حيث يتوارى السوريون في إسطنبول وغيرها!

منذ 9 أشهر 113

قبل سنوات، كان من الاعتيادي أن تسمع من يتحدث العربية وباللهجة السورية في شوارع إسطنبول ومحالها، وكان بالإمكان تمييز السوريين من خلال ملامحهم ولباسهم، وكانت محالهم ترفع لوحات عليها أسماؤها وتخصصاتها مكتوبة بخط عربي، يزين واجهة مطاعم ومحال حلوى وبقاليات وصالات بيع وتأجير سيارات، وغيرها. ولم تكن المظاهر مقتصرة على مناطق إسطنبول التاريخية التي استقرت فيها مبكراً أعداد كبيرة من السوريين، إنما كان الأمر مكرراً في أحياء إسطنبول الجديدة التي توسعت كثيراً في سنوات العقد الماضي. وقد ارتفع عدد السوريين في إسطنبول إلى نحو مليون شخص، يشكلون نحو 1 من 15 من سكان المدينة.

عدد السوريين وحضورهم في إسطنبول كان حالة خاصة ومميزة، وقريباً منه كان حضورهم في مدن وبلدات، منها: غازي عنتاب وسط تركيا، وشانلي أورفا في الشرق. وبلغ عدد السوريين في كل واحدة نصف مليون نسمة، وقارب عددهم ربع مليون نسمة في مرسين الساحلية إلى الغرب من عنتاب.

لقد حدث تغيير عميق في مظاهر وجود السوريين في مدن وأرياف تركيا عامة، لا سيما في إسطنبول التي تظهر اليوم وكأن دلالات وجود السوريين فيها اختفت، فلا يكاد صوتهم يُسمع، ولا حضورهم ظاهر، ولافتات محالهم تم استبدال أخرى بها، ذات أسماء وحروف تركية.

أساس التغييرات في حضور السوريين يعود إلى عوامل متعددة، أبرزها تبدلات تراكمت على مدار السنوات الأخيرة في موقف الأتراك من السوريين، وقد رحبوا بهم كثيراً، عندما عبر القادمون حدود البلدين هرباً من وحشية الحرب والدمار، كما رحبوا بمن جاء إلى تركيا للإقامة والاستثمار فيها، قبل أن تمر سنوات وسنوات، تعقدت وازدادت فيها صعوبات القضية السورية، وزاد عدد السوريين في تركيا، وتعقدت أوضاعهم وعلاقاتهم فيها، وحدثت تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية في تركيا، وبدأت تعبيرات التغيير في مواقف الرأي العام والسلطة التركية حيال السوريين تتوالى.

إن أبرز ما تمت استعادته من التاريخ المشترك للشعبين الجارين، إرث ثقيل من الصور النمطية عند الجانبين، وفيها صورة السوري الذي غدر وثار على الخلافة العثمانية، وتعاون مع الأوروبيين ضدها، تقابلها صورة المستعمر التركي الذي حكم سوريا 5 قرون، وحرمها من فرص التطور والرقي، ومارس عملية التتريك. وهكذا بقي الإرث الثقيل، بدل أن يؤدي الوقت والجهد والسياسات المشتركة إلى تجاوز الصور السلبية، وخلق صور وعلاقات إيجابية عند الطرفين.

وإضافة إلى الإرث الثقيل في العلاقات الثنائية، وتحول السوريين إلى لاجئين في تركيا، جاءت العنصرية التي تصاعدت في صفوف الأتراك، ولعبت دورها في تدهور علاقات الجانبين، نتيجة عوامل تداخلت فيها خلفيات تاريخية وثقافية، وظروف سياسية واقتصادية اجتماعية شهدتها تركيا، منها إدخال اللاجئين السوريين ساحة الجدل السياسي بين الأحزاب والجماعات السياسية، والمشكلات الاقتصادية التي أدت إلى التضخم والبطالة والغلاء، وتراجع نسب النمو الاقتصادي، وتدهور نشاط قطاعات البناء والخدمات والسياحة ذات المكانة البارزة في الاقتصاد التركي.

وإذ لعب الموروث السلبي في علاقات الطرفين، ونمو العنصرية في تركيا في السنوات الأخيرة، في تبدل المواقف حيال السوريين، فإن من المهم التوقف عند بعض تجليات التبدل، ورؤية تعبيراته العملية، سواء في المستوى الشعبي أو في المستوى الرسمي، غير أنه لا بد من تأكيد أن ثمة وسطاً من الأتراك في المستوى الشعبي والرسمي، ما زال يتعامل مع السوريين بعيداً عن الموروث التاريخي لعلاقات الطرفين، وبعيداً عن العنصرية الراهنة حيال السوريين.

إن الأهم في مواقف الأتراك في التعامل مع السوريين، يظهر في تشويه صورتهم عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي تصريحات قادة في الجماعات السياسية، وفيها يجري التركيز على تباين السوريين واختلافهم عن الأتراك ومعهم، والقول إنهم عالة على الاقتصاد، ويعيشون على حساب الدولة التركية، وانهم يخلقون مجتمعات موازية. وتستند التصرفات العنصرية إلى محتويات الصور المرسومة، وأبرزها ممارسة سياسة الكراهية والتنمر حيال السوريين في الأماكن العامة، وفي التعامل مع طلبة المدارس، وتظهر في الامتناع عن التعامل مع السوريين في البيع والشراء وفي تأجير البيوت والعقارات التجارية، وفرض أسعار خاصة. ويمتد هذا النسق من العلاقات إلى مجنسين أتراك من أصول سورية، والاعتداء على سوريين وأملاكهم من محال وسيارات، ورغم أن كثيراً من الاعتداءات تتم علناً، فإن بعض الاعتداءات تتم بعيداً عن الأضواء، كما أغلب جرائم السلب والسرقة والخطف.

إن ما يزيد أثر الجرائم أنها تُقابل بتأييد محيط مرتكبيها، أو عدم مبالاتهم عند معرفة أن الضحايا سوريون. وينطبق الأمر على بعض رجال الأمن، ويزداد التعامل سوءاً في تشددهم مع الضحايا في حالة الشكاوى، ويتم أخذهم إلى قضايا وموضوعات أخرى للحصول على رِشى، وسط تساهل مع المرتكبين إلى حد تركهم، وإن لم يحصل ذلك في أقسام الشرطة فقد يتم في أجهزة القضاء.

إن تعامل رجال الأمن مع السوريين في حملات البحث عن مخالفي الإقامة يبدو خارج القانون، رغم أنها تتم تحت راية تطبيق القانون ضد المخالفين؛ حيث يتم التوقيف -وغالباً الترحيل- بصورة كيفية، وإكراه كاذب بـ«المغادرة الطوعية»، وأي احتجاج يعرِّض صاحبه إلى عقوبات جسدية جسيمة.

إن قصور القانون أو غيابه في التطبيقات المتعلقة بالسوريين إضافة إلى العنصرية، يجعل منهم في تركيا عرضة لانتهاكات دون حدود، وعمليات ابتزاز وتنمر؛ لكنها في الأهم تترك قلقاً في كل جوانب حياتهم، ليس في مجريات الحياة اليومية فقط؛ بل بصدد احتمالات المستقبل، والتي فيها مساوئ لا يمكن حصر محتوياتها ولا تفاصيلها. وهذا بعض ما يجعل السوريين في تركيا، وفي إسطنبول خاصة، في ضياع، يتوارون بسببه إلى الظل. فلا صوتهم مسموع، ولا حضورهم ظاهر، تجنباً لحدوث ما لا تُحمد عقباه من المضيفين الأتراك!