منذ اتهام قوات النظام السوري بشن هجوم بالأسلحة الكيمائية مؤخرًا على دوما، أكبر بلدة للمعارضة بالقرب من دمشق لإجبارهم على الاستسلام، انتظر العالم بقلق رد فعل الولايات المتحدة. في أعقاب الهجوم المشتبه به، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رد فعل انتقامي وشيك وتحدث بلغة صارمة ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وراعيته روسيا. منذ ذلك الحين، تراجع الرئيس الأمريكي وأصدر تصريحات ذكر فيها أن الهجوم قد يحدث «قريبًا جدًا، وقد لا يكون كذلك». ومع ذلك في المرة الأخيرة التي يشتبه فيها في شن هجوم كيميائي واسع النطاق في سوريا، تابع ترامب تهديداته، وإن كان رد الفعل الأمريكي محدودًا.

من أوباما إلى ترامب.. كيف رقصت الولايات المتحدة على دماء السوريين؟ 

بالنظر إلى العواقب المحتملة الأكبر التي قد يواجهها الأسد وحلفاؤه، فإنه من غير الواضح لماذا خاطر باستخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة عندما أعلن نظامه بالفعل النصر في هجومه المدعوم من روسيا على الغوطة الشرقية، آخر منطقة رئيسية تسيطر عليها المعارضة بالقرب من دمشق، والتي تشمل أيضًا دوما.

تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية للكاتب سام داغر، مراسل الشرق الأوسط، ذكر أنه تم تقديم العديد من النظريات لهجوم الأسد الكيميائي الأخير على دوما، بما في ذلك حاجتة إلى المزيد من ترويع شعبه حتى يخضع، بالإضافة إلى الرغبة في إذلال وتحدي الغرب العاجز.

وقال التقرير: «أحد التفسيرات المرجحة، والتي يغفل عنها الكثيرون إلى حد كبير، هو الضغط الذي واجهه من العلويين، أعضاء الطائفة التي ترتبط بالشيعة، والتي ينتمي إليها الأسد. ويعتقد العديد من العلويين أن جماعة «جيش الإسلام»، الفصيل المعارض بالغوطة، تحتجز حوالي 7500 من الأسرى العلويين في المدينة وحولها، بما في ذلك جنرالات من الجيش وجنود، ومدنيون، ممن اختطفوا أو أسرتهم المعارضة على مر السنين في محاولة للحصول على تنازلات من النظام».

مصدر قلق للنظام

على الرغم من أن العلويين يمثلون نسبة صغيرة من البلد بشكل عام، إلا أنهم يشغلون مناصب رئيسية في النظام، ويسيطرون على المؤسسات الأمنية، ويدعمون القوى المقاتلة الرئيسة التي كانت تدافع عن النظام منذ عام 2011. وتفتقر العديد من العائلات إلى أحبائهم الذين لا يبدو أن بإمكان الأسد تحريرهم، حتى بينما يخبرهم أنَّه يريد المزيد من أبنائهم للمشاركة في القتال.

إن قدرة الأسد على إعادتهم هو أمر حيوي للحفاظ على شرعيته في نظر هذه الدائرة الهامة، وهي حقيقة يدركها أيضًا رعاته، إيران وروسيا. وكان الأسد قد قال خلال اجتماع مع عائلات علوية مؤخرًا: «لن نتخلى عن أي شخص مفقود أو مختطف، وسنفعل كل ما في وسعنا لإطلاق سراحه، إذا كان لا يزال على قيد الحياة».

de38d3a983.jpg

الرئيس السوري بشار الأسد – دمشق – سوريا

بالنسبة للأسد، فإن تضامنه مع مجتمعه قد يكون مصدر قلق أكبر من أي تداعيات لاستخدامه للأسلحة الكيميائية. بالنظر إلى سجل الغرب غير المستقر في الرد على الهجمات السابقة، وتصميم الحلفاء على حمايته، ورغبته الخاصة في تبرير أي فظاعة مع الإفلات من العقاب، فإن تفكيره الوحشي هذا يبدو منطقيًا إلى حد مؤلِم. يبدو أن نظام الأسد قد استقر ليبقى لا سيما مع حالة الارتباك التي تسود بشأن نوعية الرد الأمريكي. ومع ذلك، في الفترة التي سبقت الهجوم الدامي للأسلحة الكيمائية، أصبح من الواضح أن الأسد بحاجة إلى أن يثبت للمجتمع أنه مستعد لإطلاق سراح سجناء الطائفة العلوية التي ضجرت من الحرب. هذا ديكتاتور يفهم مدى السرعة التي يمكن أن تنهار بها الأمور إذا ما انقلب العلويون عليه.

