أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بعد أن استبعدت الحكومة في وقت سابق إجراء انتخابات مبكرة، وجاء إعلان أردوغان عقب اجتماعه بزعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، والذي اقترح إجراء انتخابات مبكرة بدلًا من موعدها المقرر أواخر 2019، وتحديدًا في نوفمبر (تشرين الثاني) في العام القادم.

يحاول هذا التقرير، التقصي حول قرار الرئيس التركي، وبحث توابعه المستقبلية، وجذوره الماضية، في ظل الظروف الحالية الموجودة في البلاد، إلى جانب أبرز القضايا الدولية التي تتخذ تجاهها تركيا رأيًا واضحًا وصريحًا اقتضى في بعضها التدخل العسكري، مثل القضية السورية والتدخل التركي في مدينة عفرين السورية.

بعد السيطرة على «عفرين».. إلى أين تتجه تركيا والجيش الحر وواشنطن؟ 

أردوغان: «إنها رغبة حزب الحركة القومية»

القرار الذي اتخذه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، جاء بعد دعوة رئيس حزب الحركة القومية بإجراء انتخابات مبكرة، مما شكك في احتمالية استغلال أردوغان للحزب من أجل تدعيم شرعيته في الداخل التركي؛ فبالرغم من عدم وجود قوة حقيقية على أرض الواقع تقريبًا للحزب في الوقت الحالي، وذلك في ظل حصوله على نسبة أقل من 12% في البرلمان، أي الحصول على 40 مقعدًا فقط من ضمن 550 مقعدًا.

الشكوك في الأمر هنا من قبل البعض هي أن يظهر أردوغان متبرئ من رغبته الشخصية في إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أمام الكل، وإنما يؤكد أن القرار جاء بعد دراسة الطلب الذي قدمه رئيس حزب الحركة القومية، وذلك حتى يبدو الأمر أكثر شرعية أمام الجميع.

9bef9d2ef1.jpg

(رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي)

ويأتي الإعلان بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد أشهر من الاستفتاء الشعبي الذي فاز فيه أردوغان العام الماضي، والذي كان لأجل تعديلاتٍ دستوريةٍ تتضمن عدة بنود، من ضمنها تحويل نظام الحكم في البلاد إلى نظام رئاسي؛ غير أنه من المفترض أن التعديلات لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد الانتخابات الرئاسية.

وأضاف أردوغان في خطابٍ بثه التلفزيون الرسمي قائلًا إنه على الرغم من أن الرئيس والحكومة يعملان في انسجام، إلا أن أمراض النظام القديم تواجهنا في كل خطوة نخطوها، وتابع قائلًا إن «التطورات في سوريا وغيرها من المناطق أملت علينا التحول إلى النظام الجديد في أقرب وقت حتى نتمكن من بناء مسقبل وطننا بطريقة أقوى، وقد ناقشت دعوة بهجه لي مع المسؤولين واتفقنا على إجراء الانتخابات».

خطوة متوقَّعَة

القرار الذي اتخذه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لم يكن مفاجأة؛ بل كان من المتوقع القيام بهذه الخطوة حتى من العام الماضي 2017؛ حيث توقَّعت مجلة «تايم» الأمريكية هذه الخطوة منذ عام تقريبًا من الآن، وذلك في تحليلها المنشور في 19 أبريل (نيسان) 2017؛ حيث ذكرت أن فوز الرئيس أردوغان في الاستفتاء لم يكن إلا مجرد خطوة أولى، والخطوة الثانية له بعد الاستفتاء هي الفوز في الانتخابات الرئاسية؛ حيث شككت المجلة أن ينتظر اردوغان إلى نهاية عام 2019 لإجراء الانتخابات الرئاسية، مؤكدةً أنه لديه أسباب ودوافع من أجل إعلان الانتخابات قبل ذلك الموعد، إما في نهاية عام 2017، وهو ما لم يحدث، أو على أكثر تقدير خلال عام 2018، وهو ما أعلن عنه تحديدًا أردوغان أمس.

7 أسئلة تشرح لك استفتاء التعديلات الدستورية في تركيا

حتى قبل الاستفتاء، ظلت خطوة الانتخابات المبكرة مطروحة طوال الوقت أمام أردوغان؛ حيث إنه قد ألمح من قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية أنه في حال صوَّت الأتراك بعدم الموافقة على التعديلات، فإنه سيدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بحيث تسمح له هذه الانتخابات بحصوله على الأغلبية التي ستمنحه سلطة إجراء وتمرير التعديلات الدستورية دون استفتاء، وهو ما سيدفعه إلى تحقيق حلمه بالحصول على منصب رئاسي بصلاحيات أوسع وأكبر، وذلك بالرغم من وجوده في السلطة منذ 14 عامًا رئيسًا للوزراء، أو رئيسًا للجمهورية التركية.

c8fa00b31a.jpg

وبالنسبة للداخل التركي، فإن توقعات إجراء انتخابات رئاسية جديدة كان متوقَّعًا أيضًا، وهو ما أعلن عنه مذيع قناة الجزيرة الإخبارية، محمود مراد، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك؛ حيث أشار في أوائل شهر فبراير (شباط) الماضي، إلى وجود مصادر في الداخل التركي تؤكد أن الرئيس أردوغان سيعلن عن قراره بإعلان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال الأيام المقبلة، وهو القرار الذي أعلن عنه أردوغان بعد أكثر من شهرين ونصف.

