الموقف الرسمي الألماني رافض لبقاء بشار الأسد حاكما لسوريا بنهاية العملية السياسية. ولكن هناك من السياسيين والخبراء من يرى أن الواقع يفرض مراجعة هذا الموقف، ولا بد أن يمر الأمر عبر روسيا. فهل تتخلى موسكو عن حليفها؟

على الرغم من تبني الحكومة الألمانية موقفاً يدعو إلى عملية انتقال سياسي للسلطة في سوريا تنتهي بخروج بشار الأسد من المشهد، لكن خلافاً في الرؤى طفا على السطح وظهر بشكل واضح داخل ألمانيا مؤخراً، خصوصاً بعد توجيه ضربة صاروخية لمنشآت تابعة للنظام السوري يعتقد أنها تقوم بإنتاج الأسلحة الكيماوية.

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس قال في تصريحات صحفية إن الصراع السوري بحاجة إلى حل يتم التوصل إليه عبر التفاوض وتشارك فيه كل القوى في المنطقة، مضيفا أنه لا يتخيل أن يكون شخص استخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه جزءا من هذه العملية.

تصريحات وزير الخارجية تنسجم مع موقف الحكومة الألمانية، التي قالت على لسان المتحدث باسمها شتيفن زايبرت: "أي حل طويل الأمد للصراع في سوريا لا يمكن تصوره من وجهة نظرنا إلا بدون الأسد".

خلاف على توقيت خروج الأسد من المشهد

لكن يورغن هارت، خبير الشؤون الخارجية في الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، قال في تصريحات صحفية إن "الأسد سيظل حتى المستقبل القريب عاملاً لا يمكن تجاهله. لا يوجد حل مع وجود الأسد، لكن لا يوجد أيضاً حل بدونه"، معرباً عن تبنيه لموقف الحكومة الألمانية بأنه لا مستقبل لسوريا مع الأسد، وقال: "مرحلة انتقالية مع الأسد، لكن مستقبل بدون الأسد - على هذا الأساس ينبغي أن تعمل الدبلوماسية الآن".

Berlin Vorstellung Friedensgutachten 2017 | Jochen Hippler (Imago/M. Popow)

الدكتور يوخن هيبلر الخبير والمحلل السياسي بمعهد السلام والتنمية في دويسبورغ

حول هذا الانقسام في المواقف الألمانية يقول الدكتور يوخن هيبللر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والباحث في معهد السلام والتنمية بجامعة دويسبورغ، في حوار مع DW عربية إن المشكلة لا تكمن في آراء شخصية لسياسيين فرادى، وإنما الأمر متعلق بالسياسة الأوروبية عموماَ، بما فيها الألمانية حيال أزمة سوريا.

يضيف الدكتور هيبللر: "هناك مطالب مستمرة منذ عام 2011 لإزاحة بشار الأسد عن السلطة لكن على الجانب الآخر لم يكن لدى الغرب الإمكانية لتحقيق ذلك، ناهيك عن أن البدائل لبشار الأسد ليست واضحة، فالمعارضة السورية تقضي وقتا طويلاً للغاية في الكلام وتستهلك طاقة كبيرة في محاربة بعضها ولايوجد بديل يمكن الاعتماد عليه". ويضيف "لذا فإن المطالبة بإسقاط ديكتاتور وحشي أمر، ووجود بديل مع القدرة على تنفيذ هذا السيناريو البديل هو أمر آخر تماما وهو ما يسبب اضطراباً واختلافاً في المواقف، ليس في ألمانيا وحسب وإنما في الاتحاد الأوروبي".

انقسام يلقي بظلاله على علاقات ألمانيا الدولية

لكن هل لهذه التصريحات المتعارضة لسياسيين ألمان تأثير على علاقات ألمانيا بدول أخرى يشترك بعضها مع وجهة النظر القائلة بضرورة غياب بشار الأسد عن المشهد تماماً فيما تشترك دول أخرى مع وجهة النظر القائلة بأن أي حل مستقبلي سيتضمن بشار الأسد كأمر واقع لاخيار لتغييره؟

يقول الدكتور يوخن هيبلر الخبير والمحلل السياسي بمعهد السلام والتنمية إنه لا يوجد أحد في ألمانيا تقريباً يرغب في استمرار بشار الأسد في موقعه، "فهو ديكتاتور بطش بشعبه بقسوة واستخدم ضدهم أسلحة محرمة دولياً، بخلاف الآلاف الذين تعرضوا للتعذيب وقتلوا في السجون". مضيفاً أن الجدل الذي يتزايد في ألمانيا حالياً هو حول عدم وجود خيار آخر، حيث يبدو أن الأمر بدأ يستقر بشكل ما للنظام السوري، "وعلينا التعامل معه حتى وإن كنا لا نحبه".

