يخضع نحو نصف مليون سوري للحصار بمناطق متعددة(فراس فحام/الأناضول)

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

 

واشنطن ــ منير الماوري

 

لم يحجب الصخب الذي رافق الإعداد لمحادثات جنيف السورية، التي أصرّت الأمم المتحدة على إطلاقها أمس الجمعة رغم غياب المعارضة، حقيقة ما يجري في المدن والمناطق التي يحاصرها النظام وحلفاؤه، حيث لا يزال الجوع يفتك بأهالي هذه المدن وسط تجاهل أممي ودولي. وألقت صحيفتا “واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال” الأميركيتان، الضوء على ما يجري في المدن الخاضعة لحصار التجويع معتمدة على شهادات للأهالي.
وتسرد الصحيفتان وقائع مرعبة في مضايا ومعضمية الشام وداريا، حيث “أجساد المحاصرين أصبحت ضعيفة”. ومع أن الأمم المتحدة لا تنفك تردد أنها سعت إلى إدخال المواد الغذائية والطبية إلى تلك المناطق، إلا أن شهادات السكان، على ما تنقل الصحيفتان، تشي بواقع مختلف، حيث لا يزال يسيطر الجوع بينما يهدد الموت الأهالي.
وتذكر الصحيفتان في تقريرين منفصلين، أن المعاناة تفاقمت في مضايا، على نحو غير مسبوق. وتلفت إلى أن “النظام السوري يمنع وصول قوافل الإغاثة والمساعدات والأدوية”، كما تنقل عن مسؤولين في الأمم المتحدة تأكيدهم بأن “الموت جوعاً يُهدد عشرين ألف شخص في مضايا، حتى بعد وصول عمال الإغاثة، مثلما كان الأمر ذاته يهددهم قبل وصولهم”.
في مضايا تحديداً، تبدو الأوضاع صعبة. يشير عبدالله، أحد سكان البلدة، إلى أن “كل شيء يتفاقم يومياً، ونحن نعاني من الجوع، كما أن الطقس يُصبح أبرد فأبرد”. ويضيف “أجسامنا باتت ضعيفة، وقد نموت في أي لحظة”.
وتنقل صحيفة “واشنطن بوست” عن العاملين في المجال الإنساني الذين زاروا البلدة مع القافلة الإغاثية التي دخلت هذا الشهر وصفهم للظروف المروعة التي يواجهها السكان، بما في ذلك وجود 400 شخص يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة، لكن معظمهم لم يتم إخراجهم من البلدة. كما أن بعضهم، وفقاً لعبدالله، كان من بين تسعة أشخاص لقوا حتفهم جراء النقص الحاد في المواد الغذائية ونقص الرعاية الطبية.
أما أم عمر (40 عاماً)، فتشير إلى أن “جميع النساء في مضايا، يعانين من فقر الدم، إذ أن هناك أمهات ولدن حديثاً، وليس لدينا أطباء للتعامل مع الأوضاع المستجدّة”.
ومع الانقطاع في الكهرباء وعدم توفّر الحطب للتدفئة، تبدو الأوضاع لدى جنان وولديها جميل (12 عاماً) وراما (9 أعوام)، سيئة للغاية. تعمد جنان إلى إطعام ولديها مرة واحدة يومياً. وتضيف أن “الطعام يساعد، لكنه لا يكفي، وليس مغذّيا. نحتاج إلى اللحم والخضار”. وتضيف “أحاول أن أتناول بعض العشب وإظهار الأمر وكأنني أتناول سلطة، لكنني أخشى أن يتناول ولديّ ما أتناوله، فقد يكون الأمر مؤذيا بالنسبة إليهما”.

من جهته، يقول عمّار أحمد، الذي يعمل مع فرق إغاثة محلية، “إنها طريقة صعبة للبقاء على قيد الحياة”. أما شام، أحد أعضاء مجلس معضمية الشام، فيلفت إلى أنه “كالعادة قبل أي مفاوضات أو مباحثات، يرفع النظام حصاره لنا، قبل أن يعود ويفرضه بعد المفاوضات. إن الوضع الإنساني يزداد مأساوية هنا”.
أما في معضمية الشام، فيشير أهلها إلى أن قوات النظام أعادت ضرب الحصار حول البلدة، دافعة أهل البلدة إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يومياً، فيما يكشف نائب مدير فريق إغاثي، كيفن رابي، أنه “تمّ توثيق وفاة 23 شخصاً جوعاً في المعضمية، في الأسابيع الثلاثة الماضية”.

يُذكر أن الوكيل العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ستيفن أوبراين، كان قد أعلن أن “الأمم المتحدة لم تتمكن من إغاثة سوى 1 في المائة من السكان المحاصرين في سورية، العام الماضي”، فيما أشارت ليندا توم، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى أن “النظام لم يستجب للنداءات الدولية المتكررة لرفع الحصار والسماح بدخول المساعدات للمناطق المحاصرة”.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن “نحو نصف مليون سوري محاصرين في مناطق متعددة، نصفهم تقريباً في مناطق يسيطر عليها النظام كلياً”.
من جهتها، سبق أن اعتبرت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، أنه “لا يجب اعتبار أن قوافل الإغاثة والأدوية التي تدخل مضايا، معيار معمّم على كل المناطق السورية”.
أما رئيسة المعهد الأميركي للسلام، نانسي ليندبرغ، التي تقود فريقاً إغاثياً ضمن برنامج “يو أس أيد”، فتستعيد ذكريات الحرب اليوغوسلافية في البلقان (1992 ـ 1995)، وترى أن “الوضع يُشبه البلقان سياسياً وإنسانياً. الناس على الطرقات، ومضايا ليست سوى محطة أولى من سنوات الحرب الخمس في سورية”