في تحول مفاجئ لم يذكره أحد، اتجهت أفلام «ديزني» إلى تخريب الرومانسية وإعادة النظر في مفهوم السعادة الأبدية.

نتوق في حياتنا اليومية إلى وجود ذلك الحب الذي يدفعنا إلى الاستيقاظ صباحًا والرغبة في بدء يومٍ جديد، ذلك الحب الذي يُنقذنا آلاف المرات بصورة قد تبدو أقل ملحمية مما صورته أفلام ديزني، ولكنها في مضمونها لا تخلو من الإثارة.

لكن أي حب ذلك الذي نتحدث عنه الذي سيُنقذنا في النهاية؟ وعندما سنحكي لأطفالنا عن حكاية الأميرة النائمة في المستقبل فمن سنقول إنه انحنى وقبلها ليرفع عنها اللعنة؟

في مقال مُطول في موقع «أيون» يُحدثنا سوفوس هيلا – وهو طالب مُتخصص في الأدب البابلي، درس في جامعة «آرهوس» في الدنمارك وهو طالب دكتوراه الآن – عن تغير الصور المُعتادة عن الحب في أفلام ديزني، فالحب الرومانسي المُعتاد أطاح به نوع جديد من الحب سنتعرف عليه تفصيلًا في هذا المقال.

الحب في أفلام ديزني.. كيف كان وماذا أصبح؟

يستعرض الكاتب في بداية المقال تغير الحب في عالم أفلام «ديزني» عما كان عليه في السابق، فبين فيلم «Tangled» الصادر عام 2010 وفيلم «Moana» الصادر عام 2016، أُطيحت الفكرة المثالية المُتعلقة بالرومانسية بين جنسين مُختلفين لتحل محلها فكرةٍ جديدة وهي حب العائلة.

فاليوم، لم تعد قصص طفولتنا الأكثر مُشاهدةً تنتهي بقبلة، بل أصبحت أفلام «ديزني» تنتهي بمُصالحة بين اثنين من الأشقاء بالرغم من اختلافاتهما، كما حدث في فيلم «Frozen» الصادر عام 2013، أو بوضع الأمور في نصابها الصحيح بين أم وابنتها كما في فيلم «Brave» لعام 2012 وفيلم «Inside Out» لعام 2015.

أو قد تنتهي بجمع شمل طفلة مع أبويها اللذين فقدتهما منذ زمنٍ بعيد كما في فيلم «Tangled» وفيلم «Finding Dory» لعام 2016 وفيلم «Coco» لعام 2017.

لقطة من فيلم «Coco»، أحد أفلام ديزني الحديثة

لقطة من فيلم «Coco»، أحد أفلام «ديزني» الحديثة. مصدر الصورة: IMDb

ويُشير الكاتب إلى أن الحب يظل هو المحور الأساسي بالغ الأهمية لهذه القصص؛ فيُفترض أن يجلب لنا الحب السعادة، ويحل مشكلاتنا، ويأخذنا إلى النهاية السعيدة.

طُلِب منا أن نحب الحب ذاته، لأن الحب هو ما سيُنقذنا في النهاية، إلا أنه على مدى السنوات العشرة الماضية، طُلِب منا أن نُحب نوعًا جديدًا من الحب.

يُوضح الكاتب أن قصص الحب التي نجدها على شاشة السينما لا تُعد مُجرد تمثيل للعواطف المُحتدمة بداخلنا، بل تُحدِد هذه الأفلام توقعاتنا عن الشكل الذي سيكون عليه الحب، وهي توقعات سنرغب في التقيد بها؛ مما يقود إلى حصر مشاعرنا في ذلك القالب المثالي.

ويُشير إلى أنه منذ بضعة قرون فحسب، شغلت الرومانسية مكانة مركزية في الخيال الثقافي أقل كثيرًا مما هي عليه الآن؛ فقد كان الحب – في المقام الأول – مسألة تتعلق بالتحالفات العائلية والتحكم في معدلات الإنجاب، غير أن هذا تغير ببزوغ الحداثة؛ إذ حصل الحب الرومانسي على الاستحسان الثقافي الذي يحظى به اليوم.

وإذا كانت طبيعة الحب قد تغيرت من قبل، فبإمكانها أن تتغير مجددًا، فقد يكون تصوير «ديزني» للحب على مدى العقد الماضي دلالة لما هو آتٍ.

