سياحة وسفر

14:14 19 يوليو, 2019

«الجارديان»: 1.4 مليار سائح حول العالم.. إلى أين يسافرون ولماذا؟

سجلت إحصائيات منظمة السياحة العالمية 1.4 مليار سائح دولي عام 2018، وهو رقم أعلى من الأعوام السابقة بنسب ملحوظة، فما سر ارتفاع أعداد السياح حول العالم؟ وماذا تعنيه هذه الأرقام للجهات السياحية المستقبلة؟ عن هذه الأسئلة وغيرها من الشؤون المتعلقة بالسياحة يأتي تقرير حديث منشور في صحيفة «الجارديان» ليحكي تاريخ هذه الصناعة وحاضرها.

Embed from Getty Images

كم عدد المسافرين إلى الخارج في إجازاتهم؟

تشهد مستويات السياحة ارتفاعًا ملحوظًا. في عام 2018، سجل وجود 1.4 مليار سائح دولي وافد وفقًا لمنظمة السياحة العالمية (UNTWO)، بزيادة قدرها 6% عن عام 2017. لا يعني هذا الرقم سفر 1.4 مليار شخص إلى خارج بلادهم في إجازاتهم، إذ يسافر العديدون أكثر من رحلة، وبالتالي هو عدد الرحلات المسجل لا عدد الأشخاص السائحين.

إنفوجرافيك من صحيفة الجارديان يبين ارتفاع مستويات السياحة العالمية الهائل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مصدر البيانات: منظمة السياحة العالمية.

يعتبر الرقم كبيرًا ودالًا على الدور الكبير والمهم الذي تشغله السياحة في الاقتصاد العالمي. قدرت السياحة عام 2018 بنحو 1.7 تريليون دولار، أو 2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. حتى أن منظمة السياحة العالمية تكافح لمواكبة هذه التطورات، مع ارتفاع الأرقام الحالية عن التوقعات وتجاوزها بصورة هائلة.

كان هناك قرابة 25 مليون زيارة سياحية دولية عام 1950، ولكنه ارتفع حتى 166 مليون زيارة عام 1970، ليصل إلى 435 مليون زيارة عام 1990. وسهل تأسيس شركات الطيران الرخيص وانتشارها من إتاحة السفر لشرائح أوسع، إذ أصبح بإمكان المسافرين الطيران من مطار ستانستد في لندن مثلًا إلى دسلدورف في ألمانيا مقابل 10 دولارات فقط. وهو مبلغ أقل تكلفة من التنقل اليومي بالنسبة لأغلب سكان لندن.

يحيل نيكوديم زوميلو -أستاذ مشارك في الاقتصاد والشؤون المالية في البيئة العمرانية في كلية لندن الجامعية- نمو صناعة السياحة العالمية جزئيًّا إلى النهضة الملحوظة في عالم الخدمات الرقمية، موضحًا: «أحدث تطور في هذه الصناعة هو الثورة الصغيرة في مسألة التقييمات عبر الإنترنت والحجوزات الإلكترونية؛ ما خفض من الأسعار وزاد من الرضا في الآن نفسه، ما يعني سفر المزيد من الناس بوتيرة أكبر».

أي الوجهات تلقى إقبالًا سياحيًّا أكبر؟

يقتبس التقرير بيانات منظمة السياحة العالمية، والتي تبين سفر أربع أخماس السياح داخل منطقتهم الإقليمية. تحوز أوروبا مركز الصدارة في استقبال السياح من الخارج -وهو استمرار بالطبع لتوجه رائج منذ أمد بعيد- فقد استقبلت 713 مليون زائر خلال العام الماضي فقط.

استقبلت فرنسا 90 مليون زائر عام 2017 وفقًا لبيانات منظمة السياحة العالمية، 70 مليون منهم تقريبًا وفدوا من الدول الأوروبية الأخرى. المصدر: الجارديان.

تتصدر فرنسا القائمة العالمية في استقبال السياح، وتليها إسبانيا والولايات المتحدة والصين وإيطاليا. وتشغل المملكة المتحدة المرتبة السابعة بين أكثر الدول العالم زيارةً.

