«عزيزي ثيو، عندما أسيقظتُ صباح اليوم، رأيت اللون الأصفر منسكبًا في أنحاء غرفتي، والستائر المغلقة يكسوها ضوء الشمس المبهج الذي اخترقها مضيئًا زوايا الغرفة الزرقاء. فتحت النافذة لأتفقّد الأجواء في الخارج، وكانت زهور عباد الشمس التي على وشك أن تُنقل إلى لوحةٍ جديدة، تتهامس فيما بينهما وتتبسّمُ لي خجلِة. أدركتُ أنه العيد مرة أخرى»، *من خطاب فينسنت فان جوخ، لأخيه ثيو.

عانى من الاكتئاب، ومن الإهمال، أحب البشرية ولم تبادله الحب؛ فقرر أن يرسم، ومن ثَم أصبح رائدًا من رواد مدرسة ما بعد الانطباعية، وواحدًا من أعظم فناني هولندا، وعُرِف في الثقافة الشعبية باعتباره رمزًا من رموز الفن، إنه فينسنت فان جوخ.

فان جوخ «أخو التعساء».. من هنا كانت البداية

في قرية صغيرة في إقليم باربانت جنوب هولندا رزق ثيودراس فان جوخ بابنه الثاني، السعادة التي غمرته كانت لا توصف، خاصة وأن هذا الابن جاء بعد وفاة ابنه الأول بعام. تقرر أنّا زوجة ثيودراس تسمية وليدها على اسم ابنها الراحل فينسنت ويليم، ليكون فينسنت ويليم فان جوخ الأخ الأكبر لستة أطفال سيُرزق بهم ثيودراس فيما بعد.

نشأ فينسنت طفلًا محبًا للريف يقضي أغلب وقته متجولًا في الحقول بين الأزهار، بيئة خلابة طبعت في عقله الصغير حب الطبيعة، وملأت قلبه الكبير بمشاعر تقدير الجمال. ومنذ أن أتى أخوه ثيو إلى الدنيا نشأت بين الاثنين علاقة أخوة حقيقية، دام أثرها حتى بعد وفاتهما. وفي عامه السادس عشر كان أول تعامل لفينسنت مع الفن واللوحات الفنية، ليس كفنان، بل بائع. ذهب فينسنت إلى لاهاي، بجنوب هولندا، ليعمل بفرع «جوبيل آند كو» الشركة العالمية لبيع وتسويق اللوحات والتي كان عمه شريكا فيها. انتقل فينسنت لمقر الشركة في لندن بعد ذلك، ثم إلى باريس، ولعل تعامل فينسنت اليومي مع اللوحات كان عاملًا مهمًا في تذوقه لجمال الفن ونمو حسه الفني والجمالي.

«لوحة حقل القمح وزهور الذرة»

الا أن فينسنت لم يجد نفسه في بيع اللوحات، وقرر أن يترك هذا المجال على الرغم من أنه الذي أنار شعلة الفن في عقله. لكنه لم يكن يدري ماذا يريد أن يفعل، ماذا يريد أن يحقق، فخاض رحلة شاقة متنقلًا من مهنة إلى أخرى ومن مجال لآخر. بدأ مدرسًا للغة بإحدى المدارس بإنجلترا، ثم بائعًا للكتب في هولندا، ثم قرر التوجه إلى الكنيسة.

امتلك فينسنت منذ صباه رغبة أصيلة في مساعدة البشر، وبسبب هذه الرغبة  قرر الانضمام للكنيسة ليهدي الناس ويعلمهم، لكنه بعد فترة وجيزة اختلف مع الكنيسة بسبب طرقهم التقليدية في التبشير والدعوة، تلك الطرق التي ظن فينسنت أنها بالية وقديمة. وبسبب ذلك الخلاف قررت الكنيسة إرساله لإقليم بوريناج في بلجيكا، إقليم فقير يعيش فيه عمال مناجم الفحم.