الحب أساسي بالنسبة إلى نسيج المجتمع، لذا فأي تغير في الفكرة المثالية عنه سيؤثر على جميع أنواع العلاقات الإنسانية؛ بين العمال والرؤساء، بين الدول ومواطنيها، بين أفكار الحداثة وهؤلاء الذين يوصمون بأنهم «عُنصريون»، على سبيل المثال لا الحصر.

هل سنعيش طفولتنا مجددًا؟ «ديزني» تعيد إنتاج الرسوم المتحركة القديمة

ويؤكد الكاتب أن «ديزني» لم تعد تتوقع منا اليوم أن نتطلع إلى قدوم فارسٍ بدرعٍ لامعٍ، بل أن نُسامِح أشقاءنا وأن نتصالح مع والدينا، داعيًا إلى تأمل الهُوة التي تفصل بين فيلم «The Sleeping Beauty» الصادر عام 1959 ونُسخته الجديدة «Maleficent» لعام 2014.

يستند كلاهما إلى قصة «La Belle au bois dormant» أو «الأميرة النائمة» لشارل بيرو التي صدرت عام 1829، لكن في فيلم «Maleficent»، حُدِثت القصة لتلائم الزمن الذي تُعرض فيه.

ففي حين ما زال يُقال للأميرة إن «قُبلة حب حقيقي» فقط هي ما ستُنهي سُباتها السحري، فقدت شفتا الأمير، على الرغم من ذلك – قوتهما – فنحن نراه يُقبِل الأميرة بينما يصدح صوت الموسيقى، ولا شيء يحدث، لكن عندما تُدرِك العرابة الجنية خطأها بلعنها للأميرة، تنحني لتُقبِل جبينها مدفوعة بتأنيب الضمير، لتستيقظ الأميرة بعدها.

لا زال المُنحنى الدرامي للقصة، وفقًا للكاتب، كما كان قديمًا، إلا أن الكلمات التي تعني «الحب الحقيقي» هي فقط ما اكتسبت معنى جديدًا.

ديزني تغيّر مفهوم العائلة القديم أيضًا

يُشير الكاتب إلى أعلى نقطة تحول وصلت إليها أفلام ديزني، كانت في فيلم «Tangled»، بيد أنه كانت هناك تلميحات عن هذا التحول بالفعل في فيلم «Finding Nemo» الصادر عام 2003، ولكن فيلم «Tangled» كان أول ما أظهر لنا مدى التغير التي سيئول إليه التحول عن الرومانسية.

تضع الحبكة هذين النوعين من الحب في مواجهة بعضهما بعضًا، فأحد جوانب القصة يتعلق بعلاقة ربانزل الغامضة مع والدتها بالتبني الأم جوثيل، في حين أن الجانب الآخر من القصة يتعلق بعلاقتها الرومانسية مع قاطع الطُرق الجسور فلين رايدر.

في البداية تبدو الرومانسية وكأنها هي الرابحة؛ إذ تلوذ ربانزل بالفرار مع رايدر وتلقى جوثيل حتفها، تاركة ربانزل حرة لتتلمس طريقها إلى بيتها عند والديها البيولوجيين.

لكن، وفقًا للكاتب تفشل تمامًا العلاقة الرومانسية التي يُفترض بها أن تكون محور القصة – ولغرابة الأمر – في تحقيق الهدف المنشود منها في النهاية.

لقطة من فيلم Tangled، أحد أفلام ديرني الرومانسية

لقطة من فيلم Tangled. مصدر الصورة: IMDb

رايدر مثالي للغاية، وقصة حبه مع ربانزل بسيطة وخفيفة الظل، عذبة لكنها بالكاد تنتمي إلى القصص ذات العاطفة الكبيرة، وعلى الجانب الآخر، علاقة ربانزل بجوثيل تبدو أكثر تعقيدًا وأكثر تشويقًا، فالعلاقة على نحو متبادل مُسيئة وحانية، استغلالية وعطوفة، مُرعبة ومُضحكة، ومُمتعة على نحوٍ خاص بسبب الطريقة التي تأخذ بها الكليشيهات البالية عن الأمهات المُتسلطات وبناتهن المُراهقات، وتُحولها إلى مُناورات نفسية مُضطربة لساحرة شريرة.

في فيلم «Tangled» يرى الكاتب أن الرومانسية قد تكون ربحت المعركة، لكنها خسرت الحرب، فبالرغم من أن جوثيل توجب عليها أن تموت في النهاية، قد أظهرت كم السرديات الثمينة التي يُمكن أن تُستخرج من حب العائلة.