ويتابع الدكتور هيبلر قائلاً إن هذا الموقف البراغماتي بالتعامل مع نظام الأسد يخلق بالفعل نوعاً من التوتر مع دول أخرى خصوصاً السعودية وبدرجة أقل تركيا والولايات المتحدة، "فالعلاقات السعودية-الألمانية لاتسير على نحو جيد بسبب الحرب في اليمن، كما أن هناك بعض التصريحات من قبل السياسيين هنا وهناك زادت من حدة التوتر بجانب مسألة وقف بيع السلاح الألماني للسعودية وأيضاً الموقف السعودي من ألمانيا حيال الاتفاق النووي مع إيران وتغيير الموقف الألماني الرسمي فيما يتعلق ببقاء بشار الأسد من عدمه هو أمر سيؤثر بدرجة كبيرة على العلاقات الألمانية-السعودية إما أن يزيد من توترها أو يقلل من هذا التوتر".

روسيا والأسد.. هل يمكن فصم عرى الارتباط؟

دعمت روسيا نظام بشار الأسد سياسياً وعسكرياً، ما قلب موازين القوى بعد أن كان النظام السوري قاب قوسين أو أدنى من السقوط. هذا الدور الروسي الحيوي في القضية السورية جعل وزير الخارجية الألماني يصرح قائلاً إنه "يستحيل حل النزاع من دون روسيا". لكن هل يمكن أن تساهم ألمانيا والاتحاد الأوروبي في فصم عرى هذه العلاقة القوية بين النظام السوري وبين الدب الروسي؟

يقول الدكتور هيبلر: "لا أستطيع مطلقاً تصور أن تتخلى روسيا عن بشار الأسد"، فقد ساندته حين كان موقفها في هذا الوقت عالي التكلفة بالفعل وعندما لم تكن متأكدة من نجاح مساعيها لتثبيت أركان حكمه، "واليوم وبعد أن بدأ الاعتقاد يسود بأن روسيا ربحت الحرب ونجحت في تثبيت دعائم نظام بشار الأسد مع انعدام الخيارات أمام الغرب، ما الذي يجعل موسكو توافق على التخلي عن الأسد بعد نجاح سياساتها؟".

"الإنسانية" وحدها لا تكفي!

Syrien Mutmaßlicher Giftgasangriff in Duma (Reuters/White Helmets)

ويرى الدكتور هيبلر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فعل ما فعله وساند بشار الأسد ودخل هذه المعركة السورية من الأصل لسببين:

الأول: داخلي. لإظهار روسيا كدولة قوية وقادرة على تغيير المعادلات السياسية الدولية خصوصاً بعدما تزعزع هذا الشعور عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. والسبب الثاني: هو أن التدخل في سوريا حدث في التوقيت نفسه الذي تم فيه التدخل الروسي في أوكرانيا، وفهم الجميع حينها أن التدخل في سوريا كان للتغطية على هذا الأمر وتشتيت لانتباه المجتمع الدولي عن هذه القضية، وعليه فلا يوجد ما يدعو لمكافأة بوتين بعقد اتفاق معه في مقابل ترك بشار يسقط، "فأزمة أوكرانيا لازالت قائمة وكذا الاحتياج لتسويق روسيا كدولة قوية أمام الشعب الروسي أمر قائم كذلك".

ويختتم الدكتور يوخن هيبلر، الخبير الباحث بمعهد السلام والتنمية حواره مع DW عربية بالقول إنه لا يعتقد بأن الغرب يمكن أن يمنح بوتين ترضية في مقابل تخليه عن سوريا، "فالأمر في سوريا لا يتعلق بالبترول ولا التجارة الخارجية بين أوروبا وروسيا، وإنما القضية لدى الغرب هي معاناة الشعب السوري، إلا أن السياسيين لا يغيرون السياسات الخارجية لبلادهم حيال دول ضخمة مثل روسيا بسبب الأمور الإنسانية فقط".

عماد حسن

  • Syrien Militärschlag Flugzeug (Reuters/Twitter/French Military)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    ترامب ينفذ تهديداته

    نفذت الولايات المتحدة بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا هجمات جوية على سوريا فجر السبت (14 أبريل/ نيسان 2018). وقالت وزارة الدفاع الأمريكية إن الضربات استهدفت ثلاث مناطق لها علاقة بإنتاج الأسلحة الكيماوية. وذلك بعد أسبوع من هجوم كيماوي محتمل على بلدة دوما وتهديد ترامب بتوجيه ضربة لسوريا، فقد اتهمت الدول الثلاث نظام الأسد بالوقوف وراء الهجوم.

