لم تنحصر آثار الحربين العالميتين فيما خلفته من مشاهد الدمار وجثث القتلى، بل شقت طريقها نحو نفوس من عايشوها، خاصة بين الفنانين والأدباء، إثر شعورهم بإمكانية إفناء الإنسان لذاته بفعل ما يصنعه من مدمرات، فاستخدموا الفن فعلًا ثوريًّا، وتمردوا على معايير الجمال الخاصة به ودوره المفترض في المجتمع، لتنشأ حركات فنية جديدة، ساهمت أغلبها بشكلٍ أو بآخر في وضع حجر الأساس لما يعرف اليوم باسم «فن ما بعد الحداثة».

من الدادائية إلى السريالية والتعبيرية التجريدية، شنت هذه الحركات الفنية هجومًا على الفن بشكله التقليدي، واستخدمت الفن للتعبير عن التغيرات الاجتماعية العنيفة التي نتجت من الحرب واستمرت آثارها لما بعد الحرب العالمية الثانية. يستعرض هذا التقرير تاريخ نشأة هذه الحركات الفنية الثلاث، وهي من بين أهم الحركات الفنية في القرن العشرين.

«الدادائية».. نحو فن بلا معنى

تعود نشأة «الحركة الدادائية» إلى فبراير (شباط) 1916، في ملهى ليلي بمدينة زيوريخ السويسرية يعرف باسم «كباريه فولتير»، وكان يقدم مجموعة من العروض والفقرات المختلفة، منها إلقاء الشعر التعبيري السائد. هناك وقف المالك على مسرح الملهى، وهو الشاعر والكاتب الألماني هوجو بال، وألقى على الحاضرين قصائد غير مفهومة. قيل عنها سيل من الضوضاء عرف باسم «الشعر الصوتي»، وهو نوع أكثر تجريدًا من الشعر، استخدمت فيه كلمات مُختلقة؛ اتخذت شكلًا من أشكال الثرثرة والتعاويذ.

النافورة، أحد أشهر أعمال الحركة الدادائية للفنان الفرنسي مارسيل دوشامب، 1917.

كانت الفكرة الأساسية للحركة هي تعطيل أداة المجتمع العقلاني المنظم، وهي اللغة؛ قناة التواصل التي من خلالها وضعت القواعد وسنت القوانين؛ لذا كان تدمير الكلمات يمثل الفعل النهائي للتخريب. تمرد وعصيان باستخدام أرقى الأدوات البشرية في التواصل، الفن.

في كباريه فولتير، أطلق على هذه العروض لفظ «دادا»، وهي كلمة اختيرت عشوائيًّا من القاموس على الأرجح؛ للتعبير عن ماهية أهداف الحركة الثقافية التي تُعنى بفنٍ بلا معنى، خالٍ من القيمة، تمامًا كعالم الحرب الذي أفرزه. وفي كباريه فولتير شارك الرسامون في عمل لوحات كولاج هندسية ما بين الفقرات المختلفة، إذ تجاوزت عروض الملهى الليلي الأداء الشعري، والرقص، وموسيقى الطبول الأفريقية، إلى الإنتاج البصري والمسرح، والتصوير الفوتوغرافي، ومن ثم ذاع صيت تلك الحركة الثقافية في العالم.

كان لدى أتباع الدادائية حينذاك قناعة بأن القيم الفنية التي سادت قبل الحرب العالمية الأولى، قيمٌ فاسدة؛ إذ ارتبطت جماليات الفن التقليدي – من الرسم بالزيت والنحت بصب النحاس – بالطبقة البرجوازية والأرستقراطية، وأُبَّهة منازل الأغنياء؛ لذا سعى فنانو الدادائية في زيوريخ وباريس ونيويورك لشن هجوم على التعريفات التقليدية للفنون، وذلك من خلال خلق أشكال جديدة من الفن البصري والأداء الشعري، تناقض تمامًا جماليات فنون القرن التاسع عشر، وكأنهم يقدمون رؤى بديلة للعالم الذي غدا وحشيًّا ومشوهًا، وبالتالي كانت جماليات الفن تلعب دورًا هامشيًّا؛ في وقتٍ كانت أصالة الأفكار وعدوانيتها وتمردها بديلًا عن معايير الجمال التقليدية.

كان أغلب فناني الدادائية وافدين لجأوا إلى زيوريخ، عندما كانت أوطانهم تحت طائلة الحرب والدمار، ومنهم جان آرب، وهو رسام ونحات فرنسي، كان لاجئًا في زيوريخ إبان الحرب العالمية الأولى، وأصبح أحد مؤسسي «الحركة الدادائية» في «كباريه فولتير»؛ وأنتج مجموعته من لوحات «الكولاج»، التي استخدم فيها موادًا رخيصة ومتوفرة، مثل الورق، تمردًا على التصوير الزيتي.

