"بي ريل" منصة الحقيقة التي أدركنا زيفها

منذ 1 سنة 171

لوحة مفاتيح متسخة بجوار كتلة عشوائية من الغبار. أطباق متكومة بعضها فوق بعض متروكة منذ وجبة عشاء الليلة الماضية. حقيبة ظهر سوداء مرمية فوق طاولة من دون سبب واضح. إذا كانت كل هذه الصور تبدو مملة جداً... حسناً، هذا هو الهدف منها نوعاً ما. باعتبار أن هذه هي الصور التي تراها على منصة "بي ريل" BeReal (وتعني حرفياً كن حقيقياً)، فإن تطبيق وسائل التواصل الاجتماعي يسعى لإظهار الأشخاص على حقيقتهم. أو هذه هي فكرته في الأقل.

التطبيق الذي أطلقه الثنائي الفرنسي كيفين بيرو وأليكسز باريات في عام 2020 كمضاد لإنستغرام، يحث المستخدمين على التقاط صورة واحدة غير معدلة كل يوم في وقت معين باستخدام كل من الكاميرا الأمامية والخلفية لهواتفهم. يقول التطبيق إن الفكرة منه هي "أن تصور محيطك" وتكون حقيقياً كما يوحي اسمه.

يمنحك التطبيق دقيقتين فقط لالتقاط الصور ونشرها عبره، وإلا فستعتبرين "متأخرة". يمكن للمستخدمين مشاهدة مشاركات أصدقائهم على بي ريل، والرد عليها لاحقاً باستخدام الرموز التعبيرية أو التعليقات فقط عندما يقومون بدورهم بنشر الصور. وتختفي جميع المشاركات بعد 24 ساعة.

لطالما حظي بي ريل بشعبية كبيرة بين جيل العشرية الأخيرة من القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الحالية، حيث كان يشق طريقه ببطء منذ إنشائه حتى يحصل على مكانة متقدمة في متجر التطبيقات الهاتفية، لكن نجاحه ازداد كثيراً هذه السنة بين شريحة سكانية أوسع بكثير. يتجاوز عدد مرات تحميل التطبيق اليوم 53 مليوناً، بينما تقدر قيمة الشركة المالكة بأكثر من 600 مليون يورو (ما يعادل 524 مليون جنيه استرليني). تشارك شخصيات مؤثرة لديها ملايين المتابعين (مثل بريسلي هوسباك وإيما ماكدونالد وماك تروكس) بانتظام ما تنشره في بي ريل على حساباتها على إنستغرام. في سبتمبر (أيلول) الماضي، تصدر التطبيق العناوين على مستوى عالمي عندما سمح الفنان هاري ستايل لمعجب بالتقاط صورة له ونشرها على حسابه في بي ريل خلال إحدى حفلاته الموسيقية في نيويورك.

النجاح الذي حققه بي ريل كان كبيراً لدرجة أن تطبيقات أخرى تنظر إليه الآن على أنه منافس، على رغم أن فكرته التسويقية الظاهرية هي تصويب ما تفعله كل تلك التطبيقات. ومع ذلك، أطلقت منصة تيك توك أخيراً ميزة Now (الآن) الخاصة بها، والتي تدعو المستخدمين إلى تصوير ما يفعلونه في تلك اللحظة بالتحديد، عبر مقطع فيديو مدته 10 ثوان باستخدام الكاميرا الأمامية والخلفية في أجهزتهم. قد تطرح إنستغرام أيضاً ميزة أخرى مقلدة، إذ يقال إن المنصة تدرس إطلاق خيار "لمحة" Glimpse الذي يطالب المستخدمين بمشاركة مقطع فيديو أو صورة مرة واحدة يومياً ليروا المتابعين ما يفعلونه في لحظة معينة.

