تصاعدت في الأيام القليلة الماضية حدة المصادمات بين قوى الأمن الإيرانية وبين الصوفيين في إيران، وسط أنباء عن سقوط قتلى في صفوف قوات الشرطة. هذا الأمر جلب للأذهان فكرة وجود صوفيين داخل إيران، وسط تساؤلات عن طبيعتهم وسر العلاقة العدائية بينهم وبين الحكومة وقوات الأمن.

فقد تجدَّدت الاشتباكات مرة أخرى بين الدراويش الغناباديين (إحدى الفرق الصوفية الإيرانية) وبين قوات الشرطة، يوم الإثنين 19 فبراير/ شباط، وأسفرت عن مقتل 5 أشخاص من القوى الأمنية، وجرح عشرات من الدراويش واعتقال 300 فرد.

اندلعت تلك المصادمات فى منطقة باسداران، عندما بدأت مجموعة من الدراويش في التجمع أمام قسم الشرطة للاحتجاج على اعتقال البعض منهم، وبدأت الأمور تتصاعد، فاستخدمت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، ليصل الأمر إلى ذروته عندما قام أحد الدراويش بقيادة حافلة ودهس ثلاثة من قوات الأمن.

استمرَّت الاشتباكات حتى صبيحة يوم الثلاثاء 20 فبراير/شباط، وصرَّح المتحدث الرسمي باسم الشرطة الإيرانية سعيد مهدي، بسقوط 5 أفراد من الأمن، 3 منهم من الشرطة النظامية، واثنان من قوات الباسيج (قوات أمنية تابعة للحرس الثوري).

وأضاف مهدي أن واحداً من الخمسة قُتل طعناً بالسكين، لكن الأمور مستقرة وتحت السيطرة الآن.

"كنا نعتقد أنه استقل الحافلة للهروب من الشرطة فوجدناه يدهس الجنود"، هكذا يروي أحد شهود العيان من الدراويش، الذي رفض الكشف عن هويته، لـ"هاف بوست عربي".

لكن موقع "مجذوبان نور" التابع للدراويش على الإنترنت، نفى تورط الدراويش في أي أعمال عنف، مؤكداً أن تلك الأفعال ليست من تعاليمهم. فى حين أنه تم تداول مقطع مصور لعملية الدهس على الشبكات الاجتماعية.

لكن من هم الدراويش الغناباديون الذين أثاروا الجدل مؤخراً في إيران؟

الصوفية في إيران

الغناباديون هم إحدى أكبر الطرق الصوفية، ويرجع تاريخ تواجدهم في إيران إلى القرن الثامن الهجري. أُطلق عليهم "الغناباديون" نسبة إلى مدينة غناباد في محافظة خراسان، وهي المدينة التي يتمركزون بها.

ويطلق عليهم اسم "أهل الحق"، وهم أقرب الطرق الصوفية إلى المذهب الشيعي مع بعض الاختلافات، إذ إنهم يؤمنون بأن مشايخهم هم الامتداد للأئمة الاثني عشر، وأنهم معصومون مثلهم تماماً. وتلك هي أكبر نقطة خلاف بينهم وبين رجال دين المذهب الشيعي.

الغناباديون غير مؤمنين بالسياسة، ويبتعدون عنها، ويميلون إلى السلام، وعدم استخدام العنف بشكل عام.

يقول أحمدي نوري، أحد الدراويش الغناباديين لـ"هاف بوست عربى"، إن عقيدتهم ترحب بكل الأفكار والمذاهب، "لكننا نتميز عنهم بأننا نعلم لماذا نحن هنا، ونحب الحياة أكثر من أنصار أي مذهب آخر، وأننا على يقين بأننا سنصل إلى الحق المطلق".

ويتعرض الدراويش الغناباديون إلى انتقاد حتى من الفرق الصوفية الأخرى، لكونهم يبتعدون كثيراً عن الطرق الصوفية المعروفة، بالإضافة إلى قيام مشايخهم بتأليف كتب ومراجع خاصة بهم، فقط يقتدي الدراويش بها، كما أنهم يتركون المراجع التي ألَّفها كبار مشايخ الصوفية.

يصف الدراويش الغناباديين الأشخاص الذين يستخدمون العنف تجاههم بأنهم جهلاء، ولا يجب الرد عليهم بالجهل، لأن الدرويش ليس بجاهل، وبالرغم من احتقارهم للسياسة، إلا أن زعيمهم الحالي نور علي تابنده، اشتغل بالسياسة لفترات طويلة، فكان من أشد المعارضين لسياسات الشاه، وكان دائم الدفاع عن الخميني وكل المنشقين عن الشاه قبل الثورة الإيرانية.