ومع ذلك تشهد مناطق أخرى سياحةً أكثر وفقًا للتقرير، ففي العام الماضي ارتفعت الرحلات إلى شمال أفريقيا بنسبة 10%. تزداد السياحة إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أيضًا، وكذلك الشرق الأوسط، وذلك مع نمو الطلب على السياحة غير التقليدية والرغبة بالسفر للوجهات الأقل رواجًا.

وضعت أوبر عام 2018 قائمةً بأكثر الوجهات زيارة حول العالم لمستخدميها. تصدر مبنى الإمباير ستايت في نيويورك رأس القائمة، يليه تمثال الحرية في المدينة نفسها، ومن ثم برج سي إن في تورنتو كندا. جاء قوس النصر على طريق الشانزلزيه بباريس وبرج إيفل في المركزين الرابع والخامس. ومن الدول العربية شغل برج خليفة في دبي الإمارات المركز السادس بين الأماكن السياحية الأعلى زيارة لمستخدمي أوبر في ذلك العام، وأهرامات الجيزة في مصر في المركز الخامس عشر بعد المسجد الأزرق في تركيا، وجدار برلين، والفاتيكان، وتمثال المسيح المخلص في البرازيل.

مصر الأولى.. أسرع 10 وجهات سياحية نموًا في العالم 2018

من أين ينطلق معظم السياح؟

يرتبط عدد السياح عادةً بمتوسط الدخل لدى كل دولة وعدد سكانها وفقًا للتقرير. أدى ارتفاع ثروة الصين إلى إحداث نمو هائل في السياحة إلى الخارج لديهم، ما حول الصينيين إلى الشعب الأكثر سياحةً حول العالم. في عام 2017، قام السياح الصينيون بـ143 مليون رحلة إلى الخارج يليهم ألمانيا (92 مليونًا) ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية (87.8 مليون) والمملكة المتحدة (74.2 مليون).

تبين إحصائيات منظمة السياحة العالمية تقدم الصينيين في مجال السياحة حول العالم، ومن بعدهم يأتي السياح الألمانيون والأمريكيون والبريطانيون. المصدر: الجارديان

وفقًا لمكتب الإحصائيات الوطنية، فإن الوجهات المفضلة للسياح البريطانيين هي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، كما تنمو السياحة بسرعة ملحوظة في روسيا وفقًا للتقرير إذ ارتفع عدد سياحها بنسبة 16% في العام الماضي. تزداد أهمية فرنسا وأستراليا في هذا المضمار أيضًا؛ إذ شهدت السياحة الخارجية ازديادًا بنسبة 10% و9% بالترتيب.

نحو الشمس والحضارة

حيثما يحط السياح تتفتح البلدان بفرص العمل، والغنى الثقافي بالتبادل الحضاري، والنمو المدني الذي يرافق قطاع السياحة، لكن التقرير ينوه إلى الجانب المظلم الآخر الذي يحدثه السياح، فليس الأمر عسلًا وهناءً بالكامل. يعدد التقرير أول السيئات المرافقة لقدوم السياح من الاكتظاظ السكاني إلى ارتفاع أسعار العقارات، فضلًا عن متطلبات السياح الخاصة، وما يتبعها من آثار على البيئات المحلية في المدن المستقبلة.

تقع المدن والأماكن الشهيرة سياحيًّا في أنحاء العالم تحت وطأة ما يسمى بـ«السياحة المفرطة»، والتي تنذر بدمار واسع النطاق للبيئات والمجتمعات المحلية. يخلف السياح وراءهم كميات كبيرة من المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام الملوثة للشواطئ مع ما يحمله ذلك من تهديد للحياة البرية والبحرية، ويعرف صائدو الهدايا التذكارية بتقطيعهم الشعاب المرجانية بهدف الاحتفاظ بقطعها تذكارات سفر.

Embed from Getty Images

وفيما تبدو آثار السياحة بوضوح من خلال الازدحام المروري والاكتظاظ السكاني، إلا أن زوميلو ينبه إلى أثر الضغط الشديد على المستشفيات والمواصلات من السياح في تضييق الموارد؛ وبالتالي يصعب على الخدمات العمومية تلبية احتياجات السكان المحليين على أكمل وجه. يسلط زوميلو الضوء أيضًا على تأثير بيوت الإجازات والمنتجعات في المجتمعات المحلية، إذ تكون فارغة معظم العام غالبًا؛ ولذا قد تتسبب بتخفيض العرض بالنسبة للسكان المحليين، وتحد من النمو الاقتصادي في منطقتهم مع رفع أسعار المنازل.

