أصرّ الراعي على التعامل بجدية مع ترشيح فرنجية(حسين بيضون)

 

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

بيروت ـ نادر فوز

عاد البطريرك الماروني، بشارة الراعي، إلى بيروت مساء الثلاثاء بعد زيارة قام بها إلى الفاتيكان، التقى خلالها البابا فرنسيس. من مطار رفيق الحريري الدولي (أي مطار بيروت)، اعترف الراعي أمام الجميع بالعجز عن القيام بأي دور سياسي بين المكوّنات السياسية المارونية. سُئل عن أي مسعى قد يقوم به لجمع الأقطاب الموارنة تحت سقف الكنيسة، فردّ بعبارة مقتضبة وواضحة: “وما الإفادة من لقاء مماثل؟”.

ويبدو أنّ الراعي قرّر تسليم الأمور إلى القوى السياسية بعيداً عن أي دور يمكن أن يؤديه أو ضغط يمكن أن يمارسه على الزعماء المسيحيين، تحديداً في ملف الشغور الرئاسي المستمر منذ مايو/أيار 2014. عملية التسليم للقوى السياسية بدت جلية في التوافق الذي تمّ بين القطبين، رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون، ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، والذي تبنّى الثاني بموجبه ترشيح عون للرئاسة. اتفاق بهذا الحجم بين خصمين مسيحيين، بينهما الكثير من الحروب والمعارك السياسية والميدانية، تمّ بعيداً عن الكنيسة ومن دون الحاجة إلى رعايتها. حتى أن حركة التواصل والاتصالات والنقاشات بين الطرفين، لم تلحظ وجود بكركي (مقرّ البطريركية المارونية، شرقي بيروت)، إلا في الساعات الأخيرة قبل إعلان الاتفاق. واكتفى الطرفان فقط بوضع الراعي في أجواء الخطوة المنوي القيام بها، وأتمّا الصفقة. وبينما كان عون وجعجع يعلنان عن التوافق بين أكبر تكتلين مسيحيين، استقبل الراعي رئيس تيار “المردة”، النائب سليمان فرنجية، الذي رشّحه زعيم تيار “المستقبل” سعد الحريري لرئاسة الجمهورية. ومن بكركي، أعلن فرنجية عزمه الاستمرار في المعركة الرئاسية والمبادرة المقدّمة من قِبل الحريري. فبدت الكنيسة في موقع المتفرّج التام، لا بل ظهرت وكأنها تدعم ترشيح فرنجية على حساب اجتماع عون وجعجع. وذلك على اعتبار أنه قبل أيام من إعلان التوافق العوني ــ القواتي، أصرّ الراعي في أكثر من موقف على وجوب التعامل بجدية مع ترشيح الحريري لفرنجية.اقرأ أيضاً: لبنان: البطريرك الماروني مستمر بدعم مبادرة الحريري- فرنجية وحيداً يقول “النائب البطريركي العام”، المطران بولس صيّاح، لـ””، إنّ “البطريرك الراعي كان يحاول دائماً جمع الأقطاب المسيحيين وهو لا يزال في نيّة جمعهم بأي لحظة”. ويؤكد صيّاح أنّ “الراعي لم يدر ظهره للأقطاب، ولا هم أداروا له ظهرهم”، مشيراً إلى أنّ جميع الزعماء حضروا إلى بكركي الأسبوع الماضي لوضع رأس الكنيسة في أجواء خطواتهم. إلا أنّ ما يقف بوجه أي اجتماع مسيحي عام برعاية الكنيسة، بحسب ما يقول صيّاح، هو “عدم وجود أي شيء جديد يمكن أن يصدر عن أي لقاء مسيحي على مستوى الأقطاب”. فلم تتم الدعوة كي لا يقال إنّ الموارنة اجتمعوا من دون إصدار أي موقف جديد أو واضح، على اعتبار أنّ الانقسام سيستمرّ بين فرنجية من جهة، وعون وجعجع من جهة أخرى، في حين يبقى رئيس الجمهورية الأسبق، الرئيس السابق لحزب “الكتائب” أمين الجميّل، في مربّع ثالث آخر متمايز عن المربعين الآخرين. يحاول المقرّبون من الراعي الحد من الخسائر والتأكيد أنّ “للكنيسة المارونية دوراً وطنياً لم تُضِعه يوماً”، في حين يقف المختصون بالملف الكنسي في لبنان على ضفة أخرى. يمسك هؤلاء بتاريخ الكنيسة المارونية لتقييم واقعها الحالي وموقعها في المعادلة المسيحية واللبنانية العامة، فيجدون أنّ بكركي تفقد دورها وقوّتها. قد يكون من الظلم مقارنة تجربة الراعي بتجربة سلفه البطريرك نصرالله صفير، بحكم تبدّل الظروف وتغيّر المعادلات الداخلية والخارجية، لكن “ما يقوم به الراعي منذ وصوله إلى بكركي لم يفعله أحد قبله”. قاد البطريرك الحالي تجربة جَمع الأقطاب الموارنة الأربعة حول الملف الرئاسي، فتمّ الاتفاق على أن يكون واحداً منهم رئيس للجمهورية. تبدّد هذا التوافق على مراحل بترشّح جعجع بوجه عون والعكس، واليوم بترشّح فرنجية وعون والمعركة المنتظرة في المجلس النيابي في الثامن من فبراير/شباط المقبل موعد الجلسة المفترضة لانتخاب الرئيس. كما تمّ في بكركي الاتفاق على قانون للانتخابات النيابية (ما عُرف بالقانون الأرثوذكسي الذي نص على أن تنتخب كل طائفة نوابها، وحتى معدّي هذا القانون ليسوا من الموارنة)، فتراجع عنه بعض المسيحيين لحظة إقراره في المجلس فسقط. هذا أبرز ما قام به الراعي سياسياً منذ انتخابه بطريركاً عام 2011. بالإضافة إلى كونه حمل مشروع التمديد لرئيس الجمهورية السابق، ميشال سليمان، قبل أسابيع من انتهاء ولايته في مايو/أيار 2014، وحاول إقناعه بالتمديد. وبعد الفشل، حاول الراعي إبقاء الكرسي الرئاسي مشغولاً من خلال العمل على تسويق فكرة “تصريف الأعمال في رئاسة الجمهورية صوناً لحقوق المسيحيين وتمثيلهم ووجودهم”، بحسب ما نقل عنه زوّار بكركي في تلك المرحلة. فحاول التمديد لسليمان في حين كان الأقطاب المسيحيون الأربعة ينتظرون لحظة انتهاء ولايته للانقضاض على الرئاسة.