وبحسب الكاتب هيلا، فكلمة «حب» ليست وحدها التي تغير معناها على مدى السنوات العشرة الأخيرة في عالم أفلام ديزني، فقد طرأ التغيير ذاته على كلمة «عائلة»، فعلى الرغم من أن كل من الأم جوثيل والعرابة الجنية في فيلم «Maleficent» ليستا هما الأمين البيولوجيتين لشخصيات الأفلام الرئيسة، ينتهي الأمر بهما في نهاية المطاف إلى شغل موقع الصدارة من الناحية العاطفية لأن الأباء الحقيقيين إما أنهم قُساة ومُختلون عقليًا كما في فيلم «Maleficent»، أو بعيدون ومُغالى في تقديسهم كما في فيلم «Tangled».

فالأبوة – في وجهة نظر الكاتب – تُحددها أواصر المرء العاطفية؛ ولذلك أصبح صميم مسألة ما يُعد «عائلة» في «ديزني» أكثر غموضًا وأكثر حداثة.

أما في فيلم «Finding Dory»، فتحصل دوري المُغتبطة أخيرًا على ما أرادته دومًا، وهو العائلة، لكن تلك العائلة هي بالأحرى علاقة غرامية مُرقعة، مزيج من العلاقات البيولوجية وعلاقات التبني والعلاقات غير المُحددة.

فمشهد السعادة الأبدية في الفيلم يتضمن دوري ووالديها، لكنه يتضمن أيضًا مارلين صديق دوري، وهو بمثابة أخٍ لها وليس شريكًا رومانسيًا تمامًا، فضلًا عن نيمو ابن مارلين وزُمرة من مُختلف الأصدقاء وذويهم.

ووفقًا للكاتب لم تجد دوري عائلة مُترابطة فقط، بل كونت عائلة مُمتدة من نُتف وأجزاء من التعلق العاطفي.

لقطة من فيلم «Finding Dory». المصدر: IMDb

لقطة من فيلم «Finding Dory». مصدر الصورة: IMDb

ولا يعني هذا – حسبما أوضح الكاتب – أن أفلام «ديزني» القديمة كانت تفتقر إلى الأسر المُتبنية، بالعكس، فالغالبية العظمى من الكلاسيكيات مليئة باليتامى وزوجات الآباء، لكن الأكثر أهمية هو أن أفلام مثل فيلم «Cinderella» الصادر عام 1950، برمجت مفهومنا الجماعي على فكرة أن زوج الأم أو زوجة الأب سيئان.

فبالنسبة للشخصيات الرئيسة، يُعد العيش مع أحد الوالدين الذي لا تنتمي إليه أحد الشخصيات بيولوجيًا أشبه بحكمٍ بالسجن.

كانت الأبوة البيولوجية النموذج المثالي الذهبي الذي بموجبه قد يُعتبر مصير أبطالنا الرئيسين الأيتام شقاءً لا يُحتمل، وعلى النقيض من ذلك، في فيلمي «Maleficent» و«Finding Dory»، لا يُعد العيش مع الآباء بالتبني أو مع الأسر التي كونها المرء بنفسه كارثة يتوجب على أبطالنا التغلب عليها، بل نهاية سعيدة يتوجب عليهم بلوغها.

هذا التحول تجاه الحب العائلي جعل مفهوم «العائلة» أكثر اتساعًا وشمولًا بدرجة كبيرة، وتلك هي المزية الرئيسة لهذا التطور الجديد، وهي أيضًا، كما يتضح، خطره الأكثر مُراوغة ومكرًا.

 فكرة أخرى عن الحب في أفلام «ديزني» الحديثة

يُشير الكاتب هيلا إلى أنه لم يدرك الانعكاسات السياسية لكل هذا التغير حتى شاهد فيلم «The Lego Batman Movie» الصادر عام 2017.

كان بطل فيلم «Lego Movie» الأصلي الصادر عام 2014، في ظاهره عامل بناء عادي يُدعى إيميت، وهناك مديره التنفيذي البليونير الشرير الذي يُدعى لورد بيزنس الذي ينوي السيطرة على العالم، وهو – وفقًا للكاتب – يُعد تجسيدًا عبقريًا في حجم المكعبات للرأسمالية المُتوحشة.

وللحظة بدا هذا وكأنه نوع القصص التي قد تروق للكاتب، فبها الصراع الطبقي يُعاد تشكيله كفيلم إثارة للدُمى البلاستيكية، وصولًا إلى لحن الأغنية الرئيسة الذي علق في رؤوسنا جميعًا لشهور: «Everything is AWESOME! Everything is cool when you’re part of a team» أي «كل شيء رائع! كل شيء جيد عندما تكون جزءًا من فريق!».

