حجزت الزيارة الأخيرة للإعلاميين والبرلمانين والحقوقيين والمراسلين الأجانب للسجون على هامش المنتدى الثالث العالمي للسجون، مساحة كبيرة في الصحف والمواقع الإخبارية، وسيطرت صور السجناء والمشروعات التنموية والمعاملة الكريمة للنزلاء بمواقع التواصل الاجتماعى.

ربما يعتقد البعض بالخطأ أن الإعلام ضخم الأمر، وحسًن الصورة، لكن الفيديوهات والصور التى تم تداولها، وما وثقناه من حقائق بالصوت والصورة، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن أوضاع السجون في مصر تغيرت تماماً، وأن مصر تطبق أعلى المعايير الدولية فى مجال حقوق الإنسان، وتطبق المواثيق العالمية فى ذلك.

87111-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(9)
87111-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(9)

 

ربما جاء استغراب رواد السوشيال ميديا من الصور المتداولة للمشرعات الضخمة والاهتمام الكبير بالنزلاء، بسبب ما تم توارثه قديماً في الوجدان الشعبى عن السجون، وكيف كانت مكاناً للقهر والتعذيب قبل عدة قرون من الآن.

إذا كنت تريد فهم ما حدث الآن، وكيف تطورت السجون، للتأكد بالمنطق والعقل من صحة ما نقوله، عليك أن ترجع بالذاكرة لعدة سنوات قبل الآن.

نعود سوياً لعشرات السنوات، وكيف كان يتم معاملة السجين، من خلال ما وثقه متحف السجون، وكيف تحولت من مكان للقهر قديما إلى مكان للتأهيل والإصلاح حديثاً.

98405-السجون-(1)
-السجون-(1)

 

بمجرد أن تطأ قدمك المتحف تشاهد "العروسة"، وهى عبارة عن هيكل خشبى على شكل إنسان بذراع مفتوحة وقدمين، يحتضنه السجين وتوضع رأسه داخل فتحة دائرية بالهيكل، بجانبها فتحتين صغيرتين لليد تغلق عليه، ثم يبدأ دور السجان فى جلد السجين.

"عروسة السجن"، من أخطر أنواع العقاب التى كان السجناء يخشوها، لما تتسبب فى إيذاء بدنى ونفسى للسجين، واستمر العمل بها حتى تم إلغائها فى مطلع 2001، احتراماً لقيم حقوق الإنسان.

"العروسة"، ليست الأداة الوحيدة الشاهدة على عنفوان السجون قديماً منذ عشرات السنين، وإنما ترصد المجسمات المتراصة فى المتحف وضع السجناء داخل السجون قديماً، حيث كان السجين يقضى معظم أوقات اليوم داخل غرفة مظلمة لا يوجد بها شىء، إلا قليل من وسائل التهوئة، وربما يتم السماح له بالخروج من الغرفة لالتقاط الأنفاس أمامها وعدم التحرك أكثر من ذلك، ويمارس السجناء أحيانا أعمالا قاسية فى الحدادة التى تعتمد على الجهد الجسدى وترهق السجناء، لعدم وجود أية أدوات حديثة يعمل بها السجناء.

101799-مباراة-كرة-قدم-داخل-السجون-(3)
مباراة-كرة-قدم-داخل-السجون-(3)

 

المتأمل جيداً لمتحف السجون، يكتشف أنه من عشرات السنوات، كانت السجون وسيلة للقهر، وتحول الحال الآن لمكان للتأهيل والإصلاح واحترام قيم حقوق الإنسان، حتى أصبحت السجون تضم ملاعب رياضية للترفيه، ومكتبات حصل منها سجناء على درجة الماجستير والدكتوراه، وغرف لتعليم الموسيقى وأماكن لمحو أمية غير المتعلمين، ومستشفيات تضاهى كبرى المستشفيات بالخارج تضم أجهزة حديثة ومتطورة لا يوجد مثلها فى مستشفيات الشرطة.

هذه الأوضاع الصعبة والقاسية التى كان يعشيها السجين منذ عشرات السنوات، تغيرت تماماً، بعدما قررت وزارة الداخلية تحويل السجين لشخص منتج يفيد نفسه بعد الخروج من السجن، من خلال برامج علمية اهتمت بالسجناء، خاصة أنهم يشكلون قوة إنتاجية كبيرة يجب على الدولة الاستفادة منها باستغلالها فى مجالات العمل لما يحققه ذلك من الخير للمجتمع بأثره، ومن ثم تبنت الدولة مبدأ توفير العديد من فرص العمل داخل السجون، فأقيمت العديد من المشروعات الإنتاجية بداخلها، وتم إنشاء هيئة صندوق التصنيع والإنتاج للسجون بهدف تأهيل المسجونين وتشغيلهم فى مشروعات شتى.

