يبدو أن عبارة "منطقة خفض التصعيد" لا تعني باللغة الروسية ما تعنيه بالعربية.

وهذا على الأقل استنتاج يمكن أن يلفت النظر إلى المشهد الحالي في الغوطة الشرقية في سوريا، حيث ساعدت القوات الجوية الروسية النظام السوري في تصعيدٍ هائل لمستوى مرتفعٍ للغاية بالفعل من العنف بالمنطقة الشرقية من دمشق الخاضعة لحصارٍ خانق منذ خمس سنوات، والتي كانت أيضاً موقع هجوم غاز السارين المخزي الذي وقع في أغسطس/آب 2013 والذي أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص في صباحِ يومٍ واحد.

تتحدَّث الأرقام عن نفسها: إذ قُتِلَ أكثر من 250 شخصاً بسبب القصف الجوي السوري والروسي، وأصيب أكثر من 1000 شخص، وذلك خلال يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين فقط، وفقاً لما ذكرته وكالة أسوشيتد برس.

المخبز الوحيد الذي يخدم ما يُقدَّر بـ350

وفق موقع ديلي بيست قد عُطل ما لا يقل عن أربعة مستشفيات ميدانية من خلال ما يبدو أنه استهدافٌ مُتَعَمَّد، وذلك وفقاً للجمعية الطبية الأميركية السورية، وهي منظمة إغاثية لديها طاقمٌ طبي موجود حالياً في الغوطة.

والأمر نفسه ينطبق على المخبز الوحيد الذي يخدم ما يُقدَّر بـ350 ألف إلى 400 ألف من السكان المُتضوِّرين جوعاً في الضواحي المُحاصَرة، وفقاً لتقارير من صحفيين محليين.

وتُظهر مقاطع فيديو نشرها الدفاع المدني السوري، المعروف أيضاً باسم "الخوذ البيضاء"، مشاهد مُروِّعة لكراتٍ نارية تندلع في الشوارع المُتَهَدِّمة والمُعتِمة بالغبار، حيث يُنقِّب رجال الأنقاض بحثاً عن ناجين، وهو مثال لما أسموه "ضربة جوية مزدوجة" (حيث تُطلَق ضربةٌ جوية تتلوها ضربة أخرى بعد دقائق معدودة لإصابة فِرَق الإغاثة وأطقم الإنقاذ).

يحدث كل هذا في منطقةٍ تعهَّدَت موسكو في سبتمبر/أيلول الماضي، في اتفاقٍ مع تركيا وإيران، بحفظ السلام والدماء فيها.

كان ذلك وقتها. أما الخطة الجديدة، على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فهي تكرارٌ لـ"تجربة تحرير حلب" في الغوطة، في إشارة إلى ما كان في الواقع حملة جوية وأرضية ضخمة وعشوائية في أواخر عام 2016، والتي انتهت بطرد قوات المعارضة، إلى جانب آلاف المدنيين، من حلب إلى محافظة إدلب.

في المرة الأخيرة التي حدثت فيها "تجربة" حلب، وجد تحقيقٌ رسمي من الأمم المتحدة أنها مثَّلَت "جريمة حرب". أما الآن، فلم تُصدِر منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف، إلا بياناً فارغاً، موضحةً: "لم يعد لدينا كلامٌ لوصف معاناة الأطفال وغضبنا".

وقالت الصحفية والمُحلِّلة السورية، أروى خليفة، التي عاشت سابقاً في الغوطة، لموقع ديلي بيست الأميركي إنه لا يوجد شك أن "الوضع كارثي على المستوى الإنساني. فمن خلال ضرب البنية التحتية والنقاط الحيوية بالغوطة، مثل المستشفيات والمراكز الطبية ومواقع الدفاع المدني، يُعطِّل النظام والروس الخدمات الأساسية والضرورية للمدنيين".

ما لا نعرفه على وجه التحديد هو السبب في هذا الاحتدام الآن، وماذا ستكون النتيجة النهائية. وفقاً لأروى التي تكتب بانتظام حول التطورات العسكرية في الغوطة في الصحافة العربية، حققت قوات المعارضة مؤخراً عدداً من المكاسب في المنطقة والتي يُرجَح أنها دفعت النظام وراعيه الروسي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لإزالة التهديد المتصاعد على محيط العاصمة.

قالت أروى: "ضيَّقت المعركة الأخيرة على قاعدة إدارة المركبات (قاعدة مركبات عسكرية استراتيجية تابعة للنظام) في مدينة حرستا على النظام، لأنها أفقدته أحد أهم مواقعه العسكرية القريبة من دمشق".

وأضافت: "كانت هذه الخسارة مؤشراً على ضعف عام في قوة الجيش العسكرية، وهددته بفقدان المزيد من المناطق الحيوية التي دفعته إلى التركيز على الغوطة ومحاولة الإحكام عليها عسكرياً، وفرض اتفاق على فصائل المعارضة هناك".

كان من المحتمل أن ينطوي هذا الاتفاق الافتراضي وفق ما أشار لافروف على "طرد فصائل المعارضة، أو على الأقل تسليم أسلحتها الثقيلة"، وربما نزوحهم إلى إدلب أو محافظة درعا، على حد قول أروى.

وبطبيعة الحال، ما إذا كانت قيادات فصائل المعارضة في الغوطة توافق على مثل هذا الاقتراح مسألة أخرى. ستكون رمزية هزيمة المعارضة الكاملة في الغوطة هائلة، وهي واحدة من أولى المناطق التي ثارت ضد النظام في عام 2011، ومعقل آخر للمعارضة في محيط العاصمة. وعلاوة على ذلك، فإن أعداد المتضررين والمدنيين على حد سواء - هي أكبر من الأعداد في حلب.

وقال براء عبد الرحمن، وهو صحفي سوري موجود حالياً في الغوطة، لموقع ديلي بيست: "إن تهجير الغوطة بالقوة سيكون بمثابة إنهاء الثورة.

هل بالإمكان أن يتخلص الأسد من معارضيه في الغوطة؟


ليس من السهل التخلص من ثوار الغوطة، كما رأينا في الأشهر الأخيرة، عندما كانت هناك حملة من النظام للاستيلاء على جوبر في دمشق، التي استمرت ستة أشهر دون نجاح النظام. لذلك، لا، أعتقد أن تطبيق سيناريو حلب في الغوطة أمر مستحيل".


من جانبها، ترى أروى أنه ممكن نظرياً "في حال لم يؤد الضغط الدولي إلى تعليق الحملة العسكرية"، لكنه سيظل أعقد بكثير من سابقة حلب. "هناك اختلافات جوهرية بينهما. في الغوطة، عدد مقاتلي المعارضة أكبر، وجبهات القتال كانت واضحة ومستمرة لسنوات، مما سمح بتطوير آليات الدفاع العسكري على نطاق أوسع" من جانب المعارضة.

علاوة على أن الغوطة تحوي ما بين 350 و400 ألف مدني، نسبة كبيرة منهم مطلوبون من النظام". ولا يمكن ببساطة إزاحة هذه الأعداد في الحافلات كما حدث مع سكان شرق حلب.

"لذلك لا يملك النظام وروسيا سوى خيارات محدودة".

خيارات محدودة، ربما. ولكن، في هذه الأثناء، يملكان على ما يبدو حرية غير محدودة لفعل ما يحلو لهما.