كل هذه المساعي نبيلة للغاية – ولكنها ليست مفاجئة تماماً. بعد الامتعاض لسنوات من تجارب ومصائب وسائل التواصل الاجتماعي والقول "إنها سطحية!"، "إنها تسبب التوتر!"، "إنها هراء منقح!"، كانت مسألة وقت فقط حتى قرر رجلان عاديان يعملان في مجال التقنية حل هذه المشكلة الظاهرة من خلال... إنشاء تطبيق وسائل تواصل اجتماعي آخر. أنا أفهم عنصر الجذب في هذا أيضاً. عندما نجد أنفسنا غارقين باستمرار في فيض من المحتوى المنقح والمرتب للغاية، قد تكون رؤية العكس تماماً أمراً مريحاً.

في الواقع، أصبح الكثير من الناس في الأشهر الأخيرة يعتمدون على بي ريل لتزويدهم بجرعة يومية من الأصالة. يقول ماكس البالغ من العمر 25 سنة: "يمكنك إلقاء نظرة خاطفة على الحياة العادية لأصدقائك الذين لا تستطيع التواصل معهم بالضرورة لعدم توفر الوقت لذلك... أعتقد أنه يؤثر بشكل إيجابي في صداقاتي - حتى لو كانت الصور قبيحة". يؤدي التطبيق الغرض نفسه بالنسبة إلى ليا، 23 سنة، التي قامت بتحميله في يوليو (تموز). تقول، "أحب ميزة التصوير باستخدام الكاميرا الأمامية والخلفية، حيث يمكن أن تظهر أحياناً بعض اللحظات المضحكة فعلاً والتي لا تلاحظها عادة".

قد يساعد بي ريل أيضاً الأهالي على البقاء على تواصل مع أبنائهم بطرق قد لا توفرها المنصات الأخرى. تقول نيكي، وهي سيدة تبلغ من العمر 48 سنة: "غادر أكبر أبنائي منزل العائلة للالتحاق بالجامعة وقال إنني إذا أردت إلقاء نظرة سريعة على حياته اليومية، فعليَّ إنشاء حساب على بي ريل... لا أستطيع أن أصف لكم كم هو لطيف الحصول على تلك اللمحة السريعة من حياته".

لكن وسط كل هذه الإيجابيات التي يمكن أن يقدمها التطبيق، يزداد الشك المحيط به. ابحث عن اسم "بي ريل" مثلاً عبر منصة تويتر، وستجد شكاوى لا حصر لها حول التوقيت السيئ للتنبيهات التي يرسلها التطبيق والضغط الذي يولده على المستخدمين لنشر شيء ما كل يوم، أي هناك اعتراض على جوهر التطبيق. نشر أحد الأشخاص تغريدة كتب فيها "الدعوة لاستخدام بي ريل عند الثامنة صباحاً هي شيء من العنف". وأضاف آخر "يجب حظر تنبيهات بي ريل قبل الساعة التاسعة صباح يوم الأحد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عندما أجريت استطلاعاً مصغراً للرأي بين الأشخاص الذين أعرفهم في التطبيق، كانت استجابتهم مماثلة. قال أحد الأصدقاء: "استخدمته لمدة أسبوع ووجدته مملاً حقاً... لم تكن برأيي مشاركات أي شخص مثيرة للحد الأدنى للاهتمام وكانت مشاركاتي مملة بالقدر نفسه". أيد صديق آخر ذلك وقال: "إنه أمر عديم الفائدة تماماً وأود لو أستطيع عدم مشاهدة مشاركات بعض الأشخاص".

امتعض آخرون من حقيقة أن غالبية الأشخاص يقومون بالنشر في وقت متأخر، وهي حقيقة سرعان ما تأكدت منها من خلال التصفح السريع لصفحة "الاكتشاف" في بي ريل، حيث يمكنك مشاهدة مشاركات من أشخاص ليسوا أصدقاء لك. لم أر شخصاً واحداً نشر في الوقت المحدد، تأخر معظمهم لعدة ساعات. فهل ما تنشره حقيقي فعلاً إن لم تقم بذلك في اللحظة التي يطلب منك التطبيق هذا؟

تعرفت إلى بي ريل لأول مرة من خلال أختي ابنة الخمسة عشر ربيعاً. كنا نسير باتجاه المقهى عندما أوقفتني فجأة وكشفت بأنه "حان وقت أن نكون حقيقيتين". ثبتت هاتفها أمام وجهي والتقطت الصورتين المطلوبتين: واحدة للشارع والثانية لنا، لكن بعد أن رأت صورتنا قررت إعادة التقاطها. قالت بعد المحاولة الرابعة: "آه، لا. دعينا نجرب مرة أخرى". لم تكن أي منا واثقة كفاية لنشر آخر صورة تمكنا من التقاطها خلال دقيقتين. اختتمت أختي حديثها قائلة: "لا تهتمي، سأقوم بنشرها في وقت متأخر".