ينقل التقرير في هذا المجال أيضًا تعقيب مارينا نوڤيلي بروفيسور السياحة والتنمية الدولية في جامعة برايتون: «عندما نتحدث عن السفر والسياحة، نفكر بالشواطئ والمنتجعات السياحية والمناظر الطبيعية الأيقونية، ولا نفكر غالبًا بسياسات التنظيم المكاني، أو العدالة الاجتماعية، أو المساواة بين الجنسين، أو الحد من الفقر، أو الإدارة البيئية، أو التأثير الذي قد تحدثه الأوبئة أو المنازعات على الوجهات السياحية».

علام يقع اللوم؟

يعتقد كلاوديو ميلانو من كلية أوستيليا للسياحة في ارتباط السياحة المفرطة جزئيًّا بتزايد حركة التنقل العالمية. أسفرت زيادة السفر عبر الحدود إلى ارتفاع أعداد الطلاب الدوليين، والعمال المهاجرين، وأصحاب المنازل الثانية، وحتى الصحافيين العاملين خارج بلادهم. يشدد ميلانو أيضًا على دور الليبرالية الجديدة، والتي تحول «المدن إلى وجهات» كما ينقل عنه التقرير.

يلقى اللوم كذلك على بعض التطبيقات في تسهيل انتشار السياحة قصيرة الأمد. في الشهر الماضي، أصدرت 10 مدن أوروبية رسالة مشتركة إلى الاتحاد الأوروبي تطلب فيها المساعدة في معركتها ضد تطبيق «إير بي إن بي»، وقد انتقدت الشركة هذه طويلًا لدورها في نقص الإسكان، ورفع أسعار المنازل، وتشريد السكان المحليين.

تجويع وتعذيب وحبس.. هكذا تروض الحيوانات من أجل السياحة!

ما الذي تفعله الدول حيال السياحة المفرطة؟

في الشهر الماضي، أعلنت مدينة بروج البلجيكية الشهيرة بمناظرها الخلابة توجهها نحو التوقف عن الترويج للرحلات اليومية، وحد عدد السفن السياحية الراسية في الجوار، وتقليل أوقات الإرساء لتخفيف ضغط الذروة الذي يحصل في العطل. شهدت هذه المدينة المدرجة بنقاطها التاريخية ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو ارتفاعًا بنسبة 28% في السياحة خلال العامين الماضيين، وقد شكك عمدة المدينة ديرك دي فاو في قدرة المدينة على تحمل إقبال السياح المتزايد إليها قائلًا: «ينبغي التحكم بالتدفق أكثر في حال أردنا ألا تتحول بروج إلى ديزني لاند تمامًا».

أعلنت دوبروفينك في كرواتيا -وهي أيضًا من مواقع التراث العالمي لليونسكو– العام الماضي فرض قيود على السفن السياحية، فضلًا عن قرار تقييد عدد الطاولات المسموح بوضعها خارجًا بسبب ارتفاع مستويات الاكتظاظ في أزقتها القديمة، وكذلك فرض حملات جديدة على الباعة المتجولين، والذين يركزون بصورة رئيسية على احتياجات السياح. هنالك أيضًا روما -التي تستضيف 15.2 مليون سائح سنويًّا- والتي تتبعت بقرارتها جزيرة ميوركا الإسبانية عبر فرضها قيودًا على السلوكيات السياحية المعادية للمجتمع، ومن ذلك حملة إجراءات صارمة ضد التصرفات المخلة بالنظام والمقلقة للعامة تحت تأثير الثمالة، وكذلك حظر سياحة المعالم دون ارتداء قميص.
Embed from Getty Images

يتحدث التقرير أيضًا عن ظاهرة أقفال الحب التي يعلقها الأزواج والمتحابون على الجسور والمعالم السياحية الخلابة في أنحاء العالم، موضحًا تسببها في أضرار هيكلية على بعض الجسور وخضوعها لقواعد جديدة. بدأت الجسور في باريس بحملات لإزالتها بالفعل، إذ «تفسد جماليات الجسر وتترك أثرًا سيئًا في هيكله، وقد تتسبب بوقوع حوادث» وفقًا لنائب رئيس البلدية. قد لا يكون هذا القرار فألًا حسنًا لديمومة علاقات المحبين والشركاء ممن وضعوا أقفالهم على تلك الجسور ورحلوا، لكنها الطريقة الوحيدة ربما لإنقاذ مدينة الحب.

