فنون

09:00 05 نوفمبر, 2019

«واشنطن بوست»: قصة سرقة «الموناليزا» التي جعلتها أشهر لوحة في العالم!

لوحة فنية كادت أن تتسبب في قطع علاقات بين بلدين كبيرين في أوروبا! إنها «الموناليزا»، تلك اللوحة الفنية التي قُدِّرَت بملايين الدولارات تظهر عليها امرأة ذات ابتسامة غامضة رسمها الفنان ليوناردو دافنشي.

صحيفة «واشنطن بوست» نشرت مقالًا للكاتب تيرينس مكاردل سلط فيه الضوء على جانب من تاريخ اللوحة قائلًا إنه في الوقت الذي يقيم فيه متحف اللوفر معرض ليوناردو دافينشي احتفاءً بالذكرى الخمسمائة على وفاته، إليكم لمحة على عملية السطو التي هزت عالم الفن.

سطو في وضح النهار

في مستهل مقاله، قال الكاتب إنه «في الحادي والعشرين من أغسطس (آب) 1911، دخل سارق يرتدي معطفًا متحف اللوفر، بينما كان مغلقًا لأنه وافق يوم الاثنين. وفي صالون «Salon Carré»، معرض ثروات عصر النهضة بمتحف اللوفر، رفع السارق لوحة خشبية صغيرة من على الحائط وأزال صندوق ظلها الزجاجي.

وبعد إخفاء هذا العمل الفني تحت معطفه، خرج إلى شوارع باريس بغنيمته. ومرت 26 ساعة قبل أن يلاحظ أحد أن الموناليزا أصبحت في عداد اللوحات المفقودة.

Embed from Getty Images

تُعَد لوحة ليوناردو دافنشي التي تعود إلى القرن السادس عشر لسيدة فلورنسية ذات ابتسامة غامضة إحدى الصور المشهورة في العالم. وكان المطرب نات «كينج» كول قد احتفل بها في إحدى أغاني «البوب» في عام 1950. وتهكم رسامو «الكاريكاتير» عليها.

وقد جلب مارسيل دوشامب، الذي ترتبط أعماله بحركة «الدادا»، العار على عالم الفن عندما رسم شاربًا على نسخة رديئة للصورة. وفي هذا الشهر، يقيم متحف اللوفر معرضًا كبيرًا لدافينشي احتفاءً بالذكرى الـ500 على وفاته. ومن المتوقع أن يجذب المتحف حشودًا ضخمة.

وأضاف الكاتب أن دافنشي رسم تحفته الفنية في عام 1507، ولكن في القرن التاسع عشر فقط، بدأ النقاد وصف هذا العمل كواحد من أفضل الرسوم الفلورنسية في عصر النهضة. وفي عام 1911، لم تكن الموناليزا مُعتَرَفًا بها في ذلك الوقت.

وفي الحقيقة، عندما رصدت صحيفة «واشنطن بوست» سرقة اللوحة وقدَّرت قيمتها بـ5 مليون دولار، نشرت الصحيفة صورة «الموناليزا العارية» عن طريق الخطأ، تلك اللوحة المرسومة بالفحم لامرأة عارية، والتي يعتقد البعض أن دافنشي رسمها في إطار استعداده لرسم الموناليزا.

دافنشي رسام بارع.. لكن هل سمعت عن اختراعاته الأخرى؟ الطائرة والدبابة أبرزها

سرقة لوحة تجذب انتباه العالم

اكتُشِفت عملية السطو عندما وصل زائر غني ورسام هاوي إلى صالون «Salon Carré» لدراسة «لاجوكوند» كما يطلق الفرنسيون على الموناليزا. وبدلًا عن ذلك، وجد هذا الرسام حيزًا فارغًا بالجدار.

ويشار هنا إلى أن متحف اللوفر يزيل الأعمال الفنية بشكل دوري لأخذ الصور الفوتوغرافية، لذا ظن أحد الحراس أنه لا توجد أعمال فنية مفقودة. ولكن بعد مرور عدة ساعات، أبلغ الحارس العاملين.