وبعد قيام الثورة، شغل عدة مناصب مهمة في وزارتي الثقافة والعدل، لكنه استقال في عام 1980 من العمل السياسي، وانضم إلى صفوف المعارضين للخميني والسياسات الجمهورية الإسلامية الجديدة، فكان دائم الانتقاد لمبدأ "الولي الفقيه"، وقال إن ذلك المبدأ ما هو إلا إعادة إنتاج لظلم الشاه، لكن بنسخة إسلامية، وتم اعتقاله لمدة 9 أشهر بعد الثورة.

تاريخ طويل من الصراع

للدراويش الغناباديين تاريخ طويل من الصراع مع النظام الإيراني، ففي عام 2005 قام محافظ مدينة قُم بإغلاق إحدى الحسينيات التابعة للدراويش، فتجمعوا غاضبين أمام مبنى المحافظة، واشتبكوا مع قوات الشرطة، وتم اعتقال المئات منهم.

وليلاً قامت الشرطة بإحراق الحسينية، وكتب نور تابندة رسالة موجهة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، طالبه فيها برفع الظلم عن الغناباديين، وأنهم لم يسعوا يوماً للتفرقة بين المذاهب ويحرمون قوانين الجمهورية.

وبررت الشرطة حينها هدم الحسينية بأنها مخالفة للقانون، وتم إصدار قرار من القضاء بعدم إصدار أي تراخيص لبناء حسينية جديدة، وهذا ما عارضه آية الله علي حسن منتظري، أحد أهم المرجعيات الشيعية، قائلاً "تدمير حسينيات يذكر فيها اسم الله أمر غير مقبول في الإسلام".

استمرّ أمر تدمير حسينيات الغناباديين لفترة طويلة من الوقت، وخاصة في عهد ولاية الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي كان أصدر أمراً بمنع نشر أي أخبار عن هدم الحسينيات واحتجاجات الدراويش في أي وسيلة إعلامية.

ثم اتجهت السلطات الإيرانية إلى اعتقال مشايخ الغناباديين، مبررة ذلك بأن تجمعاتهم تهدد الأمن العام للبلاد، ووقعت حادثة شهيرة لتلك الاعتقالات في عام 2010، عندما قامت الشرطة باعتقال مرتضى محجوبي، أحد أهم المرجعيات للغناباديين في مدينة أصفهان، مستخدمين غاز الفلفل والرصاص الحي، وتم اعتقال جميع من كانوا مع محجوبي في المنزل حتى النساء.

كانت أسوأ مصادمات الدراويش مع الشرطة في عام 2013، عندما قامت وزارة الاستخبارات باعتقال العشرات من الدراويش في منطقة "بندر عباس"، وإغلاق مكاتبهم في المدينة، وخرج المئات من المحتجين إلى الشوارع، وانتهت الاشتباكات بالعديد من القتلى والمعتقلين من صفوف الدراويش.

القضاء الإيراني: الأحداث الأخيرة تشبه أفعال داعش

وبالعودة إلى المصادمات الأخيرة بين الدراويش والشرطة، فقد صرَّح وزير الداخلية الإيراني رحماني فاضلي، أن الشرطة لم تسعَ إلى استخدام العنف ضد الدراويش، وإذا قام البعض منهم بانتهاك القانون فلا يجب الحكم على جميع الدراويش بأنهم مذنبون.

لكن على الجانب الآخر جاءت تصريحات المتحدث الرسمى باسم القضاء الإيراني غلام محسن، أكثر قسوة، فوصف الأحداث الأخيرة بأنها تشبه أعمال داعش الإجرامية، مؤكداً على أن القضاء سيعمل على التحقيق في الجرائم الأخيرة التي ارتكبها الدراويش تجاه الشرطة بأقصى سرعة.

وكان الرئيس روحاني أدان خلال اجتماعه مع الحكومة أعمال العنف الأخيرة، قائلاً "إنني لا أقبل أي شكل من أشكال العنف تجاه الشرطة، سواء كان من الدراويش أو أي فئة أخرى".

على الجهة المقابلة نشر موقع "مجذوبان نور" أن الدراويش المحتجين تعرضوا لكافة أنواع الضرب والإهانة، ومنهم من أصيب إصابات بالغة، غير المعتقلين الذين لا يعلمون أماكن احتجازهم إلى الآن.

ونشر الموقع أيضاً رسالة من زعيمهم علي نور تابندة، يدعو فيها أنصاره إلى التزام منازلهم، وعدم القدوم إلى محيط منزله والاعتصام قائلاً "إذا كنتم قلقين على صحتي فأنا بخير، ولا داعي لمواجهات أخرى".