74784-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(2)
74784-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(2)

 

وبعد ثورتين قادتا البلاد للتجديد فى كل شىء، تغيرت السجون أيضاً، حيث حرص قطاع السجون، على التوظيف الأمثل لطاقات السجناء، واستثمار أوقات فراغهم فى عمل نافع، والنهوض بالمستوى المعيشى لهم ولأسرهم من خلال تنميتهم مهارياً ومهنياً، وحصولهم على أجور مجزية مقابل العمل، بهدف تأهيلهم للانخراط الكريم فى مدارج المجتمع، ولا تتوقف عملية تطوير السجون على الاهتمام بعمل السجناء وإنما تثقيفهم أيضاً، تجنبا لتركهم وشأنهم داخل المؤسسة العقابية دون إشراف أو توجيه على مناحى تفكيرهم، خشية أن يتجه إلى التفكير فى الجريمة أو تقليد غيره من المجرمين، لذلك يصرح لنزلاء السجون أن يستحضروا الكتب والصحف والمجلات المصرح بتداولها للاطلاع عليها أثناء وقت الفراغ، وتم دعم المكتبات وتزويدها بأحدث الإصدارات من الكتب الثقافية والعلمية والدينية، الصادرة عن كبرى دور النشر.

142699-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(5)
142699-منتجات-الأثاث-والسلع-الغذائية-لنزلاء-السجون-(5)

 

"الموهوبون" أصبح لهم اهتمام خاص من قبل وزار الداخلية، حيث يتم تشجيع السجناء ذوى المواهب الفنية بمزاولة الهوايات المختلفة كالرسم والنحت وأعمال التطريز والتريكو، والعزف على الآلات الموسيقية وغيرها، بالأماكن التى تم تخصيصها لممارسة تلك الهوايات، وتيسر إدارات السجون الحصول على الخامات اللازمة للتشغيل، بالإضافة لمساعدة السجناء فى تسويق منتجاتهم، إذا رغبوا فى ذلك، ويسمح بالعروض الترفيهية التى تقام داخل السجون بالتنسيق مع قصور الثقافة بالمحافظات.

هذا التحول الضخم في ملف السجون، لم يتم اعتباطاً وإنما تم من خلال دراسات ضخمة، وكفاءات أمنية كبيرة، وتطبيق فعلي لمعايير حقوق الإنسان، حتى باتت السجون المصرية الأفضل عالمياً وفقاً لشهادات الجهات المعنية والزائرين من مختلف الجهات، الذين تعايشوا مع السجناء في زيارات استغرفت أوقات طويلة إمتدت أحياناً لأكثر من 5 ساعات، وقفوا خلالها على المعاملة الكريمة التي يتلقها النزلاء خلف الأسوار، بغض النظر عن تهمة السجين، فالهدف الأسمي المعاملة الكريمة، وخير دليل على ذلك سماح السجون مؤخراً لمراسل قناة الجزيرة القطرية بالخروج من محبسه والمشاركة في جنازة والده بمنطقة أبو النمرس جنوب الجيزة.

ما صدره الإعلام عن السجون مؤخراً، هو جزء من الحقيقة، ووضع حقيقى موثق بالصوت والصورة، لا يحمل أى نوع من التجميل، وإنما هو نقل حى وبث مباشرة لما يحدث.

ما تم تصديره للمشهد، نتاج عمل متواصل على مدار الـ 24 ساعة لرجال الشرطة وإخلاصهم في تأهيل السجناء والارتقاء بمنظومة السجون، وفقاً لتوجيهات مستمرة من اللواء محمود توفيق وزير الداخلية بمعاملة النزلاء معاملة كريمة، والحرص على الزيارات الاستثنائية في الأعياد والمناسبات، والسماح للنزلاء بالتنقل من سجن لآخر بالقرب من ذويهم، ونقل النزلاء بالقرب من محل إقامتهم حتى لا يتكبدوا أي مشقة.

ما حدث ويحدث خلف أسوار السجون، جهود مخلصة تحتاج مساحات ضخمة لإبرازها، لو كلفنا القلم بسردها لتعب ومل وما استطاع.