ويُشير هيلا أيضًا إلى أن هُناك حبكة رومانسية على هامش الفيلم، ولكنها في رأيه مجرد حبكة هامشية. فمُجتمع الفيلم الوجداني لا يتمثل في ثنائي رومانسي، بل في شيء أقرب ما يكون إلى النقابات العمالية، عُمال يتكاتفون للتصدي لمصالح أرباب عملهم الرأسماليين.

لقطة من فيلم «The Lego Batman Movie».

لقطة من فيلم «The Lego Batman Movie». مصدر الصورة: IMDb

لكن في ذلك الحين كانت الفكرة المثالية الجديدة عن الحب تتسلل إلى الأفق، وقُرب النهاية، يتبين أن الحبكة الدرامية بأكملها كانت وليدة خيال طفل يلعب بقطع المكعبات خاصته، وأن اللورد بيزنس هو في حقيقة الأمر إسقاط وقت اللعب لهذا الطفل على والده مُتبلِد المشاعر.

وهكذا تسللت التلميحات إلى انتقادات «ديزني» للرأسمالية إلى الدراما العائلية، فقد حلت علاقات السلطة محل العلاقات العائلية، وفقدت رهبتها بالكامل.

وفي حين أن الشخصية الشريرة في فيلم «Lego Movie» هو مُدير تنفيذي ثري، ففي فيلم «The Lego Batman Movie» كان المُدير التنفيذي الثري هو البطل.

ويحُثنا الكاتب على تناسي تكاتف العمال، فالدراما في الفيلم الجديد تتعلق بشكل كامل بالصداقة والشخصيات الأبوية وبمشكلات التعلق الخاصة بباتمان، وبالطبع تُحل كل تلك المسائل في النهاية، إذ يتعلم باتمان قيمة المُجتمع ويُكون نسخته الخاصة من العائلة، بوجود ألفريد كأب بديل، وروبين كابن مُتبنى.

وفي شارة النهاية في الفيلم، تندفع مجموعة مجنونة من قطع المُكعبات على نحوٍ مُفاجيء تجاه الشاشة، وفي وسط عاصفة المكعبات المضيئة تلك، تظهر فجأة تلك الكلمات «الأصدقاء هم العائلة»، وتُعيد كلمات الأغنية – لما يبدو أنه آلاف المرات – عقيدة الحب الجديدة، لإيصال رسالة جدية مفادها أن عاطفتك هي ملك للعائلة الآن، أيًا كان شكلها، وفي تلك الأثناء، يُسرِع ألفريد وباتمان وروبين باتجاه الشاشة، حاملين لافتات تُعرفهم كالأب الأكبر سنًا، والأب والابن، تباعًا.

بالطبع لا يرتبط أحدهم بالآخر بيولوجيًا، لكن هذا لا يُهِم، لأنه – كما تُذكِرك الأغنية – الأصدقاء هم العائلة.

ومثلما هو الحال في فيلم «Finding Dory» فالعائلات هي ما نُشكله، فوفقًا لهيلا، قد لا يكون ألفريد وباتمان في حقيقة الأمر أبًا وابنه، لكن هذا لا يُهِم في حال كانت كافة أنماط التعلق الإيجابية يُمكن تفسيرها على أنها عائلية، إلا أن ما هم عليه في حقيقة الأمر، هو رب عمل وموظف، فألفريد هو كبير خدم باتمان، إلا أن تلك الهيكلية تحجبها كليةً الفكرة المثالية المُتعلقة بالحب العائلي.

باتمان وألفريد في فيلم «The Lego Batman Movie».

باتمان وألفريد في فيلم «The Lego Batman Movie». مصدر الصورة: IMDb

لا مزيد من أن تكون «جزءًا من الفريق»، لا مزيد من قطع المكعبات المُناهضة للرأسمالية، فهم الآن جميعًا عائلة كبيرة وسعيدة، حيث إن استغلال العمال قد يجري التعامل معه على أنه الحب الذي يدين به أحد أفراد العائلة للآخر.

ويُشير الكاتب إلى احتمالية أن يكون مفهوم العائلة الذي احتل مركز الصدارة في «ديزني» أكثر اتساعًا من سابقه، فقد يسمح بوجود بدائل، نحن في أمس الحاجة إليها، للعائلات البيولوجية المُترابطة بوصفها النوع «الحقيقي» الوحيد من العائلات.

