من المقرر أن يستأنف فندق ريتز كارلتون الرياض بالمملكة العربية السعودية استقبال الحجوزات الشهر المقبل، بعد غلق أبوابه أمام الزوار في أعقاب حملة التطهير التي شملت اعتقال شخصيات سعودية بارزة، واحتجازها في الفندق ذي الخمس نجوم، ولكن حملة التطهير التي حولته إلى أكثر سجون العالم فخامة لا تزال تنطوي على مخاطر أمام الزعيم الشاب السعودي، بحسب تقرير نشرته وكالة «بلومبرج» الأمريكية.

كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (32 عامًا) قد احتجز بعضًا من أقربائه وعشرات آخرين ضمن حملة مكافحة الفساد في هذه المنشأة التي تضم 492 غرفة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولا يزال البعض منهم قيد الاحتجاز، في حين يُعتقد أن البعض الآخر قد أفرج عنهم إما مع وضعهم تحت الإقامة الجبرية، وإما مع منعهم من السفر.

ويتلقى موقع فندق ريتز كارلتون على الإنترنت حاليًا الحجوزات اعتبارًا من 14 فبراير (شباط)؛ مما يشير إلى انتهاء فصل واحد من حملة تهدف إلى استرداد ما يصل إلى 100 مليار دولار من الأموال المسروقة، بحسب المزاعم، وفق تقرير الوكالة الأمريكية.

اقرأ أيضًا:

مترجم: بعد نقله إلى سجن الحائر: هل ضاعت فرصة الوليد بن طلال في عقد صفقة؟

وتعتبر عمليات الاعتقال جزءًا من حملة الأمير محمد الرامية إلى التحول الشامل للمجتمع السعودي والاقتصاد وتعزيز سلطته. وفي الوقت نفسه، فقد توترت العلاقات داخل العائلة المالكة، التي كانت ركيزة الاستقرار السعودي، وأثارت تساؤلات حول نوايا وريث العرش الاستبدادية المتزايدة وسط احتمال مواجهة بعض الأعداء الأقوياء الجدد.

ونقل التقرير عن ثيودور كاراسيك، مستشار بارز في معهد Gulf State Analytics بواشنطن، قوله: «الأمير محمد يخاطر بأن يحاول المعتقلون السابقون الاندماج في مجموعات صغيرة لتقويض المزيد من الإصلاحات، وتهديد قيادته. لقد خلق عداوات مع بعض أفراد العائلة المالكة رغم تعهداتهم بالولاء».

تسويات مالية

وفقًا لآخر إحصائية تم الكشف عنها علنًا ​​في أوائل ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كان هناك 159 محتجزًا في فندق ريتز كارلتون، على الرغم من الإفراج عن بعضهم منذ ذلك الحين. وقالت السلطات السعودية إنها تريد التوصل إلى تسويات مالية مقابل الإفراج عن المحتجزين ومنحهم حريتهم، وأعلنت أن الحملة هي وقفة لازمة لمواجهة الممارسات التجارية الفاسدة، فيما لم يتم إعلان أي تهم علنيًّا.

وقال النائب العام السعودي «سعود المعجب»: إن المحادثات التي تهدف للتوصل إلى اتفاقات تسوية مع بقية الأشخاص المحتجزين في فندق ريتز كارلتون يمكن أن تختتم في غضون بضعة أسابيع. وذكرت صحيفة عكاظ السعودية أنه تم الإفراج عن بعض المعتقلين فى اليومين الماضيين. وقد نقلت الصحيفة عن عدد من الأشخاص لم تسمهم.

الأمير الوليد بن طلال أحد المحتجزين في المملكة

وكان الأمير الوليد بن طلال، الذي بلغت قيمة ثروته الصافية حوالي 18 مليار دولار، والرمز السعودي أمام العديد من المستثمرين الأجانب، أبرز من تم اعتقالهم من الأشخاص المحتجزين.

وكان تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية كشف أن السلطات السعودية تطالب بالحصول على ما لا يقل عن 6 مليارات دولار من الأمير الوليد بن طلال مقابل إطلاق سراحه من الاحتجاز، على حد قول أشخاص مطلعين على الأمر؛ مما قد يعرض الإمبراطورية التجارية العالمية لأحد أغنى الرجال في العالم إلى الخطر.

اقرأ أيضًا:

مترجم: الرياضة السعودية تُظهر الجانب المظلم لإصلاحات ولي العهد

ويعرض الأمير الوليد على الحكومة، بدلًا عن ذلك قبول جزء كبير من شركته «المملكة القابضة»، بحسب ما ذكر أشخاص مطلعون. وتبلغ القيمة السوقية للشركة المدرجة في الرياض 8.7 مليار دولار، بانخفاض بلغ نحو 14% منذ اعتقال الأمير.

