الزهد والورع والسعر وراء جنى العلم، كان هو هدفه الأول فى حياته الذى لم يحد عنه حتى فى أحلك الظروف التى مرت به، كل هذا جعل الملوك يسعون لعرض منصب القضاء عليه، إلا أنه ظل رافضا لهذا المنصب كثيرا بسبب انشغاله بالعلم وتشره، خاصة علم حفظ الحديث، الذى كان بارزا فيه، والذى يعد من أبرز رواده فى افريقيا.

بعد مجيء الإسلام، وبعد أن مكن الله لهذا الدين، كان لازما وحتما أن يكون لهذا الدين نظام اجتماعى عادل يحتكم إليه المجتمع، ويحتمى به من بطش الظالمين والمعتدين، فكان ثمرة الإسلام غلغل العدل فى نفوسهم فأظهروه فى أحكامهم، وفقهوا واقع الناس وملابسات الحوادث فأسهموا فى إعادة الحقوق إلى أصحابها فى أقرب وقت، فهم نماذج مضيئة لقضاة اليوم من أبناء الإسلام فى أى مكان، وعليهم الأخذ بسننهم والاقتداء بأحكامهم، ليتحقق العدل على أيديهم، ويسود الأمن والأمان للناس فى وجودهم، وتسعد الدنيا بهم.

من بين هؤلاء الإمام العلامة " محمد بن العلاء بن كريب الهمدانى الكوفى " المكنى بـ" أبو كريب " . حب القاضى " ابو كريب " للعلم فى جمعه ونشره، جعلته يوصى قبل مماته، بأن تنشر جميع كتبه ومؤلفاته معه حتى يلقى الله بها يوم القيامة، فكان " ابو كريب " شديد الحرص على تعلم العلم وتعليمه لغيره، بل والحفاظ أيضا أن يمتد علمه من بعده لمن خلفه، حتى يكون نورا ونبراسا للأمة الإسلامية .

وأبرز المواقف التى تدل على عدم سعى "أبو كريب" لتولى القضاء حينما أرسل إليه أمير أفريقيا وهى جزء من تونس والجزائر لتولى منصب مهم جدًا وهو منصب قاضى القضاة إلا أنه تمارض كى يعفيه الأمير من هذه المهمة، إلا أن الأمير تمسك به. وحينما أتى "أبو كريب" إلى الأمير فتحدث إليه لكن "أبو كريب" لم يرد عليه، فقال له المتواجدون الأمير يسألك وأنت صامت، واستغرب المتواجدون بالمجلس من عدم استجابة "أبو كريب"، إلا أن الأمير قام على قدميه وأمر جلاسه أن يبتعدوا عنه، وقال له أكثر من مرة: والله يا أبا كريب ما أردت إلا الله عز وجل، وأن أجعلك حسنة بينى وبين الله عز وجل للمسلمين، وتكون لى عونًا على هذا الأمر، وتحكم بالحق على وعلى من حولي، فاتق الله عز وجل فيما دعوتك إليه من القيام بالحق فى وفى المسلمين، "أبو كريب" استغرب من حديث الأمير ورد عليه متسائلا: الله عز وجل أردت بذلك؟

فقال الأمير: نعم.. وكررها ثلاث مرات فقلب"أبو كريب" المنصب وأصبح قاضي القضاة. اتصف "أبو كريب" بالتواضع أيضًا، ومن بين المواقف المذكورة التى تدل على ذلك أنه كان يسير مرة فى شوارع مدينة القيروان بحماره فاستوقفه خصمان للنظر فى قضية بينهما، فنزل من على حماره، وفصل بينهما فى القضية، وحينما هم ليركب الحمار وينصرف أراد أحدهما أن يمسك "سرج" الحمار كى يركب فرفض ذلك "أبو كريب". "أبو كريب" فصل فى مظلمة امرأة ذات مرة وهو فى طريقه إلى المسجد، حيث توقف وجلس فى أحد دكاكين صناع السروج، ونظر فيها، ثم ركب حمار إلى المسجد فانصرفت المرأة صاحبة الشكوى وهى تقول: أصابت والله أمك حين سمتك غوثا أى "نصرا"، فأنت والله غوث كما سميت. من بين المواقف التى تدل على عدم خوف "أبو كريب" من الأمراء وقضاؤه بالعدل فى كل وقت وحين حينما قدم إليه رجل يشكو له مظلمة عند الأمير وطلب منه أن يحضر معه إلى "أبو كريب" لكنه رفض، فقام القاضى العادل من مكانه وذهب معه بنفسه إلى الأمير وطلب من الحارس أن يعلم الأمير بقدومه إليه، فخرج له الأمير فقال له "أبو كريب" إن هذا الرجل يذكر أن له حقًا عندك، فادعى الخصم على الأمير بدعوى، فطلب "أبو كريب" من الأمير رده على ما قاله المدعى، فأنكر يزيد ما قاله الخصم، فطلب الخصم أن يحلف الأمير، فاستحلفه القاضى إلا أن الأمير رفض أن يحلف، فقال له القاضى: إنى أحكم عليك بعزوفك عن اليمين فأنصف القاضى الخصم.

فقال الأمير حينئذ: الحمد لله الذى لم أمت حتى جعلت بينى وبين الله عز وجل من يحكم بين عباده بالحق، فرد على أبو كريب القاضى العادل قائلا: وأنا أقول الحمد لله الذىلم أمت حتى رأيت أميرًا يشكر الله عز وجل بالقضاء بالحق عليه، وقضى فى الأمر بحنكة وعدل من جانب القاضى "أبو كريب"، وبرضا من جانب الطرفين المتخاصمين.