«التنوع الاقتصادي».. هو الحلم الكبير الذي يراود الدول الخليجية منذ زمن، ولكن باتت مساعي هذه الدول لتحقيق ولو نسبة صغيرة من هذا التنوع متسارعة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أزمة النفط التي بدأت منتصف 2014، ولكن حتى الآن لا يمكن القول إن أيًا من دول المنطقة نجح في هذا الاتجاه، فيما انحسرت الاستراتيجيات التي تسعى الدول الخليجية من خلالها للوصول إلى التنوع في فرض الضرائب الجديدة والخصخصة، إلا أن قطر لم تسلك نفس الطريق في مساعيها للتنوع، بل لجأت للاستفادة من التجربة التركية، والتي تعتبر تجربة متميزة، وتعبر عن تنوع حقيقي لاقتصاد استطاع الصمود في وجه الكثير من المصاعب.

ولا شك أن العلاقة القطرية – التركية، تجاوزت فكرة التعاون الاقتصادي، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، وخاصة بعد يوم 5 يونيو (حزيران) 2017، الذي بدأت فيه الأزمة الخليجية، حيث تسعى الدوحة لاستنساخ النجاح التركي في الكثير من القطاعات الاقتصادية للوصول إلى تنوعها المنشود، والذي بات ضرورة في ظل حصار الجيران، وخلال السطور القادمة سنتعرف على ملامح مساعي قطر لاستنساخ التجربة التركية، وهل يمكن لقطر أن تنجح في هذا الاتجاه؟

قطر وحلم التنوع الاقتصادي

يرى أحمد ذكر الله، رئيس قسم الاقتصاد والإدارة في الجامعة العالمية للتجديد (غير حكومية) بإسطنبول، أن التنوع الاقتصادي أحد أهم عوامل القوي الكامنة للدولة؛ إذ يكفيها الكثير من شرور التبعية، ويحد من تدخل الآخرين في شئونها ومحاولات فرض السيطرة، لكن تحقيقه يستلزم الكثير من المتطلبات، إلا أن هذه المتطلبات تتوافر جميعها في قطر، ودول الخليج بصفة عامة، وكان ينقصها فقط الإرادة السياسية ووعيها بأهمية هذا التنوع.

وتابع «ذكر الله» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن تجربة الحصار دفعت قطر نحو المشروعات الإنتاجية بقوة، ولكن ينقصها فقط المساحة الكافية للمشروعات، وتغلبت علي ذلك بالاستثمار في الدول الواسعة المساحة، بينما يجب اختيار المشروعات بالداخل القطري على أسس من التمدد الرأسي، وليس الأفقي والانتقال بالمشروعات.

«التجربة التركية رائدة في مجال التنوع ولها خبرات كبري في العديد من الصناعات والتي يمكن أن تعتمد عليها قطر في المستقبل» يقول ذكر الله.

ويعتقد «ذكر الله» أن الوصول إلى التنوع الاقتصادي في الأجل القصير صعب، وما يمكن فعله الآن هو وضع خطة إستراتيجية تعكس إرادة التنوع عند الدولة كتوجه إستراتيجي، وليس كانعكاس لحالة الحصار، وأهم ملامح هذه الخطة هي وضع معايير للمشروعات التي يمكن أن تتم في الداخل والخارج وبناء خريطة للتحالفات الممكنة ومميزاتها الاقتصادية.

تطور نوعي في العلاقات القطرية – التركية

وشهدت العلاقات بين كلٍّ من قطر وتركيا تطورًا نوعيًا خلال آخر أربع سنوات، وذلك بعد تولي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئاسة في أغسطس (آب) 2014؛ إذ عقد البلدان منذ ذلك الحين وحتى الآن نحو 15 قمة، كانت آخرها يوم 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، فيما كانت الأولى بعد نحو أسبوعين من تنصيب أردوغان، وكانت هي الزيارة الأولى للرئيس التركي لدولة عربية بعد تسلمه الرئاسة، وخلال نفس العام (2014) تم وضع أسس وقواعد لشراكة إستراتيجية، وذلك بإنشاء لجنة عليا بين البلدين.

