نون بوست

ترتكز الاقتصاديات العالمية الكبرى على عاملي الطاقة والمياه، وفي خضم صراعات الطاقة التي لن تنتهي تتولد صراعات على موارد المياه لا تقل أهمية عن صراع الطاقة، لذا ظهرت فكرة إعادة تدوير المياه المستخدمة في الأغراض اليومية المختلفة عبر تكنولوجيا مرتفعة التكلفة إلى حد كبير لا تستطيع تنفيذها إلا الدول ذات الثقل الاقتصادي مما جعل الأمر حكرًا على دول بعينها كالعادة.

عملية إعادة تدوير المياه المسماه بالرمادية الناتجة عن الصرف الصحي القادمة من أحواض غسيل الأيدي وأحواض الاستحمام والحمامات أمر بات شائع لدى العديد من الدول المتقدمة على رأسها الولايات المتحدة واليابان، إلا أن الأمر لم يصل بصورة كبيرة إلى منطقة الشرق الأوسط نظرًا لارتفاع تكلفة العملية من خلال الشركات المحتكرة لها.

حيث إن متطلبات الطاقة لإعادة تدوير متر مكعب من المياه أكثر من 5 كيلو وات في الساعة، وهي تكلفة باهظة للغاية، وقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بحسابها في تكلفة عملية إعادة تدوير 200 متر مكعب من المياه في اليوم بدبي وصلت تكلفتها إلى 146 ألف درهم إماراتي كتكلفة كهرباء فقط في العام الواحد، مما يعني 1.5 مليون درهم إماراتي عبر عشر سنوات.

أدخلت شركة تركية خاصة لأول مرة في العالم في مجال إعادة تدوير المياه تكنولوجيا جديدة ستغير وجه هذه العملية المكلفة ماديًا، عبر أنبايب تستخدم لمعالجة مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها ثنائيًا في عمليات الري الزراعي، هذه التكنولوجيا الحديثة هي بايو بايب "Biopipe" الاختراع الحاصل على براءة في قرابة 56 دولة حول العالم.

تختلف هذه التقنية الحديثة التي تعالج مياه الصرف بجودة عالية لأغراض الري والاستخدام الثانوي في أنها جعلت هذه العملية على نطاق واسع كما تقول الشركة في كتيبها التعريفي عن منتجها، وذلك بإتاحة العملية بدءًا من المنازل المستقلة والمنشآت التي تضم الآلاف، إلى المدن التي تحتوي على الملايين، كما تمتلك تكنولوجيا بيوبايب تصميمًا بسيطًا ومبتكرًا.

تتم هذه العملية بطريقة بيولوجية داخل أنابيب المياه دون أي تدخل كيميائي وهي ميزة أخرى لا تعرفها الأساليب التقليدية لإعادة تدوير المياه، إذ إن هذه الأنابيب والتكنولوجيا المستخدمة بها لا تنتج رواسب بالقدر الذي تنتجه العمليات الكيميائية الأخرى مما يساعد في عملية المحافظة على البيئة على المدى البعيد، وهو معيار مأخوذ به حسب معايير الاتحاد الأوروبي.

تواصل نون بوست مع السيد أنور مصرلي المدير التنفيذي لهذا المشروع الوليد وهو تركي من أصل سوري، والذي حدثنا عن مزايا المشروع والطرفة التي أحدثها في هذا المجال، بعد أن أتاح منتجهم هذه العملية للوحدات الصغيرة كالمنازل والمزارع بدلًا من الحاجة إلى بنية تحتية تقيمها الدولة بمليارات الدولارات من أجل إدخال تكنولوجيا إعادة التدوير التقليدية.

هذا وقد أكد أيضًا على عملية توفير الكهرباء الذي يتميز بها هذا المشروع الصديق للبيئة الذي تجاوز أمر إنفاق مليارات الدولارات من قِبل الحكومات على البنية التحتية للطرق التقليدية لمعالجة المياه والتي لا تقدر عليها سوى حكومات الدول العظمى، حيث وسعت ميزة مرونة المشروع وتصميمه وقابليته للتنفيذ من المساحة التسويقية له لدى الجمهور العادي بحيث لم يعد أمر إعادة تدوير المياه مقتصر على الدولة.

انتلقنا للحديث مع أنور مصرلي إلى نشأة المشروع وجذوره، حيث أكد لنا أن هذا هو مشروعه منذ الجامعة هو وصديقه المخترع اللذين عملا فيه منذ أن كانا في الجامعة، وقد مر المشروع بمراحل مختلفة كان آخرها منذ عامين حينما تأسست شركتهم الحالية الجهة الوحيدة صاحبة الحق في هذا المشروع بعدما تحول إلى منتج قابل للتنفيذ.

