رياضة

18:00 18 يوليو, 2019

مترجم: هل تترحم على زمن «الكالتشيو» الجميل؟ هكذا دمرت المافيا كرة القدم في إيطاليا

في مايو (أيار) عام 2006 استيقظ العالم على فضيحة هزت أركان كرة القدم الإيطالية، وأردت بأربعة أندية إيطالية على الأقل إلى دوري الدرجة الثانية، وطالت العقوبات أيضًا عددًا من الحكام والمدربين وإداريي الأندية. في هذا المقال المنشور على موقع «ذا كونفرسيشن»، تسلط آنا سيرجي، الحاصلة على الدكتوراه في علم الاجتماع والمحاضرة في الجريمة بجامعة إسكس، الضوء على بعض تلك الفضائح والفساد المتفشي في كرة القدم الإيطالية.

أفادت آنا بأنه يمكن اعتبار كرة القدم أكثر الرياضات شعبيةً داخل إيطاليا، خاصةً في ظل وجود أندية عالمي تقدر قيمتها بالمليارات وتجتذب مشجعين مخلصين من كافة أنحاء البلاد. وعلاوةً على ذلك فإن كرة القدم تشكل هوية البلاد الجماعية عن طريق توحيد الناس من أصغر قرية وصولًا إلى أكبر مدينة على عشق «اللعبة الجميلة».

ولكن على مدار العقد الأخير كشفت تحقيقات وأبحاث وسائل الإعلام عن غياب غير لائق للفضيلة داخل هذه الصناعة بحسب المقال. إذ أصبحت كرة القدم الإيطالية تتميز باختراق المافيا والفساد، لدرجة يبدو معها وكأن الممارسات الخاطئة والانحرافات السلوكية والأنشطة الإجرامية هي القواعد المتعارف عليها.

وضربت آنا مثالًا على بمشجعي نادي يوفنتوس لكرة القدم (المعروف باسم «اليوفي» أو «السيدة العجوز»)، أحد أنجح الأندية الإيطالية، الذين أصيبوا بالفزع نتيجة سلسلة من مزاعم الفساد. إذ حكمت محكمة النقض الإيطالية في أبريل (نيسان) عام 2019 بأن مديري يوفنتوس منحوا تذاكر المباريات لمجموعة من المشجعين المتشددين، الذين يعرفون باسم «الألتراس»، بغرض التربح وتحت سيطرة أفراد مرتبطين بمافيا كالابريا، أو الندرانجيتا.

وفي قضية سابقة انتهت خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)، حكم على فينتشينزو ياكوينتا، لاعب يوفنتوس السابق والفائز بكأس العالم لكرة القدم عام 2006، بالسجن عامين بتهم متعلقة بالأسلحة النارية. وجاء الحكم جزءًا من محاكمة أوسع تتعلق باختراق «جماعات الندرانجيتا في شمال إيطاليا». وحكم على والد اللاعب بالسجن 19 عامًا في تهم متعلقة بالمافيا أيضًا، وفقًا لما أورده المقال.

اللعب من أجل السلطة

ذكرت آنا أن تلك الوقائع ليست حكرًا على ناد واحد، إذ إن جماعات الجريمة المنظمة لها مصالح في كافة مستويات الرياضة. إذ حققت كرة القدم عائدات تقدر بـ2.397 مليار يورو (2.689 مليار دولار) داخل إيطاليا وحدها في عام 2018، وهو الرقم الذي جاءت غالبيته من الجماهير، بدون احتساب عائدات التلفزيون وعقود الرعاية والإعلانات.

Embed from Getty Images

ومن المنطقي أن تتحول الصناعة، التي تحصد هذا القدر الهائل من الأموال، إلى هدف للجماعات الإجرامية التي تسعى إلى جمع الأرباح وإخفاء عائدات جرائمها.

لكن جماعات المافيا تحركها السلطة أيضًا، بحسب مقال «ذا كونفرسيشن»، إذ تهدف إلى كسب النفوذ عن طريق الترهيب أو الحماية، لتحكم في النهاية عن طريق العنف والفساد. وتستغل الجماعات الإجرامية، مثل جماعات الندرانجيتا، كرة القدم بوصفها منصةً لتعزيز سمعتها ومكانتها عن طريق الأنشطة شبه القانونية.

وأوضح المقال أن بعض الجماعات تتدخل في جمعيات كرة القدم الخاصة بالشباب، عن طريق رعاية اللاعبين الشباب أو تأسيس الفرق أو «إنقاذهم» حال وقوعهم في ضائقة مالية. وقد بحث فريق متخصص من لجنة مكافحة المافيا في البرلمان الإيطالي تلك الوقائع في كافة أنحاء إيطاليا عام 2017.

وربما تستخدم الجماعات نفوذها الذي حصلت عليه في البيئات المحلية، بحسب المقال، لاستغلال الفرص التجارية أو الاستحواذ على سلطات أكبر كذلك. وفي حالة يوفنتوس، سيطرت الجماعات على سوق مربحة بفضل التذاكر، إلى جانب كونها وسيلةً لممارسة السلطة على مجموعات الألتراس العنيفة أحيانًا.

