يتزايد القمع الإسرائيلي لنشاط الفلسطينيين السياسي (معمر عوض/الأناضول)

 

لقراءة المادة على الموقع الأصلي: اضغط هنا

 

حيفا ــ ناهد درباس

تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948، اليوم السبت، ولأول مرة منذ النكبة، مهرجانات سياسية، يأمل فلسطينيو الداخل في أن يتمكنوا عبرها من تكريس الثلاثين من يناير/كانون الثاني يوماً عالمياً للتضامن مع قضاياهم، خصوصاً إثر قرار من لجنة المتابعة العليا لشؤون الفلسطينيين في الداخل، الإعلان عن الثلاثين من يناير/كانون الثاني، يوماً لدعم حقوق فلسطينيي الداخل.

وتأتي هذه الخطوة التي أُعلن عنها بشكل مفاجئ قبل أسبوعين، من دون إعلان أو تنسيق مسبق، على ضوء تفاقم سياسة القمع الإسرائيلية لحرية النشاط السياسي للفلسطينيين، التي تجلّت بإعلان الحكومة الإسرائيلية في أواسط نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن إخراج الحركة الإسلامية عن القانون وحظر نشاطها مع نحو 20 جمعية أهلية تابعة لها.

وفي سياق التحضيرات لليوم المعلن، وعلى ضوء انتقادات عديدة حول مدى جدية العمل المنهجي، الذي سبق الإعلان عن هذا اليوم، وجّه رئيس لجنة المتابعة العليا لقضايا الجماهير العربية، محمد بركة، في الأيام الأخيرة، باسم لجنة المتابعة، رسالة إلى عشرات المنظمات والأطر السياسية والاجتماعية، الفلسطينية والعربية والأجنبية في مختلف دول العالم، تطلعهم على أوضاع الفلسطينيين في الداخل، منذ النكبة حتى اليوم، بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع قضايا الجماهير العربية في الداخل. كما دعا بركة للمشاركة الواسعة في المهرجان، الذي سيُقام مساء 30 الحالي في شفاعمرو.

ويقول الرئيس السابق للجنة المتابعة، محمد زيدان، لـ””، إن “فكرة طرح قضايا الداخل على المجتمع الدولي والهيئات والمنظمات الدولية ليست بجديدة، وقد سبق أن طُرحت في اللجنة في كثير من المرات، وسُجلت في البروتوكولات، ولكن لم تكن هناك آلية لتنفيذها حقيقة، ولم نتمكن من تحويلها وتنفيذها وتحضير رسائل للمحافل الدولية لأنه لم تكن هناك آلية واضحة جدية وعنوان مخصص لهذا الموضوع”.

ويلفت زيدان إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو “تسليط الضوء على قضايا فلسطينيي 48 أكثر، خصوصاً في أوروبا، لأنهم لا يعرفون تفاصيل عن أمورنا، كون إسرائيل أعمت البشر بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأنها تعمل على مبدأ المساواة لجميع مواطنيها، وتستغل ذريعة وجود أعضاء عرب في الكنيست”.

أما النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي باسل غطاس، فيقول: “لم تعد قضايا الأقلية الفلسطينية في إسرائيل أو كما يطلق عليهم (عرب الداخل)، قضية إسرائيلية داخلية كما تريد إسرائيل أن تكون، وكما تعاملت الأحزاب والنخب العربية لعشرات السنين مع الموضوع”.

ويرى غطاس، في حديث مع””، أن “تدويل قضايا عرب الداخل أصبح أمراً مفروغاً منه، خصوصاً مع تلبك الأوضاع السياسية وخلط الأوراق بشأن إمكانيات حل النراع وابتعاد حل الدولتين المقبول دولياً، وعودة الحديث أكثر وأكثر عن حل الدولة الواحدة، سواء ثنائية القومية أو غيرها، مما يعني عودة عرب الداخل للعب دور جديد ومؤثر في ما يتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني وبالعلاقة مع المحيط الفلسطيني، العربي والدولي”.

ويأتي الإعلان عن هذه الخطوة وسط نشاط قضائي، غير سياسي في المحافل والمنظمات الدولية، تتم إدارته من قِبل مركز “عدالة” الحقوقي. وفي هذا السياق، تقول مديرة المركز، سهاد بشارة، لـ””، إن “المرافعة الدوليّة بالنسبة للمركز تُشكّل جزءاً أساسياً من عملنا منذ إقامته، ونحن شاركنا ونشارك سنوياً في اللجان المختلفة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة، وفي الاتحاد الأوروبي، وطرحنا من خلالها قضايا مهمة بالنسبة للفلسطينيين في الداخل”، مشيرة إلى أن “إعلان هذا اليوم العالميّ بوسعه أن يشكّل إطاراً لتكثيف النشاط الدولي، الذي تقوم عليه المؤسسات الحقوقيّة الفلسطينيّة في الداخل منذ سنوات طويلة، وهو يستطيع أن يشكّل عنواناً جامعاً يُظهر الانسجام والتكامل بين عمل المؤسسات الحقوقيّة ومختلف أضلاع المجتمع المدني الفلسطيني”.