على أية حال، قد لا تكون هذه التدابير بمجموعها كافية. يوضح ميلانو أنه ومن أجل تغيير صناعة السياحة بصورة مجدية نحتاج بدايةً إلى تغيير الطريقة التي نفهمها بها، مضيفًا: «تقاس السياحة عمومًا بعدد الوافدين الدوليين فقط، لكننا بحاجة إلى مؤشرات جديدة ومجموعة تدابير جديدة للسياحة. على سبيل المثال، هل لدينا مساواة جنسانية في صناعات السياحة لدينا؟ لماذا الرجال دائمًا المديرون التنفيذيون؟ هل وظائف السياحة لائقة؟ ماذا عن حياة السكان المحليين؟ إنه سؤال على المستوى السياسي متعلق بكيفية تعريفنا للسياحة وفهمها».

السياحة: نبذة تاريخية

تقدم الجارديان موجزًا مجملًا عن تاريخ السياحة التي قد تبدو مسألة حديثة مع الرحلات الجوية ذات الأسعار المقبولة وعصي السيلفي والكتيبات السياحية المخصصة، لكن النزعة إلى السياحة بدأت في الواقع منذ أمد بعيد طويلًا قبل ولادة شركات الطيران وتطبيقات التأجير والسياحة.

أظهرت الحفريات الأثرية ترحال الحضارات المبكرة -مثل الفينيقيين والمايا وسلالة شانغ- سعيًا في سبيل فضول المعرفة والتجارة. قد تأتي أصول السياحة من الدين أيضًا، إذ تشكل رحلات الحج -إلى مكة مثلًا أو المواقع البوذية- بعضًا من أقدم الأمثلة على سفر البشر لزيارة المعالم والأماكن الشهرية.

البروفيسور المشارك في التاريخ الدولي بكلية لندن للاقتصاد بول ستوك يتتبع أسس السياحة الحديثة إلى «الجولة الكبرى»، وهي نزعة للسفر عمت في القرن السابع عشر. بدأ الأرستقراطيون آنذاك في السفر ضمن مسار معين حول أوروبا -يبدأ من باريس، ومن ثم إلى جنوب فرنسا وإيطاليا ولاحقًا العودة باتجاه إنجلترا عبر ألمانيا- وتظهر التقارير المبكرة تشابه الأنشطة السياحية في الجولة الكبرى تلك مع سلوكيات السياح اليوم، بما في ذلك جمع الهدايا التذكارية والحفلات والسكر وحتى السياحة الجنسية. وكان المسافرون حينها يقدمون على هذه الجولة بعد الانتهاء من الدراسة غالبًا، وهو أمر مشابه لما يسميه جيل الشباب اليوم بـ«سنة الاستراحة» أو «السنة المستقطعة»، وهي سنة يأخذها الشباب عادةً ما بين التخرج من الثانوية والجامعة، أو ضمن المراحل الأكاديمية وتهدف لإعطاء النفس استراحة مرحلية من الرتم الدراسي، أو فرصة لترميم الثغرات وبناء الخبرات.

يعتقد بول ستوك بهذا التشابه فعلًا، إذ يتحدث في أحد الأفلام التعليمية قائلًا: «في الواقع، يمكن تتبع كل مظهر من مظاهر قضاء العطلات -باستثناء وحيد يتمثل بأخذ حمامات الشمس بغرض التسمير- إلى فترة الجولة الكبرى». يصعب تحديد وقت تطور هذه الأنماط إلى قطاع صناعي نظامي، لكن رائد السياحة توماس كوك -مؤسس وكالة السفر السياحية الشهيرة عالميًّا ويعتبر «أب السياحة الحديثة»- بدأ رحلته الأولى عام 1841، وتتمتع شركته الآن بإيرادات بملايين الدولارات.

 

مترجم: هياكل وجماجم متراكمة.. هذه المدينة السياحية هي الأكثر رعبًا على الإطلاق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».