في تلك الفترة اختار فينسنت نمط حياة غاية في الصعوبة، وتخلى عن كل ممتلكاته ليعيش زاهدًا مع الفقراء، وتحول لـ«مسيح مناجم الفحم». أحبه العمال لأنه اعتبر نفسه منهم، وظهر تعلقه بالفقراء وحبه لهم على مدى مشواره الفني في لوحات عديدة مثل «أكلي البطاطس» و«الفقراء والمال» ولوحات أخرى أظهرت مشاعر فينسنت تجاه الطبقة الأقل حظا منه. لكن الكنيسة رفضت ما يفعله فينسنت واعتبرته تطبيقًا أكثر من حرفي لتعاليم المسيح، وبناء عليه جرى عزله من منصبه وطرده من الكنيسة.

هذا الرفض لم يكن الأول في حياة فينسنت، فعندما كان في لندن وقع في حب فتاة إنجليزية، لكن لم تبادله المشاعر نفسها، فكانت خيبة الأمل الأولى، وها هي الكنيسة تنبذه، بالرغم من صدق رسالته ونبل مشاعره.

انعزل فينسينت عن الجميع، لماذا لا يبادله العالم الحب؟ من بقي له؟ من يشعر بحزنه؟ وفي وحدته وجد ألوانًا احتفظ بها منذ أيام عمله في مجال اللوحات. إذًا سيرسم، ويواسي بألوانه أحزان من حوله أو كما قال في خطاب من خطاباته لأخيه ثيو «أريد أن أرسل للتعساء رسالة أخوية، فحينما أوقع لوحاتي باسم فينسنت فكأني واحد منهم». بدأ مع نفسه بدون أي تدريب، ثم أدرك أنه بحاجة لمزيد من التعلم، ويحتاج أن يعرف تقنيات مختلفة وأساليب مختلفة، فشد الرحال وبدأ رحلة طويلة من التعلم انتهت بتكوين فينسنت لأسلوبه الفريد وريادته لـ«مدرسة ما بعد الانطباعية».

الفترة من 1880 وحتى 1890 – وهي فترة قصيرة بالنسبة للفنانين – كانت فترة الإنتاج الفني لفينسنت. إنتقاله لباريس 1886 ربما كان الخطوة التي طوّرت له أسلوبًا مميزًا، فقد تعرض هناك لأعمال المدرسة الانطباعية، ما جعله يستخدم ألوان أكثر حيوية ويطور في تقنياته. كذلك اتجه للبحث في الفن الياباني للتعرف على الأساليب الخاصة به وأنتج من بحثه هذا لوحة شهيرة للغاية وهي«Japonaiserie»، والتي يظهر فيها التداخل بين أسلوب فينسنت وبين الفن الياباني الشعبي.

عندما استقر فينسنت في فرنسا، التقى هناك فنان آخر هو بول جوجين، ليسكنا سويا ويكونا صداقة قائمة على حب الفن والجمال. ولعل جوجين هو أكثر من ترك أثرًا في فينسنت، فاتبعا الأسلوب نفسه ورسما المواضيع نفسها.

لكن للأسف لم تكن الحياة دائمًا وردية. فينسنت يعاني من عدم القدرة على التحكم في غضبه، وفي شجار بينه وبين بول ينفعل فينسنت ويمسك بموس الحلاقة ليصيب أذنه في الحادثة المعروفة. إلا أن هانز كوفمان وريتا ويلدجانز – من أشهر مؤرخي الفن في القرن 21 – ذكرا في كتابهما «Van Gogh’s Ohr: Paul Gaugin und der Pakt des Schweigens» أن بول هو من أصاب فينسنت وليس كما هو متعارف أن فينسنت أصاب نفسه، لكن ووفقًا للكتاب تحمل فينسنت اللوم. وعلى الرغم من رحيل جوجين بسبب ذلك الشجار، إلا أن تأثيره لم يرحل وظل ظاهرًا في لوحات فينسنت، بل وصل الأمر أن بدأ فينسنت يرسم من الذاكرة وهو أمر كان يفعله جوجين دائمًا.

كانت ميزة الرسم من الذاكرة أنه يجعل اللوحة تبدو أكثر زخرفة وأقل دقة، فلا تكون اللوحة مجرد رسم للمشهد، بل دمجا للمشاعر والذكريات لتكوين المشهد.

«بورتريه شخصي- فان جوخ وأذنه المصابة»

يمر الوقت وتتكرر المواقف التي تظهر لفينسنت أن به خطب ما، فيقرر الدخول للمصحة النفسية. في المصحة النفسية يستمر انتاجه، بل يبدع هناك وينتج لوحة من أشهر لوحاته وهي «The Starry night». يبقى فينسنت في المصحة ويخرج بعد 12 شهرًا، وقد اشتاق للمنزل واشتاق لثيو.