بينما كانت أصوات المدافع تدوِّي بعيدة، طفقنا ننشد، ونرسم، ونصنع لوحات من الكولاج، ونكتب الشعر بكل ما أوتينا من قوة؛ كنا نبحث عن فن يستند إلى الأسس لنداوي به جنون هذا العصر. *جان آرب

كانت الدادائية في الغالب تميل إلى السلوك العدواني، وهي من الحركات الطليعية الحداثية في الفن. رغم ذلك كان آرب من أكثر أتباع الدادائية إيجابية؛ إذ آمن بالدور الشافي للفن، وضرورة إعادة خلق الفن من جديد، في حين سعى الآخرون إلى هدم مبدأ الفن من الأساس.

ولعل من أشهر الأعمال الفنية التي انتشرت للتعبير عن أفكار ذلك الوقت هو «النافورة» لمارسيل دوشامب (في الصورة أعلاه)، والذي كان عبارة عن قطعة من الخزف الأبيض على شكل «مبولة»، قدمت إلى جمعية الفنانين المستقلين عام 1917، موقعة باسم مستعار «R.Mutt»، وهو العمل الذي بدأ مزحة متقنة، ورفضته الجمعية كونه غير أخلاقي، وتحول فيما بعد إلى أحد أكثر الأعمال الفنية تأثيرًا في القرن العشرين.

«السريالية».. عندما استبدل الفنانون بالواقع عالمَ الأحلام

«لحسن الحظ، لم تعد الدادائية أمرًا مهمًّا الآن، وجنازتها التي أقيمت في مايو 1921 لم تسبب أي شغب». كانت هذه كلمات أندريه بريتون، الذي كتب «مانيفستو» آخر للدادائية قبل أن يختلف مع العديدين من روادها، ويتجه لتأسيس الحركة السريالية.

بحلول عام 1922، كانت الحركة الدادائية قد وصلت إلى نهايتها، ولم يعد بإمكانها تقديم أي جديد؛ إذ اتُّهم أتباعها في باريس بافتعال «الفضائح بغرض الفضائح»، بعيدًا عن أهداف الحركة التي بدأت في صورة تمرد سياسي. هنا أصبح الوسط الفني الطليعي بحاجة إلى رحاب آخر أكثر اتساعًا، ليظهر أندريه بريتون.

ماكس إرنست، لوحة اللبلاب، عام 1941.

كان أندريه بريتون شاعرًا وكاتبًا، درس الطب وخدم في إحدى الفرق الطبية في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى، وأثارت فضوله الأمراض النفسية مثل الذهان والهيستيريا، واطلع على نظريات سيجموند فرويد الخاصة بـ«اللاوعي»، واستوعب هو وزملاؤه الفكرة العلمية وراء تلك النظريات، وحاولوا دمجها بما يخدم مصالحهم، وذلك عن طريق استخدام نموذج فرويد «التداعي الحر للمعاني»، من أجل ابتكار تقنيات جديدة في الكتابة، أطلقوا عليها «الكتابة التلقائية»، وأرادوا من خلالها سبر أغوار العقل البشري.

عامان كاملان، كانت خلالهم المدرسة الفنية السريالية في طور التكوين، وفي عام 1924، أصدر بريتون «مانيفستو السريالية»، الذي وحد خلاله تلك النزعات الفنية التي عرفت بالغامضة والغريبة، تحت اسم «السريالية» – وهو ما يعني فوق الواقعي، وقد جاء البيان مؤكدًا القدرة غير المحدودة للأحلام والتلاعب العقلي، واعتبر فيه بريتون فرويد «النور الهادي للمشروع السريالي».

انخرط أعضاء تلك الحركة في بعض من الأنشطة التجريبية، كان أكثرها شهرة، هو طقس «تحضير الأرواح»، كما خضعوا لبعض أساليب «التنويم المغناطيسي»، وحفَّزوا عقولهم على الإجابة عن أسئلة كانت تلقى عليهم أثناء حالات الغيبوبة أو التنويم، بغرضِ استكشاف كل ما هو غير عقلاني.

بدأت السريالية حركة أدبية روحية حرة مناوئة للبرجوازية، وكان من أبرز روادها شعراء وكتاب فرنسيون، أمثال آرثر رامبو، وريمون روسيل؛ إلا أنها سرعان ما تحولت إلى حركة فنية بصرية على يد الرسام والنحات الألماني، ماكس إرنست، الذي كان من رواد الدادائية، ثم دار في فلك السريالية، وبدأ ما عرف في الفن التشكيلي باسم «الرسم الحالم»؛ إذ كانت الأحلام تمثل حجر الأساس المحوري للفنانيين السرياليين.

بعدما خدم في الحرب أربع سنوات، عاد إرنست إلى كولونيا عام 1918، وأنتج أولى لوحات الكولاج، جنبًا إلى جنب أبرز أعضاء الدادائية، جان آرب، رغم ذلك ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالمدرسة السريالية؛ إذ استخدم إرنست الرسم والكولاج والطباعة والنحت، من أجل إعطاء الذاكرة الشخصية والأساطير وعالم الأحلام شكلًا مرئيًّا.