بيد أن المفهوم الجديد على درجة كبيرة من الاتساع لدرجة أنه قد ينتهي به الأمر بأن يصير جزءًا ويختفي في النهاية في أنماطٍ أخرى من العلاقات الاجتماعية، ومن ضمنها العلاقات بين العمال والتباين في درجة السلطة.

ما سبب هذا التغيير ولماذا هو مهم؟

يتساءل هيلا تاليًا عن أهمية هذا التغيير، ولماذا يتوجب علينا أن نهتم بما ينبغي أن تقوله أفلام الأطفال عن الحب؟ ويُشير إلى أن «ديزني» تمتلك إجابة عن هذا التساؤل، وهي – بحسب تعبيره – إجابة جيدة.

في فيلم «Frozen» تغمر آنا سعادة غامرة لاحتمالية تتويج شقيقتها كملكة، فبعد أن اقتصر وجودها على قصرها لعقدٍ من الزمن، تسنت لها الفرصة أخيرًا لمقابلة أناسٌ جدد، ولهذا فهي تتمشى في أروقة الفنون في القصر مُستغرقة في أحلام يقظة عن الرومانسية؛ فها هي تتقافز أمام مجموعة من اللوحات التي تعرض نوع الحب الذي تتوق إليه، مُعدلة من وضع جسدها ليتطابق مع جسد المرأة التي تُصوِرها اللوحات، مُحوِلة نفسها إلى فن، ولا غرابة في أنها في المشهد التالي تقع في حب أول شخص غريب تُقابله.

يُوضِح هيلا أن مُحاكاة آنا الجسدية تُخبرك بما تحتاج أن تعرفه عن السياسات الثقافية للمشاعر؛ فتطلعاتنا العاطفية تُشكِلها المُنتجات الثقافية المحيطة بنا، كتلك اللوحات في قلعة آنا، فهي تُعدِل من أوضاع أجسادنا وتُقولِب ارتباطاتنا.

فالحب هو محض خيال، شكله كليًا التمثيل الثقافي له، ومن ثم تردد صدى هذا التمثيل في سلوكياتنا.

«الحب والسُلطة هما وجهان لعملةٍ واحدة، لأن كلتيهما طريقتان تتشكل فيهما أجسادنا عن طريق المُنتجات الثقافية التي تُحيط بنا كاللوحات أو أفلام ديزني».

كانت مُناجاة آنا في هذا المشهد هي مثالٌ مُصغرٌ على تناقض الرومانسية الغربية – بحسب الكاتب – فهي تستغرق في أحلام يقظة عن اللقاء مع الغريب الأنيق الذي تتوقع مُقابلته في الاحتفال، وتتدرب على تلك اللحظة خطوة خطوة في ذهنها؛ فها هي تُفكِر «ثم سنضحك ونتحدث طوال الليل، وهو الأمر الغريب كليًا، الذي لا يُشبه الحياة التي عشتها حتى الآن قط».

هذه العلاقة الرومانسية – باختصار غريبة – واستثنائية، ولا يُمكن التنبؤ بها وفريدة في كلِ مرة، وهي أيضًا متوقعة من البداية وحتى النهاية، فهي عبارة عن نمط يُمكن التدرب عليه دائمًا بصورة مُسبقة، ويحددها تمامًا مسار الحديث في ثقافتنا؛ فهي في الأساس عبارة عن نظرية جوديث بتلر عن قالب المُغايرين جنسيًا وقد مقدمة في صورة مونولوج موسيقي في قصة خيالية.

والشيء المُلفِت للنظر – وفقًا للكاتب – بخصوص هذا التسلسل للأحداث هو أن استعدادات آنا للحفل تتعارض مع استعدادات شقيقتها، فإلسا على وشك أن تُتوج كملكة، ولكنها تخشى أن تكشُف دون قصد منها عن قُدراتها السحرية المُخبأة أثناء مراسم الحفل، فهي تتدرب على تلك اللحظة من خلال وقوفها أمام لوحة تُجسد تتويج والدها كملك، وتُعدِل من جسدها كي يُطابق جسد والدها، كما فعلت آنا.

لكن بخلاف آنا، تبدو إلسا أنها على دراية جيدة بالطبيعة الاستعراضية لما هو قادم. فهي تُغني لنفسها «قدمي عرضًا، قومي بحركة خاطئة واحدة وسيعرف الجميع». وهذه هي إذًا طبيعة السُلطة في فيلم «Frozen»، التي اتضح أنها تُشبه الحب كثيرًا، فهي عبارة عن عرض يجب أن يُقدم وفقًا لإملاءات الأسبقية الثقافية.