أما النائب يوسف جبارين، المختص في القانون، فيقول إن الواقع القائم في إسرائيل، وبفعل سياسات التمييز العنصري، يؤدي إلى ترسيخ سياسات التبعية والهيمنة، التي تنتهجها السلطات، سواء تلك الرسمية المتمثلة في منظومة القوانين العنصرية، أو تلك الاقتصادية المتمثّلة في ظروف الاستغلال والسيطرة.

ويشير، في حديث مع “”، إلى أن “هذه السياسات تتناقض مع معايير أساسية لحماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية، وخصوصاً الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية من عام 2007، والإعلان العالمي بخصوص حقوق الأقليات القومية واللغوية والدينية والثقافية من عام 1992”.

من جهته يقول مدير المشاريع البحثية، في مركز “مدى الكرمل”، إمطانس شحادة، في حديث مع “”، إنه “بات من الواضح أن فلسطينيي الداخل بدأوا بتكوين قناعة بأن العمل والنضال بالأدوات المتاحة لهم في الحلبة السياسية الإسرائيلية غير كافية، وأن هامش النضال السياسي المتاح وفقاً للشروط الإسرائيلية لن يغير الكثير”.

في السابق، كانت إسرائيل تسمح بهذا الهامش، كنوع من الضريبة الكلامية لإثبات ديمقراطيتها، أما اليوم فهناك تغير في المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً بعد الانتفاضة الثانية سنة 2000. لذلك بات من البديهي أن يبدأ الفلسطينيون في الداخل البحث عن أدوات عمل سياسية جديدة. إحدى هذه الأدوات هي التوجه إلى الساحة الدولية لأنها تؤلم إسرائيل ولأنها تخشاها ولأنها حساسة بالنسبة إليها، فإسرائيل تخشى على “شرعيتها”.

ويقر شحادة بدوره بأن هذه الفكرة ليست جديدة، ولكنه يضيف أن “البيئة السياسية الآن مختلفة، والسياق السياسي مختلف بهذه الفترة، فهناك تحوّلات في المشهد السياسي الإسرائيلي والعربي أيضاً، لكنها تبقى خطوة أولى يجب ان تتبعها خطوات”.

وفي ما يبدو أن هناك نوعاً من تضخيم فعل هذا الإعلان وأثره، فإن المؤرخ مصطفى كبها يدعو إلى عدم تحميل هذه المبادرة أكثر من حجمها، مؤكداً في الوقت ذاته أنها مبادرة جديدة ومباركة. ويشير كبها، في حديث مع””، إلى أن “هذه القضية هي مبادرة جديدة ويجب عدم التكبير من شأنها، لكن قضية التدويل بالشكل المطروح شيء جديد ومبارك، إذ إن الحديث الآن هو عن تحرك جماهيري لوضع قضايا الجماهير في الداخل على الأجندة العالمية”.

في المقابل، انتقد باحثون فلسطينيون هذه الخطوة. وفي هذا السياق نشر الأكاديمي الفلسطيني، نمر سلطاني، مقالاً في موقع “عرب 48” في الداخل الفلسطيني انتقد فيه هذه الخطوة، معتبراً أنها تشكّل تكريساً خطيراً لواقع التجزئة، خصوصاً أنه لم تسبقها دراسة معمّقة لتداعياتها ومدلولاتها. وأشار إلى أن الإعلان عن يوم عالمي يجب أن يكون من جهة ومرجعية دولية، فإعلان لجنة المتابعة عن ذلك لا يحوّل اليوم إلى يوم عالمي.

وتساءل سلطاني: “لماذا لا يتم تنسيق الجهود لطرح قضايا فلسطينيي الداخل في إطار اليوم العالمي، المعلن عنه رسمياً في الأمم المتحدة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والذي حُدد على أنه التاسع والعشرون من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام؟”. كما أورد سلطاني تساؤلات أخرى تتعلق بمسألة التنسيق مع أطراف عربية وفلسطينية للاستفادة من خبراتها، وأخرى بشأن التمويل الذي خصص لإنجاح نشاطات هذا اليوم.