وخلال هذه القمم المتعاقبة كان الاقتصاد على رأس اتفاقات التعاون بين البلدين، ولكن هذا التعاون سريعًا ما أصبح استنساخ لنجاحات أنقرة في كثيرٍ من قطاعاتها الاقتصادية، وهذا هو الفارق الذي لاحظه، سردار تاش، الخبير التركي في مجال السياحة والفندقة، إذ مر أكثر من 8 سنوات على تواجد تاش في الدوحة، فلم يكن يتواجد حينها الأتراك على رأس إدارة الفنادق القطرية، لكن الآن بات الأمر عاديًا.

إذ بات يتولى حاليًا الكثير من «الفندقيين» الأتراك إدارة أقسام عدد من الفنادق القطرية، وذلك في ظل استعداد قطر لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، وبحسب تورجاي جافراك، مدير قسم التمويل في فندق «فور سيزون الدوحة»، فإنه يتم استقدم الخبراء كي يدربوا العمال المحليين على الفندقة، والأتراك باتوا على رأس قائمة هؤلاء الخبراء، خاصة بعد إعفاء مواطني البلدين من التأشيرات، وبالرغم من أنّ الإعفاء لا يمنح أي حق بالعمل، إلا أنه سهَّل دخول الأتراك والتعرف على البلاد، إذ يعملون في تخصصات الإدارة العامة للفنادق، وإدارة أقسام الطعام والضيافة، والتمويل، والتسويق، والإدارة المالية.

ووفق بيانات غرفة قطر، هناك حاليًا نحو 186 شركة قطرية تركية مشتركة، و19 شركة تركية بملكية كاملة تعمل في قطر، تتركز أغلبها في قطاعات البنية التحتية والمقاولات والإنشاءات والاستشارات الهندسية والتجارة والأعمال الكهربائية، بينما تزيد قيمة المشروعات التي تقوم شركات تركية بتنفيذها في قطر عن 11.6 مليار دولار، في المقابل تبلغ الاستثمارات القطرية في تركيا نحو 20 مليار دولار، وهي ثاني أكبر دولة لها استثمارات في تركيا، بعدد نحو 121 شركة قطرية تعمل في البلاد.

ملامح تأثُّر قطر بالتجربة التركية

من المعلوم الاتجاه التركي نحو الانفتاح الاقتصادي وذلك في السنوات الأخيرة، من حيث تمليك الأجانب للعقارات والاستثمارات، أو التسهيلات في الحصول على تأشيرة الدخول، وهو الأمر الذي جعل البلاد جاذب قوي للاستثمارات الأجنبية والسياحة سواء العربية أو الأوروبية، ولكن مثل هذه السياسة ليست رائجة في منطقة الخليج بشكل عام، إلا أنه في ظل التعاون الكبير بين تركيا وقطر بدأنا نرى قوانين كانت قد أقرتها تركيا من قبل أصبحت موجودة الآن في قطر.

ففي 3 يناير (كانون الثاني) الجاري أقرت الحكومة القطرية قانونًا يتيح للمستثمرين الأجانب التملك بنسبة 100% في غالبية قطاعات الاقتصاد، في حين أن هذه كانت لا تزيد عن 49%، وهذا الاتجاه موجود في تركيا منذ 2012. على الجانب الآخر كان إعفاء قطر مواطني 80 دولة من تأشيرة الدخول إلى أراضيها يمثل صورة جديدة من التأثر القطري بالتجربة التركية، ناهيك عن إطلاق خدمة التأشيرة السياحية الإلكترونية، وهي أيضًا تجربة تركية حققت نجاحًا ملحوظًا في القطاع السياحي.

وبحسب غرفة قطر يشارك وفد تركي يزيد عن 150 شركة في قطاعات (البنية التحتية والبناء، والأدوية والمستلزمات الطبية، المواد الغذائية، الزراعة ومعدات الزراعة، الزجاج والبلاستيك، معدات صناعية، كهرباء و اللوجستيات والأنظمة الأمنية)، وذلك خلال الملتقى الاقتصادي القطري – التركي في 16 يناير الجاري.