ويتابع الكاتب «في تلك الليلة، أعلنت الشرطة عن السرقة. وأبلغ جورج بنديت، مدير متحف اللوفر حينئذ، الصحافة أنه لا يجرؤ أحد على سرقة هذه اللوحة الثمينة إلا إذا كان مهرجًا نظرًا لصعوبة حمايتها، وعلى النقيض، اعتقدت قوات الشرطة الفرنسية أن السارق سيطلب فدية في غضون 48 ساعة، ولكن مر يومان ولم يتقدم أحد بأي شيء».

الأدلة: مقبض باب وبصمة إبهام

وأضاف الكاتب «ترك السارق خلفه قليلًا من الأدلة، حيث عثر جهاز الأمن على مقبض باب من درج السلم خارج المبنى. وأشار سباك إلى أنه ساعد رجلًا كان ينتزع مقبض باب بينما كان مغلقًا في بئر السلم. ووجد أحد الحراس الإطار الخشبي للوحة وصندوقها المُغطَّى بالزجاج على درج سلم. وكان الإطار يتضمن بصمة إبهام واحدة».

Embed from Getty Images

وبدوره، اعتقد ألفونس برتيلون، محقق شرطة باريس آنذاك، الذي غالبًا ينسب إليه ابتكار التصوير الجنائي التعريفي، بدور تقنية بصمة الإصبع الجديدة. ومع ذلك، كان لديه 750 ألف بصمة في هذا الملف – وهو عدد كبير يصعب التحقق منه. وبدلًا عن ذلك، حصل بريتلون على بصمات 257 عاملًا كانوا يمارسون عملهم بمتحف اللوفر في ذلك اليوم.

وزَّعت الشرطة 6500 منشورًا به صورة اللوحة وعرضت 40 ألف فرانك كجائزة. وأخبر الناس جيرانهم وزملاءهم. ولكنَّ كل هذه الجهود لم تسفر عن شيء، على الرغم من أن المتحف استرد بعض المسروقات سابقًا.

وفي السابع من سبتمبر (أيلول) اعتقلت الشرطة الشاعر جيوم أبولينير للاشتباه به في تورطه بسرقة الموناليزا وبعض التماثيل المصرية الصغيرة من «اللوفر». وذهب جيري بيريه، سكرتير الشاعر آنذاك، والذي كان لصًا فنيًا على نطاق ضيق أيضًا، إلى صحيفة «جورنال باريس» بعد خلافٍ مع أبولينير، مُدَّعيًا أنه لديه معلومات بشأن «الموناليزا».

استجوبت الشرطة أبولينير الذي كان يرتعد خوفًا وأطلقت سراحه في النهاية، ولكن ليس قبل إفصاحه عن اسم صديقه المقرب الرسام بابلو بيكاسو.

لم يكن لدى بيكاسو علم عن دافينشي لكنه أعاد بعض التماثيل التي ترجع إلى العصر البرونزي الإيبيري التي سرقها بيريت عام 1907. «كانت التماثيل بمثابة نماذج للوحته «آنسات أفينيون» التي كانت فاتحة عهد الرسم التكعيبي». وأبقى متحف اللوفر حيزًا فارغًا مفتوحًا للوحة المختفية. وجاءت الجماهير الفضولية للنظر إلى الحائط الفارغ، من بينهم الكاتب فرانز كافكا وصديقه المقرب ماكس برود.

نظريات المؤامرة

يقول الكاتب: إن نظريات المؤامرة انتشرت؛ فظن البعض أن مجموعة مزورين هي التي سرقت اللوحة وأنه هذه المجموعة كانت تبيع سرقاتهم إلى محبي الفن الأغنياء السُذَّج، أو أن أحد سارقي البارون، من المحتمل أن يكون جي بي مورجان، اشترى اللوحة الأصلية مباشرة.

وذهب آخرون إلى أن آدم وورث، ذلك المجرم الذي سرق لوحة «جورجيانا، دوقة ديفونشاير» لصاحبها توماس جينزبرة ذات مرة، وجدير بالذكر أن وورث توُفي عام 1902، ودُفن في مقابر الفقراء بلندن. وعلى مدار عامين ظلت اللوحة مفقودة حتى ظهر اللص على الساحة.