وفي رأي هيلا فالحب والسُلطة هما وجهان لعملةٍ واحدة، لأن كلتيهما طريقتان تتشكل فيهما أجسادنا عن طريق المُنتجات الثقافية التي تُحيط بنا كاللوحات أو أفلام ديزني.

ويُشير هيلا إلى غرابة أن تتلقى درسًا في سياسة العواطف من فيلم «Frozen»، من بين جميع الأشياء، وإلى أن تحليل الفيلم للرومانسية والملكية أصبح مُمكنًا فقط بسبب حقيقة أننا لم نعد نؤمن بهذه الأشياء بعد الآن، في عصر ما بعد الإقطاعية، وعصر ما بعد الرومانسية، وعصر العائلات المُحبة هذا.

مترجم: سندريلا لم تحب الأمير.. 8 أكاذيب اختلقتها ديزني حتى لا تصدم الأطفال

وبعد أن عرض فيلم «Frozen» الحب الرومانسي بوصفه نوعٍ من أنواع المُحاكاة الثقافية عوضًا عن كونه عاطفة فطرية، يمضي الفيلم بعد ذلك في تمجيد الحب الذي يجمع بين الشقيقتين بوصفه ساحرٍ وطبيعي.

يُقال لآنا إن اللعنة التي أُصيبت بها لا يُمكن رفعها إلا بتصرفٍ ينُم عن حبٍ حقيقي، لكنها غير مُتأكدة ما إن كان حبها الحقيقي هو هانز، الغريب الذي قابلته في الحفل أم رجل آخر قابلته فيما بعد وهو كريستوف، وفي النهاية، يتضح أن ذلك الحب الحقيقي هو إلسا، كما في فيلم «Maleficent»، الحب الحقيقي الذي يرفع اللعنات هو الحب بين أفراد العائلة.

قد تكون الرومانسية – كما ذكر الكاتب – شيئًا نتعلمه، لكن العائلات هي أساس السحر، ومثلما تُحاكي وتُكرر كلٌ من آنا وإلسا المشاهد بداخل لوحاتهما، كذلك سيُحاكي ويُكرر الأطفال أي مثال عاطفي يجدونه مُمجدًا في ديزني، فالنعيم العائلي، وفقًا له، ليس أقل تجريبية من الرومانسية.

التعقيد هو جوهر الحب بأنواعه

منذ 10 سنوات فقط، يقول الكاتب: إن هيمنة رومانسية «ديزني» بدت راسخة ولا تتزعزع؛ بالنظر إلى قائمة الكلاسيكيات مثل «Snow White and the Seven Dwarfs» الصادر عام 1937، و«Cinderella» الصادر عام 1950، و«The Little Mermaid» الصادر عام 1989، و«Beauty And The Beast» لعام 1991، و«Aladdin» لعام 1992، شعر المرء بأننا كنا في انتظار سيل لا ينقطع من الدروع اللامعة وفساتين الزفاف البيضاء وقُبلات النهاية المحورية والعلاقات بين جنسين مُغايرين التي تنطوي على سعادة أبدية.

غير أن هيلا يوضح أنه بقدر ما يملأه فيلم «The Lego Batman Movie» بمخاوف إزاء هذه الفكرة المثالية الجديدة، فهو على الأقل يعدها تغييرًا، ويتساءل عن ماهية هذا التغيير.

يعتقد الكاتب أن الإجابة تكمن في العلاقة بين الحب والتعقيد، فقد ذكرت لورين برلنت، أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة شيكاجو، في كتابها «Desire/Love» أي «الرغبة/الحب» الصادر عام 2012، أن فكرتنا عن الحب تنم عن نوعٍ من الرغبة ذاتية التدمير في الوصول إلى البساطة؛ فعندما نقع في حب شخصٍ ما، لا نرغب في حب شخصٍ آخر سواه، ولا نرغب في أن نشعر تجاهه بأي شيء سوى الحب، بيد أن رغبتنا المُشوشة تستمر في إحباط بساطة ارتباطاتنا، وتعود بنا مُجددًا إلى الالتباس العاطفي.

الحب إذًا – وفقًا لهيلا – هو محاولاتنا لقتل هذا الغموض المرة تلو الأخرى واستعادة البساطة التي تتمثل في جملة: أنا لا أُحِب سواك، وكل ما أشعر به تجاهك هو الحب.

بالنسبة إلى برلنت هذا هو التفسير لاعتماد الحب الشديد على الخيال، فالخيال يمنحنا مساحة للحرية الخلاقة، إذ يُمكننا أن نُنظم مشاعرنا المُعقدة كيفما نشاء.