«عزيزي ثيو».. رسائل فان جوخ الحزينة

ربطت فينسنت وثيو علاقة أخوة قوية. بالنسبة لثيو فإن فينسنت هو أخوه الكبير، فنان عبقري لا يلقى حق قدره من الحب والشهرة على الرغم من براعته في الرسم. وبالنسبة لفينسنت فإن ثيو هو أخوه الصغير الذي كان موجودًا من أجله، ودائمًا ما دعمه معنويًا أو ماديًا. الرسائل كانت وسيلة التواصل بين الأخوين لفترات طويلة، لكن أهمية الرسائل لم تظهر في وقتها، بل حينما قامت زوجة ثيو بنشرها.

كانت الوحدة أمرًا شديد الصعوبة على فينسنت، والفشل أصعب. وتلك السنين ليس له سوى أخيه ثيو الذي كان يصدِّق في عبقريته، عكس الكثيرين الذين لم يتذوقوا جمال فنه. وعلى الرغم من دعم ثيو، وعرض أعمال لفينسنت في معارض مختلفة في آخر سنتين من عمره، إلا أنه كان يحتاج للحب.

يخرج فان جوخ في يوم من الأيام ليمشي كعادته في الريف، لكن هذه المرة كانت مختلفة. كان فينسنت يحمل معه مسدسًا، نعم، قرر أن انتظار النهاية قد أرهقه أكثر من انتظار الحب، لذلك سينهي الحكاية بنفسه.

يمسك بالمسدس ويرى حياته على شكل لوحات، وعلى عكس لوحاته المبهجة المليئة بالألوان، فحياته كانت كئيبة خالية من أي لون. إلا أنه يفشل في الانتحار، فتصيبه الرصاص بجرح بليغ لكن لا تنهي حياته، يعود وخلفه دربٌ من الدماء، يلقي بجسده المتهالك على سريره، وينتظر النهاية.

«لقد أطلقت النار على نفسي، أرجو ألا أكون فشلت في ذلك أيضًا»

هذا ما قاله عندما عثر عليه في سريره ينزف الدماء، وبالفعل مات فينسنت بعد الحادث بيومين. غير أن أصوات ظهرت لاحقًا وتبنت ادّعاءً يقول بأن فينسنت لم ينتحر ذلك اليوم، ولم يطلق الرصاصة، بل هناك رصاصة طائشة كانت هي السبب في مقتل الفنان المضطرب، وذلك وفقًا لكتاب «Van Gogh: The life».

لم يتحمل ثيو موت أخيه الكبير ومات بعده بستة أشهر، وهنا ظهر دور جو فان جوخ بونجر، أرملة ثيو، فباعت بعض من لوحات فينسنت ونشرت الخطابات التي كان يرسلها فينسنت لزوجها، لتنتشر مأساة الفنان ويذيع صيته، ولكن للأسف بعد فوات الأوان. ويمكن القول إن هذا الحدث كان نقطة تحول العلاقة بين الجمهور وفينسنت. الجمهور يحب القصة، يحب الدراما، وما أجمل من قصة فنان منبوذ انتحر بعد أن فقد الأمل في أن يلقى التقدير الذي يستحقه؟

«تريلر فيلم Loving Vincent- 2017»:

 بدأ المجتمع يعطي فرصة للوحات فينسنت، وينظر لها على أنها إبداع جديد خرج عن المألوف، وهنا اكتسب فينسنت لقبه، رائد من رواد مدرسة ما بعد الإنطباعية.

خطابات فينسنت لثيو لم تكن سببًا في انتشار أعماله فحسب، بل في انتشار قصة حياته، وتحوله لشخصية عامة. مأساة فينسنت فان جوخ حظيت باهتمام شعبي أكبر من كثير من مآسي فنانين آخرين – وهم كثيرون – فلم يعد الأمر يقتصر على لوحاته فقط، بل يمتد الأمر إلى حياته نفسها. نرى لوحة جميلة له، فنتذكر تلقائيًا سيرته وحياته، وربما محاولاته الدائمة لحب البشرية التي لم تحبه.