ويأتي هذا بعد أن عرضت نحو 150 شركة تركية منتجاتها في ما يقرب من 10 قطاعات اقتصادية، في دولة قطر، خلال معرض «إكسبو تركيا في قطر» الذي نظم لأول مرة في أبريل (نيسان) 2017؛ إذ إن هدف المعرض في الأساس هو جمع الشركات التركية مع نظيراتها القطرية للتعاون في أعمالها من خلال إقامة مشروعات مشتركة ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتحقيق الاستفادة الكاملة من تجربة الشركات التركية الرائدة.

ويشار إلى أنّ الخطوط الجوية القطرية تسيّر نحو 41 رحلة أسبوعية إلى تركيا، منها ثلاث رحلات يوميًا بين الدوحة ومطار صبيحة غوسكن، و10 رحلات أسبوعيًا بين الدوحة ومطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، بالإضافة إلى رحلات يومية إلى أنقرة.

التعاون القطري – التركي في القطاعات الاقتصادية

وصل تعاون البلدين تقريبًا إلى معظم القطاعات الاقتصادية، وسنذكر ملامح من هذا التعاون في عدد من القطاعات على سبيل المثال لا الحصر:

القطاع الزراعي.. الطريق نحو إنتاج غذائي مستدام

في نهاية مايو (أيار) الماضي عقدت وزارة البلدية والبيئة ممثلة في القطاع الزراعي ووزارة الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية التركية الاجتماع الأول، لتعزيز وتوسيع التعاون بينهما في مجال الزراعة والثروة الحيوانية، وتبادل الخبرات والزيارات الفنية وبناء القدرات في هذه المجالات، وخلال نفس الشهر زار وفد تركي بعض المزارع في قطر للإطلاع على واقع القطاع الزراعي بالبلاد.

كان هذا اللقاء قبل أيام معدودة من حصار قطر، وهو الحدث الذي شكل تحولًا كبيرًا في التعاون الزراعي القطري التركي، وصل إلى حد أن تركيا عرضت على الدوحة المساعدة في إنتاج غذائي مستدام، من خلال إرسال المواد الخام التي تستطيع قطر تصنيعها في مصانعها الخاصة، بدلا من إرسال السلع الجاهزة إلى قطر، وذلك بحسب ما أعلن وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، في أغسطس (آب) الماضي.

التجارة الإلكترونية.. تركيا بوابة قطر نحو العصر الرقمي

في أبريل 2017، وقع بريد قطر للبريد التركي خارطة طريق حول خطة للتجارة الإلكترونية لبيع المنتجات من تركيا إلى قطر ومن قطر إلى تركيا لمصلحة عملائهما في البلدين، وذلك في إطار برنامج هدفه تحويل بريد قطر إلى مشغل بريد عالمي يأخذ في الحسبان العصر الرقمي والاقتصاد الحديث ومجتمع متغير، وهي خطوة غاية في الأهمية في مسيرة التنوع، خاصة في ظل النمو الكبير للتجارة الإلكترونية في المنطقة.

وكنتيجة لهذا الاتفاق، واعتبارًا من يناير الجاري، تم إطلاق منصة التجارة الإلكترونية للسوق التركية داخل قطر؛ وذلك لتوفر ما يقرب من 5 ملايين منتج تركي في الأسواق القطرية.

القطاع المصرفي.. توسع قطري خارج الحدود

في منتصف 2016 استحوذ بنك قطر الوطني على حصة نسبتها 99.81% في «فاينانس بنك» التركي، وذلك في خطوة لجعل السوق التركي سوق رئيس للمجموعة، وأيضًا الاستفادة من العلاقات الاقتصادية القوية ما بين تركيا ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وبين قطر وتركيا بشكل خاص، خاصة أن «فاينانس بنك» هو خامس أكبر بنك مملوك للقطاع الخاص في تركيا، ويضم أكثر من 620 فرعًا، ويعمل به نحو 12 ألف موظف مع قاعدة عملاء تزيد عن 5.3 مليون عميل، وبلغ إجمالي الإيرادات بنهاية 2016 نحو 32 مليار دولار.