هذه هي إشكالية بي ريل الأخرى: يمكنك أن تكون مزيفاً بسهولة جداً. وهذا بالضبط ما فعلته أنا عندما قمت بتحميل التطبيق. بعد أن رأيت صورة لي تبدو فيها عيناي شبه مغمضتين ويظهر ذقني بشكل غريب، قررت فوراً أنني لن أنشر أي شيء في ذلك اليوم حتى أنتهي من وضع مكياجي. بمجرد قيامي بذلك، كنت سعيدة جداً بكوني "حقيقية" وشاركت صورة سيلفي التقطتها بعد 20 دقيقة.

أنا لست الشخص الوحيد الذي يسلك هذا النهج. أوضحت إحدى الكاتبات أخيراً كيف وصل إليها تنبيه موعد نشر صورة بي ريل الخاصة بها عندما كانت في عز الجدل مع خليلها، لذلك أجلت النشر بضع ساعات إلى أن هدأت الأمور. يتذكر شخص آخر أن التنبيه كان يصله بشكل متكرر وهو يغط في قيلولته، فيشعر بأن عليه "ضغطاً للعثور على شيء آخر أقل إحراجاً يمكن أن يصدق المتابعون أنني أقوم به".

حين نأخذ كل ما سلف في الحسبان، من الواضح أن الحقيقة على الإنترنت هي غاية لا تدرك، وهي موضوع كتب عنه حد التخمة منذ انطلق بي ريل لأول مرة. بالطبع، في اللحظة التي تصوب بها عدسة الكاميرا إلى شيء ما، يتحول إلى جزء من بناء فني. وهذا صحيح أيضاً حتى لو كنت تلتقط صورة للمدفأة أو السجادة في مسكنك لا أكثر. طالما أنك تمتلك القدرة على التحكم بالكاميرا فأنت تقوم بخلق صورة لا يمكن إلا أن تكون مصطنعة.

نشر صورة سيلفي منقحة ملتقطة أثناء عطلة في فالينسيا على إنستغرام هو شيء، ونشر صورة حاولت للتو التقاطها أربع مرات على بي ريل هو شيء آخر تماماً، بالتالي إذا لم يكن الناس حقيقيين على بي ريل، فكيف يمكن أن يكون التطبيق مختلفاً عن أي منصة وسائل تواصل اجتماعي أخرى؟ أليس استهلاك المحتوى تحت عباءة الأصالة مضللاً أكثر من فعل ذلك في مكان نعلم فعلاً أنه ليس أصيلاً؟

يحب الناس أن يبدوا بمظهر جيد على الإنترنت. لقد تم تكييفنا بهذه الطريقة ببساطة. وهي ممتعة للناشر والمتفرج. لأننا بقدر ما نعتقد أن الأمر لا يعنينا، يمكننا القول إن رؤية أشخاص آخرين يظهرون بمظهر جيد على الإنترنت مبهجة أكثر. أعلم أنني أفضل رؤية الصورة الجذابة التي يلتقطها الناس أثناء عطلاتهم في المناطق المشمسة أكثر بكثير من الاطلاع على الصور السيئة الإضاءة التي تظهر طاولات المكتب الخاصة بهم مثلاً.

حقيقة الأمر هي أن الأصالة ليست شيئاً يمكن تسويقه ببساطة، سواء أكان ذلك عبر تطبيق هاتف ذكي أو غيره. إذا كانت الحقيقة هي ما تسعى إليه، فأفضل سبيل لذلك هي البحث عنها في مكان آخر غير هاتفك.