يُمكننا أن نُنظم التعقيد لنجعله يبدو بسيطًا، فقصص الحب عادةً ما تنطوي على التسلسل السردي ذاته؛ قصة حب أولية يعقبها سلسلة من الإخفاقات والتعقيدات، التي يجري التغلب عليها فيما بعد لتُسفر عن نهاية سعيدة فيها كل شيء جيد وعلى ما يُرام.

وفي هذا الحيز من الخيال التام، من الممكن أن تأتي – وفقًا لهيلا – كل الآلام والتناقضات والتعقيدات التي مصدرها الحب في منتصف القصة لترد بين معقوفتين، وهما البداية المُشوقة والنهاية السعيدة التي يُفترض بها أن تكشف عن الطبيعة الحقيقية للحب.

أما الغموض فهو تلك الأحداث التي تحدث في منتصف القصة فقط، فالحب سيظل دائمًا يكشف عن وجهه الحقيقي والبسيط، فقصص الحب تُخبرنا أن نتماسك، فالرومانسية أمرٌ جيد بالأساس، فقط إن انتظرنا بما فيه الكفاية، قد تجد طريقها إلينا في أي لحظة.

ربما مللنا من الانتظار، وربما لم يعد الحب الرومانسي قادرًا على دعم الإيمان الذي نحتاجه لكي نتحمل تناقضات ارتباطاتنا اليومية، ويبدو أن الحب العائلي، حسبما ذكر هيلا، هو مُستوعِبٍ أفضل كثيرًا للتعقيد.

فمن خلال الفكرة النموذجية عن العائلة ينبع شعور بالالتزام الطبيعي نحو أشقاء المرء وأبويه، وهو التزام بإمكانه أن ينجو من أي مُشاحنات أو مشاعر مُختلطة تُلقي بها الحياة في طريقنا، إذ إننا مُعتادون تمامًا على فكرة شجار الأشقاء، أو صراخ المراهقين في ذويهم، في حين أنهم أيضًا في قرارة أنفسهم مُغرمون ببعضهم بعضًا للغاية، ونحن – بطبيعة الحال – نرى هذه الأشكال من التعبير عن الضيق على أنها تموجات سطحية على بحرٍ من الحب.

بالطبع هذا الشعور الرابض في «قرارة النفس» ما هو إلا وهم، بحسب الكاتب، فالفكرة التي مفادها أن أفراد العائلة سيُحبون بعضهم بعضًا دائمًا ليست أكثر طبيعية من فكرة أن الحب الرومانسي سيُنقذنا دائمًا في النهاية، لكن العائلة في إطار الخيال أفضل من الرومانسية في استيعابها للتناقضات، فالتعقيد يُلائِم بصورةٍ أفضل كثيرًا إطارها، لذا يسهُل علينا بصورةٍ أكبر أن نُصدِق أن الألم الذي يقترن بحب العائلة سيعقبه في آخر المطاف نهاية سعيدة في أية لحظة.

لقطة من فيلم Frozen

لقطة من فيلم Frozen. مصدر الصورة: IMDb

في فيلم «Frozen» يأتي كريستوف بآنا إلى عائلته بالتبني، وهم مجموعة من أقزام الجبال يعيشون في الغابة.

تؤمن آنا بأن هانز هو من تُحبه حقًّا، وليس كريستوف، بيد أن الأقزام يُصِرون على أن العكس هو الصحيح، فهم يُنظِمون مراسم احتفال مُتقنة، يعقدون فيه، بالمعنى الحرفي، قرآن كريستوف وآنا، موحدين إياهم في استرقاقٍ كاملٍ للجسد، بينما يُغنون بانسجام عن أن الحب الرومانسي بإمكانه أن «يشفيك» ويحل مشكلاتك.

الأقزام على ما يبدو لم تصلهم الرسالة، وهم في ذلك مثل ناسك فردريش نيتشه، لم يتهادَ إلى أسماعهم في الغابة أن الرومانسية قد ماتت.

يُشير الكاتب إلى أن المشهد هو حل أنيق لمُشكلة عملية تقترن بالفكرة المثالية الجديدة عن الحب، ففيلم «Frozen» كان عالقًا في مُنتصف التحول من الرومانسية إلى النعيم العائلي.

