عندما أعلنت «نتفلكس» عن عمل دراما تلفزيونية بعنوان «فرويد»، نسبةً إلى عالم النفس النمساوي الشهير سيجموند فرويد، ظن الكثيرون أن المسلسل سيتناول السيرة الذاتية لواحد من مؤسسي علم الطب النفسي؛ إلا أنهم فوجئوا بدراما من نوعٍ آخر، جرى وصفها بأنها أقرب إلى عالم ما وراء الطبيعة من الطب النفسي.

المسلسل ثماني حلقات، كل منها يحمل اسم نظرية لعالم النفس الشهير. دراما بوليسية قائمة على الخيال، يتحول فيها فرويد إلى محقق جرائم، لتصبح حياته فجأة وكأنها خرجت للتو من إحدى روايات «أجاثا كريستي». هكذا قدمت نتفلكس الدراما الخيالية متخذة حياة فرويد شابًا باعتباره أداة درامية في مسلسل «Freud»، الذي يدور في نهايات القرن التاسع عشر. تمامًا بعدما اكتشف الطبيب المبتدئ وقتها قدرة «التنويم المغناطيسي». فما هي الأحداث الحقيقية التي ألهمت صناع هذه الدراما؟

«التنويم المغناطيسي».. أداة فرويد في حل الجرائم

يبدأ المسلسل بالطبيب سيجموند، وهو يلقي محاضرة أمام مجموعة من الأطباء، محاولًا إثبات قدرة التنويم المغناطيسي على علاج الصدمات، وقد استخدم في ذلك «امرأة» كانت تعمل لديه لتمثل دور أم فقدت صوتها إثر صدمة موت ابنتها. إلا أنه عوضًا عن إثبات نظريته، قد تعرض لموجة قاسية من الانتقادات وجهها إليه أساتذته، الذين سعى لإبهارهم.

في الحقيقة كان هذا السيناريو السينمائي لحدثٍ واقعي كان له بالغ الأثر على حياة فرويد المهنية في بدايتها؛ إذ ألقى الطبيب الشاب محاضرة أمام جمعية الأطباء الإمبراطورية في فيينا، أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1886، متأثرًا بمقولات الطبيب جان مارتان شاركو حول الهستيريا الذكورية -إذ اعتبروها مرضًا قائمًا على تمردًا أنثويًا ضد السلطة الأبوية- واستخدام التنويم المغناطيسي في العلاج. وكانت النتيجة أن تعرض فرويد إلى موجة قاسية من الانتقادات من الأساتذة في فيينا، بشأن التنويم المغناطيسي، تركت في نفسه أثرًا قويًا، وهو الصراع الذي استوحى منه صناع العمل فكرة الحلقة الأولى من المسلسل.

على الرغمِ من أن تصنيف المسلسل يندرج تحت قائمة «الجريمة»، وهو عمل فني خيالي في المقام الأول؛ إلا أن الحلقات الثماني قد تخللتها بعض التفاصيل الحقيقية من حياة «سيجموند» شابًا في فيينا ما بعد 1880. كانت الحلقة الأولى بعنوان «الهستيريا»، والتي رسمت ملامح المسلسل كاملًا؛ إذ تحول التصور عن العصاب الهستيري في تلك الحقبة من التصور الشيطاني لنساء ممسوسات يتلبسهن الجن والعفاريت إلى رد فعل ناتج عن «صدمة»، وفيه استخدموا التنويم المغناطيسي في العلاج.

كانت تلك هي البداية لاهتمام سيجموند بـ«التنويم المغناطيسي»، وهي الأمر الذي استخدمه صناع المسلسل باعتباره مهارة، مكنت فرويد من كشف ألغاز مجموعة جرائم قتل غامضة، ارتكب بعضها دون وعي تام، وكأن القاتل قد خضع لـ«التنويم الإيحائي قبل وقوع الجريمة».

