يُعرف بلومبيرغ بدعمه الأعمى لإسرائيل (جيم هولاندير/فرانس برس)

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

 

نيويورك ــ ابتسام عازم

تدل العديد من التطورات في السباق على رئاسة الولايات المتحدة في الانتخابات المزمع عقدها بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام، على أنه لم يعد سباقاً عادياً، فإلى جانب الصخب الذي يحدثه المتنافس على الفوز بترشيح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، ظهر ملياردير آخر وهو مايكل بلومبيرغ، عمدة نيويورك السابق، كمتنافس محتمل، سيحسم مسألة ترشحه في شهر مارس/آذار على أبعد حد. وأثار احتمال دخول بلومبيرغ كمرشح، صخباً بمجرد إعلان مقربين منه هذا الأسبوع أنه يدرس بقوة إمكانية ترشحه كمستقل وتنافسه على الفوز. وإن حدث هذا، فإن هذه ستكون المرة الأولى التي يترشح فيها مستقل يمتلك قابلية تغيير خارطة السباق الرئاسي، وذلك للإمكانات الماديّة الضخمة التي يمكن أن تدعم حملته، إذ ذكرت التسريبات أنه مستعد لإنفاق مليار دولار على حملته الانتخابيّة. ومن أهم المواضيع التي تشغل الملياردير الأميركي وعمدة نيويورك السابق، الحفاظ على البيئة والحد من انتشار السلاح في الولايات المتحدة. وهذان الموضوعان يشكّلان محور جدل كبير وفارقاً جذرياً بين الجمهوريين والديمقراطيين، مما يجعل بعض المحللين يميلون إلى القول إن حظوظ بلومبيرغ كطرف ثالث ستكون أقوى باستقطاب الديمقراطيين المحافظين أكثر من الجمهوريين، وسيكون تأثيره سلبياً على الحزب الديمقراطي أكثر منه على الجمهوري.  وفيما يتعلق بسياسة بلومبيرغ الخارجية، فإنه معروف بدعمه الأعمى لإسرائيل وسياساتها. وهو استشاط غضباً أثناء حرب إسرائيل الأخيرة على غزة عندما قررت شركات الطيران الأميركية وقف رحلاتها إلى مطار “اللد” بعد وقوع بعض الصواريخ بالقرب منه مما هدد أمن وسلامة الطائرات المدنية.

لكن الرجل لم يعجبه هذا فتوجّه بطائرته الخاصة ليثبت أن لا خطر من الذهاب إلى تل أبيب وليدعم دولة الاحتلال. ويبدو أن السبب الرئيسي وراء رغبة بلومبيرغ بالترشّح هو تطور سيناريوهات ومسارات مفاجئة حالياً فيما يتعلق بمرشحي كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ففي الحزب الجمهوري، يتصدر دونالد ترامب وبقوة الاستطلاعات منذ فترة في عدة ولايات رئيسية، ولا يبدو أن هناك أي منافس جدي له غير تيد كروز. لكن حظوظ ترامب للترشح عن الحزب الجمهوري تبقى الأقوى، وكلما ازداد تطرّفاً في تصريحاته وتصرفاته ازدادت شعبيته، وهو ما فاجأ الكثير من المحللين السياسيين الذين لم يأخذوا ترامب على محمل الجد وظنّوا أن شعبيته ستضمحل ولا يمكن أن يكون منافساً جديّاً. والأهم من ذلك أن ترامب، حتى لو لم يفز في نهاية المطاف بترشيح الحزب الجمهوري، نجح في تحديد أولويات وحيثيات أجندة النقاش حول المواضيع المختلفة في السباق على ترشيح الحزب الجمهوري، بل تمكّن كذلك من جر النقاش في المواضيع المختلفة إلى اليمين داخل حزبه وفي الانتخابات عامة. ويبدو أن ترامب، يعيد ترتيب أوراق اللعبة السياسية للحزب الجمهوري بما فيها القطيعة والخلافات العلنية مع محطة “فوكس نيوز”، التي لم يجرؤ قبله أي مرشح جمهوري على انتقادها على هذا النحو أو مقاطعة المناظرة التلفزيونية التي تنظمها للمرشحين بسبب اعتراضه على صحافيّة تشارك في إدارة المناظرة.

أما من جهة المرشحين عن الحزب الديمقراطي، فإن الوضع الحالي يُقلق هيلاري كلينتون، إذ إن بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه علناً بأنه اشتراكي ديمقراطي، والذي كان يمثل ولاية فرمونت في مجلس الشيوخ كمستقل لعقود طويلة، تمكّن من ردم الهوة التي كانت تفصل بينهما وأخذ يتفوّق عليها في العديد من الاستطلاعات. وعلى الرغم من وقوف مؤسسة الحزب الديمقراطي والشركات الكبرى مع كلينتون، إلا أن صراحة ساندرز وسجلّه النظيف ونقده للأوضاع الاقتصادية والفساد ورفضه مهادنة “وال ستريت” حاز على إعجاب وتأييد أعداد كبيرة من الناخبين. حتى صارت أعداد الحضور في كل محطة في حملته الانتخابية تصل إلى عشرين ألفاً. وركّز في خطابه على الهوة بين الأغنياء والفقراء وانعدام الخدمات الأساسية وسيطرة الأغنياء على السياسة، ووجّه نقداً شديداً لكلينتون التي تلقت 650 ألف دولار مقابل إلقاء خطاب أمام شركة غولدمان ساكس.

وعلى الرغم من أن كلينتون تركّز على خبرتها، وخصوصاً في السياسة الخارجيّة، إلا أن ساندرز يذكّر الناخبين بأن الحكمة أهم من الخبرة، ويضرب مثلاً على ذلك تصويته ضد قرار غزو العراق وتحذيره من عواقبه، بينما أيّدت كلينتون الغزو والحرب. وهنا يرى بلومبيرغ على ما يبدو حظوظه الجيدة للترشح في هذه الانتخابات، في حال توفرت شروط وجود القطبين، كما يسميها المقربون منه، أي فوز ساندرز عن الديمقراطيين وترامب أو حتى كروز عن الجمهوريين. ويحظى بلومبيرغ بشعبية واحترام كبيرين في المدن كنيويورك، التي كان عمدتها لثلاث فترات، إلا أنه لا يتمتّع بالشعبيّة نفسها في وسط الولايات المتحدة وجنوبها التي تختلف ثقافتها السياسيّة عن الساحل الشرقي وعن نيويورك ومثيلاتها. وبحسب استطلاع للرأي أجراه موقع “مورنينغ كونسالت”، فإن حوالي 40 في المائة من الذين تم استطلاع آرائهم لم يعرفوا من هو بلومبيرغ. لكن خبراء سياسيين في هذا المجال يرون أن هذا لن يشكل بالضرورة عائقاً كبيراً مع الوقت، خصوصاً أن غالبية الذين يعرفونه أشاروا إلى رأيهم الإيجابي به، حتى لو لن ينتخبوه، مما يعني أن الرياح قد تجري في صالحه.