تُعرف الحروب أنها الأوقات التي يزداد فيها البغض بين الأعداء، لكن هل جاء في مخيلتك من قبل، إمكانية عقد صداقات بين الأعداء في هذه الظروف؟ الأمر يبدو صعبًا؛ فعندما تسيطر أصوات الرصاص على الأنحاء، وتخترق الطائرات الأجواء، وتُهدد الصواريخ الأهداف المُحتملة باستمرار، لا مجال للحديث عن صداقة، أو أي علاقات إنسانية أخرى.

لكن المثير للدهشة؛ أن هناك صداقات نشأت بالفعل في زمن الحروب، بين أعداء كانوا يتحاربون باستماتة، ودفعتهم الظروف إلى عقد صداقات استثنائية، نحكي لكم في السطور التالية تفاصيلها!

اقرأ أيضًا: كيف تغيَّر مسارُ التاريخ البشريّ بسبب «الغباء»؟

1- الأعداء يلعبون الكرة في ليلة عيد الميلاد

خلال الحرب العالمية الأولى وتحديدًا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1914، كانت ساحات الحرب في بلجيكا وفرنسا تمتلئ بالخنادق التي تؤوي الجنود الألمان الغزاة من جانب، والحلفاء المدافعين من الجانب الآخر، لكن يوم 24 ديسمبر كان مختلفًا للغاية، فقد نصب الألمان أشجارًا للاحتفال بعيد الميلاد أنوارها تتلألأ فوق متاريس الخنادق بمواقع عديدة على امتداد جبهتهم، وانضم إليهم الحلفاء ليدخل الطرفان في هدنة غير مخطط لها.

يذكر المؤرخ «ستانلي واينتراوب» مؤلف كتاب «الليلة الصامتة»، تفاصيل ما حدث؛ ويؤكد أن بداية الهدنة كانت في صفوف الجنود، الذين تجاهلوا أوامر قادتهم بعدم الاقتراب من عساكر العدو، وبعد أن تبادل الطرفان هتافات تتضمن وعودًا على شاكلة؛ «كفوا عنا نيرانكم، نكف عنكم نيراننا»، أنشدوا ترانيم عيد الميلاد مع بعضهم البعض، وخرجوا بعدها من الخنادق وتصافحوا بالأيدي، واتفقوا على تمديد الهدنة حتى يوم عيد الميلاد.

واستغل الجنود الفرصة، وقاموا بتبادل الهدايا، مثل: السجائر والشوكولاتة والنقانق والخمور والحلويات، بالإضافة إلى حكاياتهم عن مآسي الحرب، وبدأت براميل الجعة تأتي من مصنع للخمور استولى عليه الألمان، ثم شكلوا فرقًا للعب كرة القدم.

يروي «فرانك ريتشاردز» أحد شهود العيان من القوات الإنجليزية، لقاءه باثنين من الجنود الألمان اللذين كانا يتحدثان الإنجليزية بطلاقة، فتصافحا وأخبراه بأنهما سئما من الحرب، وستغمرهما السعادة إذا ما انتهت.

انتهت هذه الهدنة بالاتفاق المتبادل، إذ أُطلقت ثلاث طلقات في الهواء من الجانب الإنجليزي صباح يوم 26 ديسمبر 1914، وبعد بضع لحظات أطلق أحد الضباط الألمان طلقتين في الهواء، مما كان إيذانًا بعودة الحرب مرة أخرى.

2 – الذئاب الشرسة توحد الألمان والروس

بينما كان الجنود الروس والألمان مشغولين بقتال بعضهم البعض على الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في شتاء 1916/ 1917، ظهرت قوة ثالثة غير متوقعة تتمثل في ذئاب كبيرة شرسة، ونتيجة للحرب التي دمرت ما كانت تتغذى عليه، أصبحت تلك الذئاب أكثر توحشًا وبدأت تستهدف البشر ومواشيهم، ووصل الأمر إلى مهاجمتها الجنود الذين كانوا على متن الدوريات، أو المتمركزين في الخنادق.