ميرال.. المرأة الحديدية تتحدى أردوغان

في أعقاب إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قراره بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أعلنت رئيسة الحزب الصالح التركي، ميرال أكشينار، نيتها الترشح لانتخابات الرئاسة التركية التي ستجري في البلاد في 24 يونيو المقبل؛ حيث عقد الحزب اليميني الوسطي المعارض مؤتمرًا صحفيًا بمقره في العاصمة التركية، أنقرة.

وكانت «أكشينار» التي يُطلق عليها لقب «المرأة الحديدية» في تركيا، قد قالت إن حزبها قرر القبول بقرار الرئيس أردوغان، والترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بل الفوز فيها برئاسة الجمهورية التركية ضد الرئيس أردوغان، وذلك من أجل «تخليص البلاد من الأزمات ومن المآزق التي تعاني منها» بحد قولها.

4eb5256b13.jpg

(رئيسة الحزب الصالح التركي، ميرال أكشينار)

الجدير بالذكر أنه من أجل الترشح للانتخابات الرئاسية في تركيا، فإنه ينبغي الحصول على دعم من 100 ألف شخص من المواطنين الأتراك، وهو الرقم الذي أكدت «أكشينار» أنها تستطيع الحصول عليه، وفي ظل عدم السماح لأي حزب سياسي خوض الاستحقاقات الانتخابية إلا بعد مرور ستة أشهر على المؤتمر الأول له، أكدت «أكشينار» أنه لا يوجد أي عائق قانوني أمامها يحول دون ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة، وذلك بالرغم من تأسيس حزبها فقط في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

من جانبه، أعلن المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض، بولنت تزجان، استعداد حزبه لخوض الانتخابات المبكرة القادمة؛ موضحًا أن حزبه كان يعمل على الاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ فترة، وهو الآن مستعد لها.

وأضاف «تزجان» أن إدارة الحزب ستعلن في وقتٍ قريبٍ عن مرشحه للانتخابات الرئاسية، وذلك بعد مشاورات معمقة مع النواب البرلمانيين وأعضاء مجلس إدارة الحزب، وجدد «تزجان» دعوته للحكومة التركية برفع حالة الطوارئ المعلنة في البلاد عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف عام 2016، مؤكدًا قبوله التحدي في الانتخابات الرئاسية، وداعيًا حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية إلى المبارزة في صناديق الاقتراع، قائلًا إن حزبه سيكسب هذه الانتخابات القادمة.

لماذا دعا أردوغان إلى انتخابات رئاسية مبكرة الآن؟

قد يرى الكثيرون أن القرار الذي اتخذه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في شهر يونيو المقبل أنه بدافع تفعيل نتيجة الاستفتاء الشعبي الذي جرى في أبريل 2017. بالطبع هذا تصوُّر صحيح، ولكن السؤال الأهم هنا، لماذا تحديدًا يريد أردوغان إجراء هذه الانتخابات في وقتٍ قريب، في ظل أنه يمكنه الإبقاء على موعدها العام المقبل في نوفمبر 2019؟ خاصة وأن العديد من الزعماء والرؤساء يحبون دومًا تأجيل تلك التحديات الانتخابية لأبعد فترة ممكنة. ها هنا سنشرح بعض الأسباب التي دفعت أردوغان إلى التسريع بالتأكيد على شرعيته.

1- تدهور الاقتصاد التركي

من الواضح أن أردوغان لديه ثلاثة أسباب رئيسية دفعته لإعلان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة؛ حيث يكمن السبب الأول في الاقتصاد التركي؛ فهو في حالة تدهور وسوء، بل إنه في طريقه إلى الأسوأ؛ فبالرغم من أن أردوغان يعتبر قائد النهضة الاقتصادية في تركيا منذ بداية الألفية الجديدة، إلا أن التخوفات الاقتصادية والمالية ما زالت قائمة في الوقت الحالي، وكان معدل التضخم في تركيا في عام 2001، أي قبل تولي أردوغان منصب رئيس الوزراء بسنة واحدة فقط، قد وصل إلى مستوى هائل بلغ 70%، إلا أن هذه النسبة تقلصت حتى وصلت إلى 12% فقط على مدار السنوات الماضية، تحت حكم الرئيس أردوغان.