  • Syrien - US-Militärschlag auf Damaskus (picture alliance/AP Photo/H. Ammar)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    أهداف تحيط بدمشق

    المواقع التي قُصفت تضمنت مطار الشراعي بغربي دمشق في منطقة الديماس قرب الحدود اللبنانية. كما أصاب الهجوم موقعا في مدينة مصياف ومستودعات للجيش في شرق القلمون ومنطقة الكسوة جنوبي دمشق وموقعا في منطقة جبل قاسيون المطلة على دمشق، حسب مصدر مقرب من النظام السوري.

  • Syrien Damaskus Militärschlag (Imago/Xinhua/A. Safarjalani)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    ضرب المركز الرئيسي للأبحاث الكيماوية

    قالت وسائل الإعلام الرسمية السورية إن الهجوم أصاب أيضا منشأة للأبحاث العلمية في دمشق حيث قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن المنشأة تستخدم في تطوير وإنتاج واختبار أسلحة كيماوية وبيولوجية. بينما قالت باريس إن الضربات استهدفت المركز الرئيسي للأبحاث الكيماوية وموقعي إنتاج في سوريا.

  • Syrien Damaskus Proteste nach Militärschlag (Reuters/O. Sanadiki)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    أعلام سوريا وإيران وروسيا في شوارع دمشق

    عندما طلع النهار على دمشق خرج المتظاهرون حاملين الأعلام السورية والروسية والإيرانية وصور الأسد. ونددت الخارجية السورية بـ"العدوان البربري الغاشم". بينما قالت الخارجية الإيرانية في بيان إن الولايات المتحدة وحلفاءها، الذين قاموا بالعمل العسكري ضد سوريا "رغم غياب أي أدلة مؤكدة... سيتحملون المسؤولية عن تداعيات سياسة المغامرة على مستوى المنطقة وما يتجاوزها".

  • USA - Trump ordnet Militärschlag auf Syrien an (Getty Images/AFP/M. Ngan)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    ترامب: ضربات دقيقة

    أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض أن هذه الضربات هي قصاص لاستخدام حكومة الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبها. وأضاف "إنها ليست أفعال إنسان وإنما جرائم ارتكبها وحش" وأوضح ترامب أنها "ضربات دقيقة" قصدت أهدافا لها علاقة ببرنامج الأسلحة الكيماوية للأسد.

  • Syrien - Militärschlag - Emmanuel Macron (Reuters/Twitter/Emmanuel Macron)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    فرنسا أبلغت روسيا قبل الضربات

    قالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي إن الجيش الفرنسي استهدف المركز الرئيسي للبحوث الكيماوية في سوريا ومنشأتين أخريين وإن باريس أخطرت روسيا قبل تنفيذ الضربات. وكانت الوزيرة تتحدث بعد ساعات من إصدار الرئيس إيمانويل ماكرون أمرا بتدخل عسكري في سوريا مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وأضافت للصحفيين "لا نتطلع لمواجهة ونرفض أي منطق للتصعيد. وهذا هو السبب في أننا وحلفاءنا تأكدنا من تنبيه الروس مسبقا".

  • Symbolbild Kreml Moskau Russland Regierung (AFP/Getty Images/M. Antonov)

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    اعتراض "عدد كبير" من الصواريخ

    أكدت وزارة الدفاع الروسية أن الولايات المتحدة وحلفاءها أطلقوا أكثر من مئة صاروخ على سوريا، مشيرة إلى أن القوات السورية اعترضت "عددا كبيرا" منها. وقال فلاديمير دجاباروف الذي يتولى منصب نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي، إن موسكو ستدعو على الأرجح لاجتماع في مجلس الأمن الدولي لمناقشة الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية والفرنسية على سوريا.

  • Infografik Opfer des Syrienkonfliktes ARA

    ضرب أهداف محددة في سوريا ردا على "كيماوي دوما"

    سبع سنوات ولانهاية في الأفق

    دخلت الأزمة السورية عامها الثامن في (مارس/ آذار 2018)، ولا تبدو نهاية في الأفق. ورغم استرجاع بشار الأسد لمناطق كثيرة من أيادي المعارضة وتنظيمات أخرى متطرفة وإرهابية، إلا أنه لا يستطيع بسط نفوذه على بلده. ويقدر ضحايا الحرب السورية حتى الآن بنحو 480 ألف قتيل من كافة الجبهات، بينهم 19 ألف طفل، كما نزح 11 مليون شخص، وبلغ عدد اللاجئين خارج سوريا 5.5 مليون سوري. إعداد: صلاح شرارة

    الكاتب: صلاح شرارة