(إعلان مسلسل فرويد الرسمي)

تناول المسلسل شكل المجتمع العلمي في فيينا أواخر القرن التاسع عشر بدقة كبيرة، والذي كان يمقت إخضاع المرضى لتقنية التنويم المغناطيسي بهدف العلاج، في لحظة شديدة الخصوصية بحياة فرويد المهنية، وهي اللحظة التي تبعت عودته من منحة باريس التعليمية، متأثرًا بتعاليم جان مارتان شاركو بوصفه واحدًا من أكبر اختصاصي «الهستيريا».

حينها كانت العاصمة الفرنسية – باريس أكثر تطورًا من المدرسة النمساوية في الطب، وهو ما جعلها هدفًا لشباب الباحثين، مثل سيجموند، الذي سعى حينذاك في مقتبل حياته المهنية لنيل منحة دراسية لدى شاركو الذي كان يستخدم الإيحاء التنويمي في «الهستيريا» للتدليل على صحة نظرياته التي ساعدت التي تهدف إلى تغيير مفهوم العصاب لدى المجتمع وبدأ التعامل معه باعتباره مرضًا، عوضًا عن تصور كونه مسًا شيطانيًا. وهو الأمر الذي أذهل فرويد أثناء وجوده في باريس عام 1885، وهناك تعلم أصول التنويم المغناطيسي على يد شاركو وعاد إلى موطنه الأصلي، وقد انفتحت أمامه آفاق جديدة تطل على الحياة النفسية وحقيقة الجنسانية عند البشر. وهو الأمر الذي بني عليه المسلسل كاملًا.

عندما أصبح سيجموند فرويد محققًا للجرائم

كانت الأحلام وتفسيراتها، واحدة من أهم ما شغل عالم النفس النمساوي، وأفرد لها الكثير من المقالات والمؤلفات؛ وقد كان التجوال النومي والليلي، جزءًا من عالم الأحلام في التحليل النفسي، وقد أستخدمه فرويد في التدليل على بعض حالات الهستيريا؛ إذ يمتزج فيها عالم الأحلام للشخص الهستيري، مع إحدى النوبات الهستيرية، وقد استغل صناع العمل هذا الأمر في نسج الخط العام لأحداث المسلسل من خلال مجموعة من الرؤى والأحلام والسير أثناء النوم، كللت الجرائم الغامضة التي عمل عليها الطبيب الشاب.

وفقًا لصحيفة «الجارديان»، كان سيجموند فرويد قارئًا جيدًا للروايات البوليسية، خاصةً تلك التي تتناول حكاية «شارلوك هولمز»، باعتباره محققًا في جرائم قتل غامضة، ربما لهذا جرى تخيل سيجموند فرويد في أكثر من عمل أدبي أو فني محققًا يستخدم علم النفس في حل ألغاز الجرائم.

فرويد والكوكايين

في المسلسل ظهر فرويد في الحلقة الأولى، وهو يملأ جسده بالكوكايين، يثني عليه، ويرشحه للآخرين باعتباره علاجًا سحريًا فعالًا. وهي إحدى التفاصيل الحقيقية الهامة التي ميزت شخصية عالم النفس الشهير، فما بين عامي 1884 و1887، عرف عنه استهلاكه المفرط للعقاقير؛ إذ أظهر فرويد اهتمامًا ملحوظًا تجاه نبتة تعرف باسم «كوكا» ولمادة الكالويد المستخرجة منها والتي تعرف باسم «الكوكايين»، وذلك عندما كان طبيبًا شابًا متدربًا في المستشفى العام.

كانت تجربة «الكوكايين» التاريخية – السريرية أمرًا قام به فرويد لاكتشاف فضائل المسحوق الأبيض على نفسه أولًا كعلاج، إلا أنه عن طريق هذا العقار اكتشف «شيطانه»، والجانب اللاعقلاني في شخصيته وهو ما أكدت عليه رودينيسكو، في كتابها الذي يتناول تحليل شخصية فرويد بعيدًا عن التأويلات والشطحات والتضليل، في محاولة للوصول إلى الشخصية الحقيقية لعالم النفس الشهير.

