها في الماء كي تعترف، وهي عاجزة وخائفة ولا تعلم ما يحدث حولها، ورغم ذلك يستمر الزوج بضربها، فما القضية التي يعالجها هذا المشهد؟ لا شيء سوى تصدير عنف ضد المرأة.

مقطع ترويجي لمسلسل حارة القبة

وبالحديث عن مسلسلات البيئة الشامية، يبدو أن المنتجين يجدون أنها تستحق ميزانية عالية، فحسب الفنان أيمن رضا، كانت تكلفة مسلسل «الكندوش» 3 ملايين دولار، وهو رقم كبير لم يُطرح سوى في فترة ما قبل الحرب السورية، أي قبل 2011، وهو رقم لا تقدمه أي شركة إنتاج داخل سورية.

ومن جهة أخرى، ركزت أعمال مثل مسلسل «خريف العشاق» على ثيمات الحب، ويميل هذا العمل إلى الصورة البصرية الجميلة لكنه يبتعد كليًا عن الواقع، ويدور في فترة السبعينيات، ويعالج مشكلةً مهمة وهي الزواج بين بيئات مختلفة، وما تتركه من آثار اجتماعية وسياسية، لكنه يبقى في إطار العمل الرومانسي، بينما كان يمكن معالجة قضية كهذه في شكلها الحاليّ في الزمن الحاضر، لا في شكلها التاريخي، مع طرح الصعوبات التي تواجه الشباب لو اختاروا شريكًا من خارج دينهم أو دائرتهم الاجتماعية، أو إذا أرادوا الزواج وهم في نزوح أو لجوء.

وتقع أغلب الأعمال في مطبات الإطالة والتمهيد الطويل والممل، وهذا يطرح سؤال إن كان يمكن اختصار كلّ هذه الحلقات بعشر حلقات أو خمسة عشر حلقة بدلًا من ثلاثين؟ وهذا ما تتجه له الكثير من الأعمال العالمية ما يزيد من زخم الحوارات والحدث، بخاصة في زمن متسارع لا يجد فيه المشاهد الوقت الكافي لمتابعة أعمالٍ طويلة.

في سوريا: وراثة التمثيل كوراثة السلطة

يبدو أن الوراثة في سورية لا تتعلق بالكرسي الرئاسيّ، وحسب بل بتوارث التمثيل أيضًا، إذ يُمثّل اليوم في الدراما السورية ممثلون أبناء ممثلين، مثل ترف التقي، ابنة الفنانة صباح الجزائري، وهمام رضى، ابن الفنان أيمن رضى، وهافال حمدي، ابن الراحل طلحت حمدي، وتطول القائمة، وبعيدًا عن كفاءة كل منهم وما قدموه، إلّا أن حضورهم «الكثيف» يعكسُ مشكلة أساسية وقديمة في سوريا.

مشكلة توريث السلطة، التي بدأت مع نظام الأسد بمنح الأب حافظ الأسد السلطة لابنه بشار، رغم عدم إتمامه الأربعين عامًا حينها، وهو أحد شروط الدستور السوري فيمن سيكون رئيسًا للبلاد، ولكن الدستور تغيّر ليناسب عائلة الأسد، واليوم تنتشر شائعات عن تحضير بشار لابنه البكر حافظ للرئاسة. «حافظ»، سلالة واسمٌ لن يتوقف السوريون عن ترديده، هذا التعامل مع السلطة انعكسَ على كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في سوريا، وصار سلوك التوريث منتشرًا في كل مكان، وتفضيل الأقارب على غيرهم بعيدًا عن وجود الكفاءة.

ومن جهة أخرى تعاني الأعمال اليوم من ضياع في هويتها الدرامية، وتخبط في مواضيعها واستسهال الطرح في محاولة للهيمنة على السوق بدلًا من دعم الذائقة الجماهيرية وتطويرها على الأقل، وبانت ملامح هذا التفكك منذ بداية الثورة السورية وانقسام الممثلين والمخرجين، اعتقل النظام بعضهم وفرّ آخرون خارج سورية، وأثَّر ذلك بشكل مباشر على الدراما السورية التي كانت سوريّة خالصة، وبعد الثورة احتكر النظام هذه الدراما عبر مؤسسته الرسمية أو حتى مؤسسات تابعة لرجال أعمال يدعمونه، مثل محمد قبنض، رجل الأعمال السوري وعضو البرلمان منذ 2016، ومالك شركة قبنض للإنتاج والتوزيع، بالإضافة إلى ظهور رجل الأعمال المؤيد للنظام سامر الفوز، الذي استحوذ على شركة «سما الفن» أو «سوريا الدولية» سابقًا.