أما الخطوات التي يتم الترويج لها كـ”إنجازات” خارجية، فلم تكن سوى زيارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة والعبور على حواجز الجيش الإسرائيلي (في العام 2014)، وزيارات متكررة إلى مناطق نفوذ النظام السوري من دمشق إلى طرطوس واللاذقية (بين أعوام 2013 و2015)، بالإضافة إلى الإمساك بخطاب مضاد للثورات العربية وحرية شعوبها من خلال وصفه “الربيع العربي” بـ”الخريف العربي”. أما الذاكرة المسيحية فلا تزال متوقفة عند التجارب السياسية التي خاضها البطريرك السابق صفير، الذي قاد جبهة مسيحية معارضة للاحتلال السوري للبنان ووصايته على الدولة اللبنانية (بين أعوام 1990ــ 2005)، من خلال رعايته لقاء “قرنة شهوان” (الذي ضمّ شخصيات مسيحية معارضة). كما عمل على المصالحة الوطنية تحديداً مع الطائفة الدرزية في جبل لبنان عام 2000. كذلك وقف صفير بوجه التمديد السوري لكل من الرئيسين، الياس الهراوي وإميل لحود، بعد أن سبق له وأسقط مرشحين آخرين أواخر الثمانينيات هما حليف النظام السوري الرئيس الراحل سليمان فرنجية والوزير مخايل الضاهر الذي كان مرشح التوافق السوري الأميركي عام 1988. كل هذه المحطات التاريخية تدفع العديد من متابعي الشأن الكنسي إلى القول إنّ “بكركي باتت في مكان آخر بعيد عن موقعها ودورها التاريخيين”، ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت عهد الراعي يجسّد “مرحلة خريف الكنيسة”