في فيلم «Moana» على سبيل المثال، لا يوجد حب رومانسي يُذكر، فالفكرة المثالية القديمة انتُزِعت بالكامل من سياقها لتحل محلها الفكرة الجديدة، بينما في الأفلام السابقة – بحسب الكاتب – تتواجد الفكرتان المثاليتان جنبًا إلى جنب.

وفي فيلم «Tangled» لا يزال الحب الرومانسي هو المُسيطر، بينما في فيلم «Frozen» انعكست الأدوار، فهنا، حب العائلة هو ما ينتصر في النهاية، لكن ما زال كلا الفيلمان يحتويان على توترًا بين نوعين من الحب لا يُمكن أن يكون كلاهما هو «الحب الحقيقي الوحيد».

في فيلم «Frozen» يكمن الحل في نقل الفكرة المثالية القديمة إلى مكانٍ آخر، خارج حدود المُجتمعات المُتحضرة، إلى الأقزام الذين يُصبحون المُتحدثون غير المُحتملون عن إيمانٍ بالزواج عفا عليه الزمن.

ويُوضِح هيلا أن مُخرجي فيلم «Frozen» اجتذبوا قدرًا من الجدل بإشارتهم إلى أن الأقزام استُلهِموا من الساميين، وهم جماعة عرقية تعيش شمالي اسكندنافيا.

يجري تصوير الأقزام بشكل رئيس بصورة إيجابية إن لم تكن نمطية بعض الشيء؛ كهمج نُبلاء متواصلين بصورةٍ ساحرة مع الطبيعة، وبالتأكيد لا يوجد هناك خطأ في حد ذاته في ما يبذلونه في الدفاع عن الزواج، لكن هذا مفاده، في رأي الكاتب، أن «العرق الآخر» هو من يتوجب عليه تحمل وطأة تلك الأفكار البالية.

وبالاحتفال بنوع من الحب الرومانسي الذي صوره الفيلم في السابق على أنه «مزيف» إلى حدٍ ما، يتلائم الأقزام بكل سهولة مع الصورة النمطية عن الأعراق من غير البيض بوصفهم رجعيين بطبيعة الحال، فهم أقل عصرية وأقل دراية بطبيعة الحب في وقتنا هذا.

وفي النهاية يُوضِح الكاتب أن السؤال المطروح حول ما نعده حبًا حقيقيًا ذا صلة بالسؤال حول من يتسنى له أن يكون جزءًا «منا»، فكما يُذكرنا تقاطع مُناجاة كلًا من إلسا وآنا في فيلم «Frozen»، أن الحب والدولة هما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، فهؤلاء الذين يعيشون في الدولة ذاتها يتوقع منهم أن يُحبوا تلك الدولة.

وينقل هيلا عما أوردته الكاتبة النسوية والباحثة سارة أحمد في كتابها «The Cultural Politics of Emotion» أي «السياسات الثقافية للعاطفة» الصادر عام 2004، أن الأمم في الواقع هي نتاج مثل هذا الحب؛ فالأمم تنبثق من خلال استثمار مُشترك للمُثل العُليا، فنحن نُحرِك أجسادنا بطرقٍ معينة، ونلتزم بمجموعة مُحددة من القواعد وبذلك نُنشيء الحدود الفاصلة والمُجتمعات المحلية والثقافات والعادات. فحب الوطن يخلق ذلك الوطن، والأشياء التي يُتوقع منا أن نُحبها بشأن الوطن تُحدد الصورة التي سيكون عليها الوطن. أو بعبارةٍ أخرى بدون استثمار عاطفي مُشترك في المُجتمع، لن يكون هناك مُجتمعًا على الإطلاق.

وبالتالي يرى الكاتب أنه مع تغيير الفكرة المثالية عن الحب، ستتغير أيضًا العلاقة بين الدولة وحدودها، ولا يقتصر الأمر على توقع أن يُحب جميع أفراد المُجتمع ذلك المُجتمع، بل يُتوقع من كل هؤلاء الأفراد جميعًا أن يتشاركوا معرفةً أساسية بما يعنيه أن تُحب، وإن لم يفعلوا، فبإمكانهم، كما يقترح الكاتب، أن يذهبوا ويعيشوا مع الأقزام.

في فيلم «Frozen» يضع الحب الحدود الفاصلة بين الدولة التي تحكمها إلسا وبين قاطني الغابة الرجعيون الذين يعيشون خارجها، يفصل الحب بين هؤلاء الذين يمتلكون المعرفة الكاملة وهؤلاء الذين نُبِذوا في العراء وهُمِشوا.

*أخطأ المقال الأصلي في ذكر سنوات صدور بعض الأفلام، وصُححت في الترجمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».