a86910c141.jpg

التخوفات الاقتصادية لا تتعلق فقط بشؤون الدولة، ونفقاتها، وإنما أيضًا بالشعب التركي؛ وبالتالي فإن سبب تدهور الاقتصاد التركي خلال الفترة الأخيرة جاء بسبب عدة أسباب أبرزها التكاليف الكبيرة التي تتحملها الدولة التركية في مقابل التدخل العسكري في مدينة عفرين السورية، مما ساهم بشكلٍ أكبرٍ في تدهور الأحوال الاقتصادية لدى الكثيرين من السكان الأتراك؛ حيث ارتفعت نسبة البطالة العامة إلى 13%، وهي النسبة الأكبر التي تبلغها تركيا منذ سبع سنوات كاملة.

انهيار الليرة وتسجيل النمو الأعلى في العالم.. اقتصاد تركيا بين الواقع والأسطورة

فضلًا عن وصول نسبة البطالة في أوساط الشباب الأتراك إلى 24.5%. وبالتالي فإن إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتٍ أقرب يضمن لأردوغان حصوله على التأييد قبل أن يزداد الوضع الاقتصادي سوءًا، وهو ما قد يترتب عليه غضب شعبي قد لا يستطيع أردوغان تفادي توابعه إن حدث.

2- تمديد حالة الطوارئ

السبب أو الدافع الثاني الأبرز الذي دفع أردوغان إلى الإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يتمثل في حالة الطوارئ؛ ففي الوقت الحالي، يضطر أردوغان إلى تجديد وتمديد حالة الطوارئ كل فترة، حتى تمنحه بعضًا من الصلاحيات التي وافق عليها الشعب التركي في تصويت الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي جرى العام الماضي، ولكن ما في الأمر أنه لا يستطيع الحصول على جميع الصلاحيات المنصوص عليها في الاستفتاء إلا بعد إجراء انتخابات رئاسية، وبالتالي فإن إجراء الانتخابات سيكون بالتأكيد حلًا أفضل من تمديد حالة الطوارئ، كما أنها ستمنحه مزيدًا من الصلاحيات أكثر من تلك التي تمنحها له حالة الطوارئ.

df4e843d81.jpg

الجدير بالذكر أن حالة الطوارئ مفروضة في تركيا منذ شهر يوليو (تمّوز) 2016، وذلك منذ محاولة الانقلاب التركي الفاشلة، والتي قُتل على إثرها قرابة 300 شخص؛ حيث ألقت السلطات التركية اللوم على حركة فتح الله كولن وحزب العمال الكردستاني.

فرض حالة الطوارئ في البلاد منذ منتصف عام 2016 دفعت الرئيس التركي إلى حالة من الجنون؛ حيث إن تقرير المفوضية الأوروبية أشار إلى عدد من الإحصائيات التي تتعلق بما أدت إليه حالة الطوارئ في تركيا منذ عامين؛ حيث تم احتجاز أكثر من 150 ألف شخص على إثر حالة الطوارئ المفروضة في تركيا، فضلًا عن إلقاء القبض على 78 ألف شخص، بالإضافة إلى فصل 110 ألف موظف حكومي، غير أن السلطات التركية ذكرت أنه تم إعادة حوالي 40 ألف منهم إلى مناصبهم من جديد.

«التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

3- ضعف المعارضة وقلة التنظيم

أمَّا عن السبب الثالث والأخير المُرجَّح أنه دفع الرئيس أردوغان إلى الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية في الوقت الحالي، فهو ذلك المتمثل في ضعف المعارضة التركية الحالية، بالإضافة إلى ندرة تنظيم صفوفها في الوقت الحالي، ففي الوقت الذي يتمتع فيه أردوغان بسيطرة حاسمة على حزب العدالة والتنمية، فإن أحزاب المعارضة التركية لا تزال غير منظمة؛ حيث أنه يبدو كون حزب الشعب الجمهوري سيظل هو الممثل الرئيسي للمعارضة في البرلمان التركي.

تركيا و«الناتو»: هل تخطط أنقرة للانتقام من حلم الاتحاد الأوروبي؟

وبالتالي، فإن دعوة أردوغان لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة يكون في صالحه بالتأكيد، فالآن أفضل من لاحقًا، حتى لا يتوافر بعض الوقت من أجل المعارضة التركية من أجل تنظيم صفوفها، مما يعني ضرورة استغلال الوضع الحالة بضعف التنظيم لديهم.

وبالإضافة إلى هذا وذاك، فإن هذه الانتخابات، وفي ظل ضعف المعارضة أيضًا، ستكون فرصة جيدة لإعطاء أحزب موالية لأردوغان أصغر حجمًا أن تأخذ عددًا أكبر من المقاعد في البرلمان، مثل حزب الحركة القومية.