حاول الطرفان في بداية الأمر محاربة هجوم الذئاب بوسائل مختلفة، منها:  إطلاق النيران عليها، ومحاولة تسميمها، ووصلوا لإلقاء القنابل اليدوية في اتجاهها، لكن ذلك لم ينجح؛ فبمجرد فناء مجموعة، كانت تظهر مجموعة أخرى جديدة، وأخيرًا لم يكن أمام الجيشين سوى وقف القتال والتوحد من أجل مواجهة خطر الذئاب، وبعد معركة طويلة وشاقة؛ نجح الطرفان الأعداء في قتل مئات الذئاب والقضاء على خطرها بشكل تام، ولكن ذلك لم يمنعهما من العود لاستكمال الحرب وكأن التحالف لم يكن.

3- فلندفن موتانا معًا.. ثم نعود للقتال!

تعد معركة «غاليبولي» واحدة من أعنف المعارك بالنسبة للعثمانيين في الحرب العالمية الأولى، ففي يوم 19 مايو (أيار) عام 1915، حاول العثمانيون إجبار الحلفاء على العودة إلى البحر، لكن لسوء الحظ كانت قوات الدفاع الجوي الأسترالي والنيوزيلندي تدافع عنهم في الجو، فأخذت الطائرات في قصف القوات العثمانية المتقدمة.

وبعدما هدأت الضربات الجوية؛ كان هناك الآلاف من العثمانيين القتلى في المنطقة الفاصلة بينهم وبين قوات الحلفاء، بالإضافة إلى مئات القتلى من قوات الحلفاء، وازدادت الأمور سوءًا بسبب شمس الصيف الحارقة التي ساعدت في تعفن الجثث بشكل أسرع، مما نتج عنه انتشار رائحة كريهة في أنحاء ساحة المعركة، ودعا ذلك جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار في 24 مايو؛ من أجل السماح للجنود بدفن جثث رفاقهم.

التقى الجنود من الجانبين وعملوا معًا لدفن موتاهم، وسنحت لهم تلك الفرصة بتبادل الأحاديث، وأبدى كل طرف إعجابه بشجاعة الطرف الآخر، ووصل الأمر إلى حد تبادل الهدايا التذكارية، ولكن بعد إتمام مهمة دفن الجثث عاد كل جيش إلى معسكره، ليتجدد القتال الذي نتج عنه جثثٌ جديدة.

4- الكوخ الصغير وحصص الطعام تسع الأعداء

قد تتحول المعارك الحربية إلى معارك مشتركة للبقاء على الحياة، هذا السيناريو غير المتوقع حدث بالفعل في 27 أبريل (نيسان) عام 1940، عندما قاتل طاقم طيران بريطاني طائرة حربية ألمانية، كانت ابتعدت عن تشكيلها العسكري، وبعد فترة تحطمت الطائرة الألمانية إلى جانب الطائرة البريطانية، ليجد الطاقمان نفسيهما في منطقة نائية قرب قرية نرويجية تُدعى «جروتلي».

وصل الطياران البريطانيان الكابتن «ريتشارد بارتريدج» ورفيقه الملازم «روبرت بوستوك» إلى كوخ صغير استخدماه مأوى لهم، وبعد فترة انضم إليهم ثلاثة من أفراد الطاقم الألماني الذين بقوا على قيد الحياة، واستطاع الملازم الألماني «هورست شوبيس» التغلب على التوتر السائد بمصافحة الطيارين البريطانيين، وفي المقابل تقاسم الطاقم البريطاني مؤنهم الغذائية الضئيلة مع الألمان.

بعد مضي بعض الوقت؛ اتفق الجانبان على الذهاب إلى أقرب منطقة آهلة بالسكان، من أجل الحصول على المزيد من الغذاء والمساعدات، لكن لسوء الحظ وقعت مأساة، إذ قتلت دورية نرويجية بطريق الخطأ أحد الطيارين الألمان، واعتقلت الملازم الألماني «هورست شويبس» وباقي الطاقم، بينما عاد الطياران البريطانيان إلى بلادهما.

بعد مرور سنوات عديدة على الحادثة اجتمع الضابطان الألماني «هورست شويبس» والبريطاني «روبرت بوستوك» عام 1977م، وأكدا أنهما لم يكنا أي مشاعر سيئة تجاه بعضهما البعض، وأصبحا أصدقاء بالفعل.