إذا كان الوعي يمثل الجانب العقلاني من المجتمع؛ فإن السريالية سعت إلى تجريد المجتمع من وعيه، كرد فعل عنيف على «عقم الفكر وإفقاره نتيجة قرون من العقلانية»، بحسب متحف الفن الحديث بنيويورك، ومع أن السريالية استخدمت أغلب مبادئ الدادا، القائمة على الاستخدامات التجريبية للغة وعناصر الفن؛ فإنها سعت للترويج إلى ضرورة غياب سيطرة «العقل الواعي» أثناء عملية الإبداع، وذلك حتى يصبح المنتج الفني «نقيًّا»، بحسب الفلسفة السريالية التي تنشد عالم العقل الباطن.

كان الفنان الإسباني سلفادور دالي هو الوجه الأكثر شهرة للسريالية؛ إذ على الرغم من نشأته على فن عصر النهضة ومن بعده المدرسة التعبيرية، فإن دالي قد أصبح واحدًا من أبرز رواد المدرسة «السريالية»، الذي رأى إلهامه يتجسد في «جنون العظمة»، فقرر رسمه ما بين عامي 1935- 1936، وقد كان جنون العظمة والنرجسية، مجرد أساليب استخدمها دالي لجذب انتباه الجمهور.

«التعبيرية التجريدية».. ذروة التمرد الفني على العالم

كانت «التعبيرية التجريدية» من الحركات الفنية التي نتجت من الحرب العالمية الثانية وما أحدثته من تأثير صادم في النفوس، وسعت إلى تجريد الفن من المادة «موضوع الرسم»، في شكل من أشكال التمرد.

أتت البداية مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، إذ هاجر عدد من كبار الفنانين الأوروبيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك تفاعلوا مع الفن الأمريكي، وتركوا عليه آثارهم التي ساعدت في نشأة مدرسة فنية جديدة هي «التعبيرية التجريدية»؛ لتصبح بذلك هي الحركة الفنية الأمريكية الأولى، بعدما احتكرت العواصم الأوروبية الفن لعصور طويلة، وقد أطلقوا عليها «مدرسة نيويورك».

جاكسون بولوك، لوحة «رأس»، 1938-1941. المصدر: Pedro Ribeiro Simões

في ذلك الوقت كان الفن التشكيلي قد وصل إلى مرحلة من النضج والتطور ساعدت فيها تراكمات الحركات الفنية إبان فترة الحداثة، مثل: الدادائية والسريالية والتكعيبية والمستقبلية، وبهم وصل الفن إلى مرحلة شديدة التعقيد، تسعى للهروب من الواقعية إلى غموض العقل الباطن، وكثرة تفاصيله وعوالمه.

ولأن روح العدمية وانعدام الوعي الذاتي كانت سمة من سمات العصر الحديث، انعكس ذلك مباشرةً على الفن التشكيلي، ودعا لسمو الفن فوق مستوى الحياة الواقعية، فانتشرت مصطلحات مثل: «الفن من أجل الفن»، وسعى الفنانون إلى إهمال المضمون، وتحييد «الموضوع المرئي»، وذلك في مقابل التركيز على الذات وحضورها بصفتها تعبيرًا وجدانيًّا خالصًا، حتى وصل الأمر في نهايته إلى التجاهل الكلي للموضوع الخارجي، والتوصل إلى تجريد عقلاني صرف.

سعى الفن التجريدي إلى التحرر من كل أشكال السيطرة الخارجية التي مورست على الفن طوال عقود، حتى وصل في أواخر القرن العشرين إلى «التبسيطية»، وهي أقصى درجات التجريد، وصل بعضها إلى درجة عدم رؤيتها، وهي الذروة التي احتاج الفن للوصول إليها؛ من أجل أن ينفتح على العالم مرةً أخرى.

كانت تلك هي الذروة التي اتجه بعدها الفن إلى التجريد، حتى إن مرحلة الستينيات من القرن الماضي، قد شهدت وصول الفن التشكيلي إلى مرحلة الصفر تجريديًّا.

منذ تلك اللحظة لم يعد العمل الفني مجموعة من المهارات والتقنيات توظف لإشباع غايات إنسانية أخرى، بل أصبح مستقلًّا بعالمه الخاص وذاته الخاصة، وذلك من خلال الانفصال التام عن الواقع. بالنسبةِ إلى التجريديين لم يعد الواقع الخارجي «موضوعًا» يمكن محاكاته وتصويره. وقد كانت تلك هي المرحلة التي تمرد فيها الفن على كل سلطة. لم يعد الفنان أداة تؤمر فتطيع، ولا الفن وسيلة تخدم أغراضًا أخرى غير ذاته الخالصة؛ وقد كان من رواده جاكسون بولوك وويلم دي كوننج، وقد ساعد هذا الاتجاه على تتويج مدينة نيويورك مركزًا للفنون.