كان فرويد يعتقد في «الكوكايين» باعتباره علاجًا سحريًا شاملًا لتجنب الاكتئاب وعسر الهضم والتعب، كما وصفه إلى بعض المرضى في فيينا، ولم ينقطع من عنده مخزون الكوكايين المجاني، حتى أنه لم يستطع أن يكتشف آثار هذا العقار الإدمانية على المدى الطويل.

الوسيطة الروحانية.. شريكة فرويد في كشف الجريمة

مثلما كان «شارلوك هولمز» يحتاج إلى شريك في تحقيقاته، تناولت الشركة المنتجة «نتفلكس» مسلسل فرويد بنفس الطريقة؛ إذ كانت شريكته في حل ألغاز الجرائم شخصية «فلور سالومي» الوسيطة الروحانية التي تستطيع قراءة العقول والتنبؤ بمستقبل الأشخاص. 

في المسلسل، كان لدى سالومي وعيًا ثانويًا دمويًا، وكأنه شخصية متوحشة مستترة نتجت عن صدمة عصبية تعرضت لها في الطفولة، وقد أصبحت سالومي بعدها مريضة لدى فرويد تسعى للعلاج، يساعدها من خلال جلسات التنويم المغناطيسي لتتخطى صدمتها، وفي الوقتِ ذاته صديقة مقربة، تعمل معه على حل ألغاز الجرائم، وعلى الرغم من الخطوط الخيالية التي نسجها الكتاب حول تلك الشخصية النسائية في حياة سيجموند فرويد، إلا أن الإطار الرئيسي للشخصية كان حقيقيًا.

(شخصية سالومي الحقيقية)

كانت لو أندرياس سالومي هي تلميذة وصديقة ثقة للطبيب النمساوي، تتميز بحسب مجلة «نيويورك بوكس»، بالفطنة والحدس السليم؛ وقد تعرف عليها في وقتٍ لاحق للإطار الزمني للمسلسل، تحديدًا عام 1911، إلا أنها كانت ترى في الآخرين ما لا يستطيع غيرها أن يلاحظه، وقد قال عنها فرويد: «كانت قادرة على فهم الناس بشكلٍ أفضل»، وهي الشخصية الحقيقية التي ألهمت صناع المسلسل، لجعل دور سالومي وسيطة روحانية، تتقن تحضير الأرواح، ومن ثم إثرائها بالكثير من الظواهر الخارقة للطبيعة.

كانت تلك الشخصية النسائية مناسبة لعرض الكثير من نظريات عالم النفس الكبير على مدار الحلقات، مثل «الطوطم والحرام»، وهي إحدى النظريات الفرويدية التي تناولت موضوع «المقدسات والمحرمات»، وذلك من خلال بعض المطابقات في نفسية المتوحشين والعصابيين؛ إذ اعتبره فرويد من مساهماته في مجال سيكولوجية الدين، وفيه تناول «الخطيئة الأولى»، وهي النبع الأساسي لشعور الإنسان بالذنب.

وقد جرى استخدام شخصية سالومي أيضًا في المسلسل لمناقشة الرغبات البشرية، ومفهوم الرغبة الجنسية، وذلك من خلال علاقتها الحميمية بعالم النفس الكبير، وهي علاقة لم تثبت صحتها بالنسبة إلى شخصية سالومي الحقيقية.

يقول صناع المسلسل عن العمل، أنهم سعوا لخلق دراما «تاريخية-خيالية»، مستخدمين حياة الطبيب النمساوي الشهير كإطار مثير للاهتمام، لأحداث لا تمت للواقع بصلة، مستهدفين قاعدة جماهيرية جديدة.