هذه الشركة التي بدأت متناهية الصغر إلى أن استطاعت أن تحصل على دعم من محفظة سويسرية بشكل استثماري لدعم هذا النوع من المشاريع بعدما اقتنعت بجدواه، حتى وصلت لأن تكون صاحبة أكثر من 50 مشروعًا في تركيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتتهافت عليها الآن شركات الاستثمار بعروض شراكات هائلة من بينها شركة تُعد من واحدة من بين إحدى أكبر مائة شركة على مستوى العالم بدأت في الاستثمار بهذا المشروع بالفعل.

أما عن الحدث الأبرز الذي حدثنا عنه أحد مؤسسي هذه الشركة التي تمتلك اختراع "بايو بايب" هو توقيعهم لعقد شراكة مع شركة ماتيتو وهي إحدى الشركات التابعة لشركة ميتسوبشي اليابانية والتي تعد الشركة الرائدة الأولى حول العالم في عمليات معالجة المياه، حيث أنها صاحبة الفضل في تصدير تكنولوجيا إعادة تدوير المياه بشكل عام إلى دول كثيرة في العالم.

هذا العقد ينص على أن تعطي لهم الشركة التركية الحق في استخدام منتجهم حصريًا في مشاريع داخل آسيا وأفريقيا، وهو أمر بمثابة الدخول إلى بوابة العالمية في هذا المجال حيث إنه من المعروف على هذا الصعيد أن هذه الشركة اليابانية هي التي تقوم بإعطاء حقوق استخدام مشاريعها للشرق الأوسط، أما هذه المرة فقد كسرت القاعدة وخرج مشروع من الشرق الأوسط ليصدر تكنولوجيا إلى هذه الشركة العالمية في أحد أهم المجالات المستقبلية

فيما تحدث معنا مؤسسو الشركة ومنفذو هذا المشروع الذي سيغير وجه تكنولوجيا إعادة تدوير المياه حول العالم عن الدعم التركي الذين تلقوه طوال مراحل هذا المشروع من توفير للتمويل لإجراءات مساعدة في عمليات البحث والتطوير من جهات عدة داخل تركيا وصلت إلى رئاسة الوزراء، حتى إنهم أكدوا أنه لولا هذا الدعم ما كان المشروع ليخرج إلى النور في هذا الحدث العلمي التاريخي الذي تحول إلى مشروع تنموي اقتصادي رائد.

يتحدث المدير التنفيذي لشركة "بايو بايب" عن أهمية دورهم الحالي في منطقة الشرق الأوسط كونهم نموذج مهم للشباب العربي في أمر تصدير التكنولوجيا إلى الغرب وليس الاكتفاء بعملية الاستيراد، ولكنهم نموذج حي على إمكانية إنتاج التكنولوجيا محليًا وتصديرها إلى العالم في مجالات حساسة كهذه.

فقد بدأت هذه الشركة بحلم رؤية كل منزل يستطيع إعادة تدوير المياه التي يستخدمها للحفاظ على موارد المياه في البيئة، ومر هذا الحلم بالعديد من الاختبارات حتى تحقق، كان أهمها التشكيك من قِبل المستثمرين في المشروع وعدم ثقتهم في إمكانية أن يكون هذا الاختراع سبقًا علميًا حصريًا غير مكرر.

لكن مؤسسو "بايو بايب" أكدوا أنهم بإصرارهم استطاعوا الآن الوصول إلى هذه المرحلة التي ظهر فيها هذا المنتج إلى العالم أجمع، كما تحدث أنور مصرلي عن ضرورة تشجيع الاهتمام بالشباب ومشاريع رواد الأعمال من قِبل المستثمرين وخاصة العرب وفي منطقة الشرق الأوسط عمومًا، حيث يتمنى أن تظهر مشاريع منافسة لهم في نفس المجال في المنطقة.

كما أكد مصرلي على أهمية المشاريع المتوسطة والصغيرة كأساس لتقدم الاقتصاديات الحديثة بعيدًا عن المشاريع الضخمة صاحبة رؤوس الأموال الفلكية، هذه المشاريع التي يقصدها تواجه أكبر مشكلاتها في عملية التمويل، كما ذكر مؤسس "بايو بايب" على سبيل المثال في المشكلات التي واجهتهم في البداية، والتي تعد سمة أساسية للعالم العربي كما يؤكد، حيث يعاني رأس المال العربي من الانكفاء على الذات.

وفي النهاية دعا أنور إلى إعادة التفكير في طريقة التمويل للمشاريع الشبابية في المنطقة العربية، مضيفًا أن على الشباب التحلي بروح الإصرار لمواجهة كل هذه العقبات عن طريق إطلاق العنان لحرية التفكير والإبداع.