وهذا يعزز سمعة الجماعات بإظهار قدرتها على ممارسة النفوذ والسلطة على الناس والمقاطعات باستخدام المال والعنف، إذا لزم الأمر.

فقدان الثقة

تستغل جماعات المافيا شبكاتها وعلاقاتها الخاصة من أجل التلاعب بنتائج المباريات والتربح من شبكات المرهانات غير القانونية، وفقًا لما أورده مقال «ذا كونفرسيشن». إذ كشفت قضية جوزيبي سكولي الشهيرة، وهو لاعب كرة قدم في دوري الدرجة الأولى الإيطالي وحفيد أحد أبرز زعماء الندرانجيتا، عن كيفية خدمة مصالح المافيا باستخدام اللاعبين أو الحكام في أغراض إجرامية.

ويجري التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم الإيطالية على نطاق يثير القلق، من وجهة نظر آنا. إذ إن فضيحة الكالتشيوبولي، التي وقعت عام 2004، انتهت إلى هبوط نادي يوفنتوس إلى دوري الدرجة الثانية في عام 2006. وإبان القضية، زعم أن مختلف لاعبي كرة القدم والحكام والمدربين أسسوا نظام فساد غير أخلاقي يمنح أفضلية الفوز لبعض الفرق، ومنها أندية دوري الدرجة الأولى.

Embed from Getty Images

وانهارت ثقة الإيطاليين في نزاهة كرة القدم بعد فضيحة الكالتشيوبولي انهيارًا كبيرًا، بحسب المقال. لكن مزاعم غسيل الأموال والاحتيال ما تزال مستمرةً حتى يومنا هذا على أعلى المستويات، على غرار ما حدث في قضية عام 2019 التي تتعلق بماسيمو زامباريني، الرئيس السابق لنادي باليرمو.

وربما تبدو حالة كرة القدم الإيطالية مأساويةً على نحو خاص، لكن آنا أوضحت أن مزاعم الفساد في هذه الصناعة تنتشر في كل مكان. ففي أكتوبر عام 2018، اتهمت السلطات البلجيكية خمسة أشخاص على خلفية التحقيق الضخم الذي فتحته الشرطة في ما يتعلق بالاحتيال المالي والتلاعب بالمباريات. وفي مايو عام 2009 ألقت الشرطة الإسبانية القبض على عدد من لاعبي ومسؤولي أندية الدوري الإسباني لكرة القدم «لا ليجا»  ودوري الدرجة الثانية الإسباني، على خلفية تحقيق أجرته حول التلاعب بنتائج المباريات.

ومؤخرًا في يونيو (حزيران) عام 2019، ألقي القبض على ميشيل بلاتيني، الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم ونجم نادي يوفنتوس سابقًا، بشبهة الفساد في ما يتعلق بقرار اختيار قطر لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، رغم أنه ممنوع من ممارسة أي نشاط كروي لمدة أربع سنوات؛ لأنه تلقى «دفعةً مالية مشبوهة».

بطاقة حمراء للفساد

ترى آنا أن تعزيز ثقة الجمهور في نزاهة كرة القدم تتطلب أنظمة تحكيم محسنة، بدايةً من المستويات المحلية ووصولًا إلى المحافل الوطنية. لذا فمن الجيد العلم بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» يتجهز لإعادة جريمة الفساد إلى قانون أخلاقياته، بعد أن أزيلت العام الماضي.

وأشارت الباحثة في مقالها أيضًا إلى الحاجة لعناية وشفافية أفضل في ما يتعلق بحجم الأموال الضخمة التي تدرها الصناعة. ويجب على الفيفا والاتحادات المحلية – مثل الاتحاد الإيطالي لكرة القدم مثلًا – أن تراقب المعاملات الخاصة بالأندية واللاعبين، وأن تضع الترتيبات اللازمة للمراهنة القانونية، وأن تضمن المساءلة في أنظمة الرعاية أولًا وقبل كل شيء.

ولكن آنا أكدت أيضًا على ضرورة الوعي بأن الصناعة توفر رأس المال الاجتماعي والرمزي لمنظمات المافيا وجماعات الجريمة المنظمة، فضلًا عن الفرص الاقتصادية لرواد الأعمال «الفاسدين». وردًا على ذلك يجب على هيئات مثل الفيفا أن تطور معرفةً متخصصة وتضع مضادات للفساد، بالتزامن مع الرقابة والسلطة التأديبية التي تفرضها على الصناعة.

Embed from Getty Images

إذ يعد ملعب كرة القدم مكانًا لالتقاء مختلف المصالح التي تجمع مختلف الأشخاص. ويمثل كذلك مساحةً للأعمال التجارية، فضلًا عن الترفيه والتنافس. وتتطلب القيادة في مثل هذه المجالات نزاهةً وتفانيًا وإرادةً للعمل من أجل الجموع، وليس من أجل إثراء القلة.

أحدهم اشترى يختًا بسعر ميزانية الصحة.. نماذج من فساد أبناء الحكام الأفارقة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».