وقال الكاتب: «خلال الحرب السورية التي دامت سبع سنوات، تحدثت مع العديد من العلويين الذين يشعرون بأنهم ضحوا بكل شيء للحفاظ على ما يقرب من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد. تقريبًا كل بيت في المعاقل العلوية في غرب سوريا قد تأثر بالحرب، التي يعتقد العديد من أفراد المجتمع بأنها تتعلق بإنقاذ الأسد والحفاظ على وجودهم. وتدعي رواية النظام أن الأغلبية المسلمة السنية، التي أطلقت شرارة الثورة، تريد القضاء على مجتمع العلويين. ومع انهيار صفوف الجيش في العراق بسبب الانشقاقات، سارع العلويون للانضمام إلى الميليشيات الطائفية التي أنشئت حديثًا، لكن يبدو أن الأسد كان دائمًا مهتمًا أكثر بالميليشيات الشيعية الإيرانية، بما في ذلك مقاتلو حزب الله، الذين تدفقوا على ساحة المعركة لإنقاذه».

احتجاجات للعلويين

ويبدو أن الهجوم الأخير في منطقة الغوطة الشرقية، التي شهدت ما يقرب من شهرين من حملة الأرض المحروقة المدعومة من روسيا ضد المعارضة، كان من المتوقع أن يغير ذلك، خاصة وأن إيران وميليشياتها بدت على ما يبدو وكأنها تتراجع. ودعا العلويون والكثيرون داخل النظام الأسد إلى إلحاق أقصى قدر من الألم بالمعارضة لضمان إطلاق سراح السجناء.

وخلال شهر مارس (آذار)، خرج عشرات الآلاف من المقاتلين والمدنيين من الغوطة الشرقية ومنحوا ممرًا آمنًا إلى إدلب، وهي مقاطعة تسيطر عليها المعارضة في الشمال. تم ترتيب خروجهم في مفاوضات بين الروس والجماعات المسلحة. وبينما كان العلويون يراقبونهم يغادرون، أصبحوا قلقين وغاضبين: لم يتلقوا بعد؛ الكثير من المعلومات عن إخوانهم الذين ما زالوا محتجزين لدى جماعة جيش الإسلام، ولكن بعد ذلك انهارت المفاوضات التي قادتها روسيا مع المجموعة، مع مصير الأسرى العلويين.

4ac887e52a.jpg

جرافيتي يطالب بإسقاط الأسد – سوريا

ويبدو أن الأسد – بحسب التقرير – قد قرر أن الوقت قد حان للقيام بعمل متطرف. يوم الجمعة 6 أبريل، استأنف النظام السوري قصفه الشامل لدوما، وأصدر إنذارًا نهائيًا للمعارضة: الموت والفوضى على نطاق غير مسبوق ما لم يتم الإفراج عن جميع السجناء العلويين، ثم جاء الهجوم الكيماوي المشتبه به يوم السبت على دوما. سرعان ما عاد جيش الإسلام إلى مائدة المفاوضات لمناقشة استسلام دوما، وكان مصير الأسرى والمفقودين العلويين مدرجًا في أول بند على جدول الأعمال – وهو تطور يوفر اطمئنانًا مؤقتًا للعائلات.

بعد ذلك بوقت قصير، هرعت الأمهات العلويات والزوجات والآباء إلى دمشق من مدنهم وقراهم في غرب سوريا، والذين كانوا يتوقعون إعادة لم شملهم مع أحبائهم. لكن الأمل سرعان ما أفسح المجال للغضب والإحباط عندما خرج نحو 200 سجين علوي من دوما بحلول مساء الاثنين 9 أبريل. وأعلنت وسائل الإعلام الرسمية للنظام أن العدد النهائي للسجناء الذين خرجوا أحياء من دوما كان 200 شخص. وقال: «إن الرقم الذي بلغ 7500 كان (أخبارًا مزيفة)، وتم نشرها في محاولة لابتزاز الأموال من العائلات اليائسة».