ذلك التأثر ظهر بشكل واضح في تحول فينسنت من فنان يقتصر تأثيره على مجتمع محبي الفن إلى فنان يعرفه الجميع. فقد ألّف توباك شاكور أغنية « إهداءً لفينسنت، فيلم «Lust for life» الذي أنتج في الخمسينات تحدث عن حياة فينسنت، وقام كيرك دوجلاس بدور فينسنت بينما أدى أنثوني كوين دور بول جوجين.

بالإضافة للكثير والكثير من الأفلام الوثائقية أو أفلام السيرة الذاتية التي وثقت إما لحظات من حياة فينسنت أو حياته بالكامل مثل «Van Gogh» الصادر هذا العام، و«Loving Vincent» فيلم الأنيمشن المبني بالكامل على قاموس فان جوخ اللوني، وأفلام أخرى كثيرة مثل: «Vincent Van Gogh: A New Way of Seeing» و «Painted with Words» وأفلام أخرى قائمة على قصة فينسنت أو خطاباته لأخيه.

كل ذلك ساهم في تجسيد شخصية لفينسنت عند الجمهور، ربما طغى على تلك الشخصية بعض الغموض وربما ظهرت بعض القصص والأساطير الشعبية، فيتحول فينسنت إلى شخصية فلكلورية، إذ لم يعد فان جوخ مقصورًا في شخصه، بل تحوّل إلى ما يشبه الملكية العامة، يسقط عليه المرء ما في نفسه. وهنا تكمن المشكلة.

جوارب «ستاري نايت».. عندما تكون الشهرة مؤذية

نشرت صحيفة «الجارديان» على موقعها الإلكتروني مقالًا  يتحدث عن خطورة تحول فينسنت لشخصية فلكلورية. المقال يتحدث عن كيف أن شخصية فينسنت الظاهرة على الساحة الشعبية والمعروفة عند الجمهور ليست الشخصية الحقيقية لفينسنت وأننا نتعامل معه بأسلوب مشابه للأسلوب الذي تعامل معه به الناس في حياته، تعامل مبني على عدم الفهم. المقال يهاجم فيلم «Loving Vincent» السالف ذكره باعتبار أنه يقدم نسخة رخيصة من الفنان الشهير.

جوناثان جونز، كاتب المقال، وأحد كتاب باب الفن بـصحيفة «الجارديان»، يهاجم تحويل فينسنت إلى «كليشيه»، عن طريق اختلاق القصص وتأليف الحكايات. ويرى أن ما يحتاجه فينسنت منا أن نعرفه حقًا. أن نعرف من هو فينسنت وما هي قصته الحقيقية. ويقترح جونز أن الطوابير أمام معرض فان جوخ في أمستردام لا تحتاج لمزيد من الناس، فقد أصبح فان جوخ أيقونة وانتهى الأمر، لكن ككل أيقونة، نحتاج أحيانًا أن نفهم الخلفية التي أتت منها، وكيف أصبحت ما هي عليه.

وإذا نظرنا للأمر سنجد أن الإلتفاف حول أعمال فينسنت مرتبط بالفعل عندنا بقصة فينسنت ذاتها، مرتبط بالمعاناة التي عاناها، بالحزن الذي حزنه، بالتعاسة والضيق وعدم الشعور بالحب المتبادل، ويجب حينها أن نسأل أنفسنا، هل هكذا نظلم المنتج الفني؟ عندما يكون التقدير للفنان ذاته سببًا في تقديرنا للمنتج، هل هكذا نقلل من قيمة المنتج؟ أليس المنتج جيدًا بما يكفي لينال التقدير بذاته وبدون وجود قصة مؤثرة خلفه؟

كذلك فإن تحول فينسنت لهذه الشخصية المنتشرة في «البوب كالتشر (الثقافة الشعبية)» تحول لمصدر رزق، فنجد جوارب تحمل رسمته الشهيرة «ستاري نايت»، وقمصان عليها بورتريهات فان جوخ، وكراسات مكتوب عليها عزيزي ثيو، سلع تستغل قصة فينسنت فان جوخ التعيسة لتحولها إلى أموال. وهنا نطرح سؤالًا آخر: هل شراء هذه المنتجات يعتبر تعبيرًا عن حبنا لفان جوخ؟ أم أننا هكذا نساهم في استغلال قصة فنان حزين للتربح وكسب العائد المادي؟