سرقة من أجل الوطن

في السياق ذاته، كان فينتشنزو بيروجي، الذي يحمل الجنسية الإيطالية، عاملًا بطلاء المنازل، وبنّاءً، ورسَّامًا طامحًا. وعمل لفترة وجيزة في شركة تُقطِّع الزجاج لمتحف اللوفر. تنمر عليه زملاؤه الفرنسيون في العمل، وسخروا من جنسيته باستمرار، واصفين إياه بـ«المكرونة» (إحدى أشهر الوجبات في إيطاليا).

Embed from Getty Images

وكان هذا العامل المتهور قد اعتُقِل في وقت سابق لسرقته عاهرة وحمله بندقية في مشاجرة، ونظرًا لأنه كان أحد أفراد طاقم الزجاج الذي عمل باللوفر، استجوبت الشرطة بيروجي في شقته بباريس عام 1911.

وصدَّقت حجَّته التي تفيد أنه كان يعمل في مكان مختلف يوم حادث السرقة، ودون علم من الشرطة، كانت الموناليزا في الشقة، مخبأة في حقيبة سيارة.

يتابع الكاتب: في ديسمبر (كانون الأول) 1913، كتب بيروجي إلى ألفريدو جيري، تاجر التحف الذي كان يعلن عن الفنون الجميلة في العديد من الصحف الإيطالية، وبعد توقيعه على خطابه بـ«لورينزو»، أشار بيروجي إلى أن الموناليزا بحوزته.

ونتيجة لاعتقاده الخاطئ بأن اللوحة أخذها نابليون أثناء نهبه للفنون الإيطالية، توقع بيروجي الحصول على جائزة لإعادته اللوحة إلى ما اعتبره موطنها. وتجدر الإشارة إلى أن اللوحة بقيت في فرنسا منذ 1516 عندما أهداها دافنشي إلى الملك فرنسوا الأول.

تواصل جيري مع جيوفاني بوجي، مدير معرض أوفيزي في فلورنسا آنذاك، وأعدَّ اجتماعًا مع بيروجي في ميلان. تحقق بوجي من اللوحة وأقنع بيروجي بتركها «لحمايتها»، ثم اتصلا بالشرطة الإيطالية.

خبراء: سلوك بيروجي أمر شائع بين لصوص الفن

من جانبه، أوضح كريستوفر مارينيللو، الرئيس التنفيذي لشركة «أرت كريكوفري إنترناشونال»، تلك الشركة التي تقدم خدمات استعادة الفنون للمتاحف وجامعي التحف، أن سلوك بيروجي – أي الإبقاء على اللوحة في حوزته وإخفاؤها لسنوات – أمر شائع بين لصوص الفن.

وفي المحكمة، ظهر بيروجي كالمعتوه، فصاح وقاطع المحكمة مرارًا وتكرارًا، واختلف مع المدعين العامين، وكذلك مع محاميه، ضرب القاضي بمطرقته وطلب منه أن يتحلى بالهدوء، لكن بيروجي كان يعاود أفعاله تلك من جديد.

وأوضح بيروجي في بادئ الأمر أنه عمل بمفرده، ثم ورَّط اثنين معه من أصدقائه، على الرغم من عدم ضلوع أحدهما في القضية. وعلى مدار محاكمته، ظل على موقفه بأن السرقة كانت عملًا وطنيًا. وفي خطاب أرسله لوالده عقب مرور أربعة أشهر على عملية السرقة، كتب بيروجي لوالده: «سأجمع ثروتي، وسوف تأتي هذه الثروة في جولة واحدة».

عندما يتأثر القاضي بأسلوب المجرم!

اختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى عدم تحقيق بيروجي لثروته، موضحًا أن وطنيته التي اعترف بها أثارت عاطفة هيئة المحلفين الإيطالية؛ ففي الخامس من يونيو (حزيران) 1914 صدر في حقه حكم مُخفَّف لعام واحد و15 يومًا، قضى منها سبعة أشهر فقط.

وبعد قتاله لصالح إيطاليا في الحرب العالمية الأولى عاد إلى فرنسا حيث توفي في عام 1925. وبعد قضائها رحلة قصيرة في إيطاليا عادت «الموناليزا» إلى فرنسا. وحينها كانت «الموناليزا» أشهر لوحة في العالم.

أكثر من مجرد لوحة فنية.. أساطير وحكايات داخل رائعة ليوناردو دافنشي «العشاء الأخير»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».