«فورين بوليسي»: لماذا سعت فرنسا للمشاركة في ضرب سوريا؟

وفيما يبدو أمرًا غير مألوف، نظم المئات من العلويين الساخطين احتجاجًا وسط دمشق يوم الاثنين، وبعد أن خرج المحتجون من قاعة بجوار السفارة الروسية في دمشق طوقت قوات الأمن التابعة للنظام المنطقة بالكامل، وأرسلت ممثلين عن إعلام النظام لمواساة العائلات. ومنعت وسائل الإعلام الأخرى من الدخول، بحسب ما ذكره مراسل مستقل في دمشق كان شاهد عيان على الواقعة.

وبحلول ليل الاثنين، تم إقناع العائلات العلوية بمغادرة الشوارع بعد أن أوقفوا حركة المرور. عاد المحتجون إلى القاعة، ولكن غضبهم لم يهدأ. ورددوا شعارات مناوئة لرجال الشرطة ووسائل الإعلام، متسائلين عن مصير أبنائهم.

لم تنته الحرب

وتابع الكاتب بقوله: «سمعت مثل هذه الأراء من العلويين مرات عديدة خلال رحلة استغرقت أسبوعين عبر ريف حماة والمناطق الغربية الساحلية في اللاذقية وطرطوس في صيف عام 2014. أخبرتني الأمهات والزوجات أنهم يعلمون أن أحباءهم محتجزون من قبل المعارضة في دوما، وأنهم يريدون من الأسد أن يفعل المزيد لإطلاق سراحهم. بالنسبة لهم، بدا الأسد متكاسلًا للغاية ومنشغلًا بصورته كرئيس لجميع السوريين، وليس كزعيم للعلويين. أخبرني محمد جابر، وهو أحد قادة الميليشيات المقرب من شقيق الأسد ماهر، في مطلع عام 2013 أن الأسد لم يكن حاسمًا مثل والده الراحل، الذي حكم سوريا على مدى ثلاثة عقود وواجه تمردًا مشابهًا في الثمانينات».

أشار التقرير إلى أنه وعلى الرغم من أن الأسد قد استرد الكثير من الأراضي التي خسرتها قوات النظام لصالح المعارضة، فإن الحرب لم تنته بعد. وبمرور الوقت، مكنت الحرب العديد من قادة المليشيات العلويين وأمراء الحرب، الذين يطالبون الأسد بالمزيد من الصرامة. على الأقل حتى الآن، فهو بحاجة إلى هؤلاء الناس، ويعلم أن أي صدع كبير داخل مجتمعه العلوي قد يكلفه السلطة في أجزاء من البلد الذي يسيطر عليه، حتى مع الدعم الكامل من إيران وروسيا.

27c3191f1e.jpg

أثار للقصف السوري على حلب – سوريا

ومع ذلك فإن الأسد مهووس بإظهار نفسه كزعيم غير طائفي لجميع السوريين الذين يرون الصورة الكبيرة والتداعيات الأوسع للحرب. وكان الأسد قال قد ببزته العسكرية في الغوطة الشرقية خلال زيارة له الشهر الماضي للتفاخر بتحقيق النصر: «المعركة أكبر من سوريا، أنتم الآن تحاربون معركة العالم، النضال العالمي، مع كل رصاصة تطلقونها على الإرهابيين، فإنكم تغيرون ميزان القوى العالمي، وكل سائق دبابة يتقدم لمتر يغير الخريطة الجيوسياسية للعالم».

ولكن ماذا يعني توازن القوة والخرائط الجيوسياسية للعائلات العلوية التي ضحت بأبنائها لإبقاء الأسد في السلطة؟ من السخرية أنه بعد حرب دامت سبع سنوات وأودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص، وشردت الملايين وشهدت صعود وإزاحة تنظيم «داعش» وتدخل قوى أجنبية وإقليمية، فإن التهديد الأكبر للأسد يمكن أن يأتي من المجتمع العلوي الخاص.