وهذا ما أنتج دراما تميل لمحاباة النظام، دون التغلغل بشكل جدي في نقاش الثورة وأزمة الإنسان السوري إلّا عبر أعمال قليلة مثل المسلسل الكوميدي «ضبوا الشناتي»، و«حلاوة روح»، و«قلم حمرة». إذ تعمل هذه الجهات الرسمية التابعة للنظام على تقديم المعارضة السورية على أنها جهة «إرهابية» على الدوام، دون التطرق إلى القتل والمظاهرات، أو أسباب انقسام المجتمع السوري أو حرية التعبير، لتعالج نتائج الثورة والحراك، لا أسبابها مثل الاستبداد السياسي والتهجير والخطف، والأزمات المجتمعية، وأوضح مثال في مسلسل «روزنا»، من المؤسسة العربية للإنتاج، الذي أعلن مخرجه عارف الطويل صراحةً أنه هدية لأهل مدينة حلب بمناسبة انتصار الجيش فيها، أو مَن بقيَ من أهل حلب، إذ أين هم أهل المدينة المهجرين اليوم؟

وفي الوقت ذاته، تفرض دراما النظام قيدًا صارمًا على أعمال تجد فيها تهديدًا لها، مثلما حصل مع مسلسل «ترجمان الأشواق» لمحمد عبد العزيز، الذي مُنِع من العرض، ويحكي المسلسل قصّة ثلاثة أصدقاء يساريين وعلاقتهم مع السلطة وتسلط واستبداد أجهزة الأمن السوري، لاحقًا أُفرِج عن المسلسل بعد أخذٍ وردٍّ وتغيير في المشاهد التي طلبت الرقابة حذفها وإعادة تصويرها.

لم يكن الانتقال بطبيعة الحال سهلًا من مسلسلات تُنتَج وسط ظروف طبيعية إلى أخرى أنتجت في ظل الثورة والحرب والأزمات الاقتصادية، وحين نتحدث اليوم عن أعمال تنتج داخل سوريا فهذا يعني المزيد من الرقابة والخطوط الحمراء والتحديات، وهذا كله سيفضي بطبيعة الحال إلى نوع جديد ومختلف من الدراما هي الأقرب إلى ما يطلبه السوق والنظام، مع تركيز على ما سيعود بالفائدة المالية على منتجي الدراما.

إعلان مسلسل ترجمان الأشواق

ولذا شاهدنا العديد من الأعمال المنفصلة عن واقعها والغريبة وإن حاولت في بعض زواياها معالجة مشاكل حالية مثل الفساد السياسي أو الفلتان الأمني، مثل مسلسل «على صفيح ساخن»، والذي ترك صدى إيجابيًا بين المشاهدين، إلّا أن معالجته للقضايا المطروحة كانت بالحد الأدنى، دون المساس بأيّ رمز سياسي، وعالج المسلسل قصص المهمشين المرتبطة بالسلاح والمخدرات في سوريا، ومافيات نبش الزبالة والمخدرات، وارتباطها بالجمعيات الخيرية ورجال الدين.

وابتعد المسلسل عن الإضاءة المباشرة والمملة على المعارضة كما جرت العادة، وأظهر الجماعات الدينية التابعة للنظام ترتكب الفظائع، ولكن يبقى هذا النقد محدودًا، فلا شكَّ أن لهذه المافيات والعصابات ارتباطٌ وثيق برموز كبيرة في النظام السوريّ، ولكن قوة العمل لم تخفى على المشاهدين الذين ورغم كل الفوضى الإنتاجية والدرامية ما زالوا يميزون الجيد منها.

مع وصولنا لنهاية شهر رمضان، يعود المشاهدون إلى الأعمال القديمة التي ورغم مرور السنين تستمر في إمداد المشاهد بالمتعة البصرية والأفكار العبقرية، والسؤال المهم الآن: هل تحتضر الدراما السورية؟