وقد استسلم آخرون للتسويات المالية وتم الإفراج عنهم. وقيل إن الأمير متعب بن عبد الله، وهو رئيس سابق للحرس الوطني وابن الملك عبد الله السابق، قد دفع مبلغ مليار دولار لإطلاق سراحه. وكان قد ظهر مؤخرًا في سباق للخيول مع الأمير محمد بن سلمان.

اقرأ أيضًا:

«وول ستريت جورنال»: 6 مليار دولار.. ثمن حرية أغنى رجل في الشرق الأوسط!

ونقل تقرير «بلومبرج» عن جيمس دورسي، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، قوله: «في هذه المرحلة، ليس من الواضح ما الذي يعنيه الفساد، والعقوبات المفروضة على الفساد، وما هي الأدلة، وما هو شكل هذه الأدلة. إن ما نراه هو اعتقالات تمت لأسباب غير معروفة جرى خلالها ممارسة ضغط متزايد حتى يوافق المعتقل على شروط مالية وتقييدية تملى عليه».

تعزيز سلطة ولي العهد

يقوم ولي العهد، الذي يقود لجنة مكافحة الفساد، بتنحية أية معارضة لخططه الرامية إلى إعادة تشكيل البلاد، وتخفيف بعض القيود السعودية المحافظة المتشددة التي ترتكز عليها المملكة منذ عقود. وقبل أن تعلن الحكومة أنها سترفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، اعتقلت أجهزة الأمن رجال دين مستقلين وشخصيات حساسة أخرى.

وقال جيم كرين، وهو أكاديمي متخصص في الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس: «أيًّا كانت الأسباب التي يفكر بها المرء في ما يتعلق بحملة التطهير التي شملت اعتقال الأمراء والنخب، فإن هناك مبررًا لهذه الأعمال. عائلة آل سعود كبيرة جدًا ومؤسسية بشكل عميق، بحيث تبدو السعودية دولة الحزب الواحد أكثر من كونها مملكة تقليدية».

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان- الرياض

غير أن التقرير ذكر أن حملة مكافحة الكسب غير المشروع لم تساهم في استقرار المملكة، وتثير شبح عدم الاستقرار في أكبر مصدر للنفط في العالم. وقد انتقد بعض المواطنين السعوديين، الذين يتحملون وطأة ارتفاع تكاليف المرافق العامة وضريبة الاستهلاك الجديدة التي فرضت هذا العام، نخبة المملكة على السماح لهم بالعمل دون عقاب.

ويراهن الأمير محمد على الدعم الشعبي لجهوده الرامية إلى تقليص دور الأسرة المالكة السعودية. وقالت السلطات السعودية إنه لا يوجد أحد فوق القانون.

كانت حملة التطهير قد بثت الخوف بين السكان الأثرياء في الرياض. في الأسابيع الأولى من الحملة، أعرب سعوديون عن قلقهم من أن تشملهم الحملة. كان هؤلاء الأثرياء يعرفون أصدقاءً محتجزين في الفندق فيما تم استدعاء آخرين للاستجواب.

اقرأ أيضًا:

«تركي آل الشيخ».. الشاعر الغنائي الذي أصبح رئيسًا شرفيًا للنادي الأهلي المصري

وفي ريتز كارلتون، مع أشجار الزيتون التي يبلغ عمرها 600 عام، ومنتجع صحي وحدائق مزخرفة، سرت شائعات لا أساس لها. وشملت تلك الحالات أن بعض المعتقلين قد تعرضوا للتعذيب، وأبقيت أبواب غرف الفندق مفتوحة لمنع محاولات الانتحار، وعولج آخرون باحترام وكانوا قادرين على الوصول إلى خدمة الغرف.

عندما تبدأ الأفواج الأولى من النزلاء في الوصول الشهر المقبل، فسوف يكون بمقدورهم على الأقل أن يقرروا متى يغادرون. يمكن أن تصل تكلفة حجز الغرفة الواحدة في الليلة 2489 ريالًا (664 دولارًا)، وفقًا لموقع الفندق.

واختتم جيمس دورسي بقوله: «كان يجدر بمحمد بن سلمان أن يقدم عملية عقابية هيكلية، بدلًا من عملية تعسفية تخلق نظامًا من التخويف والخوف. في هذه الحالة، من الصعب أن نتصور أن العديد من الأعداء الذين خلقهم ابن سلمان لا يستعدون لوقتهم وينتظرون الفرصة».