اقرأ أيضًا: بالصور.. أبرز ذكريات الحرب العالمية الثانية

5- طاولة عشاء ليلة العيد.. تنحي الأسلحة والحرب جانبًا

في ديسمبر عام 1944، خلال أحداث معركة الثغرة التي دارت ضمن معارك الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في ليلة عيد الميلاد، كان هناك ثلاثة جنود أمريكيين، يبحثون عن المعسكر الخاص بهم، بعدما أصيب أحدهم بجروح خطيرة في غابة أردين النرويجية المغطاة بالثلوج، لكنهم تاهوا بين التلال والوديان، وبدلًا من معسكرهم، وجدوا بيتًا صغيرًا في الغابة.

كانت السيدة الألمانية إليزابيث فينكن وابنها فريتز البالغ من العمر 12 عامًا بالداخل، في انتظار وصول الزوج لقضاء عيد الميلاد معهم، وذلك بعدما فروا من منزلهم الأصلي في مدينة آخن الألمانية، وانتقلوا للعيش في هذا البيت الواقع على بُعد حوالي أربعة أميال من مدينة مونشاو الألمانية بالقرب من الحدود البلجيكية.

طرق الجنود الأمريكيون المسلحون الباب، فدعتهم إليزابيث للدخول شرط ترك أسلحتهم بالخارج، فحمل الجنديان رفيقهما الجريح إلى غرفة دافئة بالداخل، ونظرًا لعدم تمكن السيدة من التحدث بالإنجليزية تواصلت معهم بفرنسية ركيكة.

بعد وقت قصير طرق الباب أربعة جنود ألمان يبحثون عن مأوى، فتحت إليزابيث لهم ونجحت في ضبط أعصابها، رغم أن عقوبة إيواء الأعداء هي الإعدام، وطلبت منهم ترك أسلحتهم بالخارج والدخول، أما رد فعل الطرفيْن؛ فكان غير متوقع،  إذ نجحت السيدة في عقد هدنة بينهما، وقضوا الليلة سويًا.

بالطبع كانت الأجواء مليئة بالخوف والتوتر، لكن الدفء ورائحة الشواء وتبادل كؤوس النبيذ كان كفيلًا بالقضاء على أي مشاعر سلبية، بل تطوع أحد الجنود الألمان الذي كان طالبًا في كلية الطب لفحص الجريح الأمريكي، وأخبرهم أن البرد منع حدوث العدوى، لكنه خسر الكثير من دمه لذلك فهو بحاجة إلى الطعام والراحة.

استمرت الهدنة طوال الليل، وفي الصباح نظر الجنود الألمان إلى خريطة الأمريكيين، وأخبروهم بأفضل طريقة للعودة إلى خطوطهم، وزودوهم ببوصلة تساعدهم على ذلك.

6- الصداقة.. أعمق وأقوى من الحرب

اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936، بين الجمهوريين الموالين للجمهورية الإسبانية، والقوميين (جماعة متمردة بقيادة الجنرال فرانشيسكو فرانكو)، ولكن كيف من الممكن نشوب حرب بين فريقين، جمع بين جنودهما صداقات عميقة قبل الحرب؟

بالفعل ظهر أثر تلك الصداقات على الكثير من المقاتلين غير المستعدين لإيذاء أصدقائهم، بل إنهم عندما التقوا بهم في العراء؛ تصرفوا معهم وكأنهم ليسوا في حرب على الإطلاق. وفي حادثة شهيرة تبادل مئات الجمهوريين الصحف مع نظرائهم القوميين، كما كانوا يحذرون بعضهم البعض أحيانًا من الهجمات المتوقعة، وغالبًا ما كان كل جندي يطمئن على سلامة صديقه في الطرف الآخر بعد المعارك الفاصلة. هذا التساهل العام الذي أظهره الإسبان تجاه بعضهم البعض، جعل عددًا قليلًا من المتطوعين الأجانب يشعرون بالضيق لعدم بذلهم جهدًا في الحرب التي انتهت عام 1939.