لا يتوقف التواجد القطري في القطاع المصرفي التركي على «فاينانس بنك» فقط، ولكن البنك التجاري القطري يمتلك حصة قدرها 75 % من «ألترناتيف بنك» التركي الذي يقدم الخدمات المصرفية للشركات المتوسطة من خلال شبكة تتألف من 64 فرعاً منتشراً في 21 مدينة في كل أنحاء تركيا، بالإضافة إلى أن بنك الاستثمار «كيو إنفست» ومقره الدوحة ويمتلك مصرف قطر الإسلامي 50% من أسهمه، يستحوذ على كامل أسهم «إرغو بورتفوي»، إحدى أضخم شركات إدارة الأصول الإسلامية وأسرعها نموًا في تركيا.

الصناعات الدفاعية.. قطر تنتج ذخيرة للمرة الأولى في تاريخها

شهدت قطر قفزة نوعية في قطاع الصناعات الدفاعية وذلك بمساعدة تركية؛ إذ تم مؤخرًا افتتاح مركز أنظمة محاكاة الطائرة المروحية «AW139»، والذي يعتبر أكبر مركز تركي للصناعات الدفاعية في قطر، وهو مركز تدريبات للطيارين القطريين، يناسب كل الحالات الجوية التي تعيشها دولة قطر.

وفي 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال السفير التركي في قطر: إن الصناعات الدفاعية والتقنية من أهم المجالات التي زاد التعاون بين البلدين؛ إذ تعمل شركات تركية، مثل «هفالسان»، «أسلسان»، في مجال الصناعات الدفاعية، بالإضافة إلى أنه، ولأول مرة في تاريخ قطر، سيجري افتتاح مصنع محلي للذخيرة بالتعاون مع شركة تركية.

القطاع الصحي.. مستشفى تركية 100% في الدوحة

في 16 يناير 2017 جرى افتتاح أول مستشفى تركي في قطر مجهزة بالمعدات الطبية المتطورة، ويعمل في المستشفى أطباء أتراك مختصين، بالإضافة إلى أن جميع العاملين في المستشفى أتراك، فإن المستشفى يشكل أول نموذج تركي من هذا النوع في الخارج.

وتسعى قطر للاستفادة من تجربة القطاع الصحي التركي؛ ففي نوفمبر (تشرين الثاني) زارت وزيرة الصحة القطرية، حنان محمد الكواري، تركيا؛ بهدف الاطلاع على تأثيرات ونتائج «برنامج التحول الصحي» المطبق في تركيا المعروف على مستوى العالم.

جدير بالذكر أنه تم الاتفاق على إنشاء مصنع قطري تركي لتغطية احتياجات قطر من الأدوية، بالإضافة إلى تسويق المنتج القطري في الأسواق العالمية، التي تنتجه شركة «قطر فارما» للصناعات الدوائية، والتي تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى دول مجلس التعاون في إطار رؤية قطر الوطنية عام 2030.

قطاعات أخرى

وبالطبع هناك قطاعات أخرى، وبها تعاون عميق بين البلدين، ففي الوقت الذي تزايد الطلب القطري على الأثاث المنزلي التركي، إذ باتت معظم الفنادق الفخمة في قطر ترجّح الأثاث التركي في المشروعات التي تقوم بها، قام وفد من رجال الأعمال الأتراك يضم 21 من رؤساء الشركات المتخصصة في قطاع الأثاث والمفروشات، بزيارة قطر مؤخرًا، وذلك لتحقيق مزيد من النمو بالقطاع.

وفي ظل هذا التعاون الكبير دعا وزير الصناعة والطاقة القطري السابق، عبد الله بن حمد العطية، إلى شراكة بين تركيا وقطر في مجال التنقيب عن الغاز، موضحًا أن بلاده لديها خبرة كبيرة في هذا المجال، وتتعاون مع العديد من الشركات الدولية للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، إذ تقوم تركيا حاليًا بالتنقيب عن الغاز في مواقع بالبحر المتوسط.