العلاقات الثنائية بين أي بلدين في العالم قد تكون قائمة على شكلٍ من اثنين؛ شكل دبلوماسي، أو شكل قنصلي. الشكل الدبلوماسي، أو العلاقات الدبلوماسية، هي تلك التي تكون قائمة بين دولتين، ويتبادلان السفارات فيما بينهما، وتكون السفارات غالبًا في عاصمة الدولة الأخرى، ويكون المسؤول الدبلوماسي الأول في هذه الحالة هو رئيس البعثة الدبلوماسية، والذي غالبًا ما يحمل صفة من ثلاث؛ سفير، أو وزير مُفوَّض، أو قائم بالأعمال.

وتختص البعثة الدبلوماسية بعدة وظائف، أبرزها التمثيل الدبلوماسي لدى الدولة الأخرى، وحماية مصالح الدولة صاحبة السفارة، ومواطنيها، في الدولة المضيفة، والعمل على تنمية سبل التعاون بين البلدين، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا.

وعلى الوجه الآخر، توجد البعثة القنصلية، التي غالبًا ما يكون المسؤول الأول فيها هو القُنصُل، ولا يشترط أن تكون في عاصمة الدولة المضيفة. ولكن وظائف القنصلية هي تنمية العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، ودون التدخُّل في الجوانب والأمور السياسية، بالإضافة إلى التركيز على الجانب الخَدَمي الخاص بمواطني الدولة صاحبة السفارة في الدولة المضيفة.

ومن هنا، نستنتج أن العلاقات الثنائية بين أي بلدين تكون في معظم الوقت قائمة على أسباب اقتصادية وتجارية بشكلٍ أساسي، في الوقت الذي يمكن فيه الاستغناء عن الشق السياسي.

قد تكون العلاقات الثنائية بين تركيا والمغرب على شفا حفرةٍ من الأزمات الجديدة بعد قرارات اتخذتها الحكومة المغربية خلال الأيام القليلة الماضية. فما هي هذه الأزمة وأسبابها، وكيف قد تؤثر في العلاقات الثنائية بين البلدين؟ هذا ما سنحاول سويًا الكشف عنه في هذا التقرير.

أزمة اقتصادية بين المغرب وتركيا.. هل ستتحول إلى المستوى السياسي؟

بدأت الأزمة الأسبوع الماضي، وذلك عندما قررت الحكومة المغربية رفع قيمة الضرائب على الواردات التركية من منتوجات النسيج والألبسة إلى 90%، وهو القرار المشترك الذي اتخذه وزيران من الحكومة، هما مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، ومحمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، خلال الأسبوع الماضي، ونُشر في الجريدة الرسمية المغربية.

وحدد القرار أكثر من 100 منتج مختلف تستورده المغرب من تركيا؛ حيث تختلف قيمة رفع الضرائب على كل منتج؛ إمَّا رفعها بشكل جزئي أو كلي. الجدير بالذكر أنه طبقًا للجريدة الرسمية المغربية، فإن القرار دخل حيز التنفيذ في اليوم الذي تلا مباشرة تاريخ النشر بالجريدة الرسمية، أي في 11 يناير (كانون الثاني) 2018، الجاري.

الأسباب المُعلنة من قبل الحكومة المغربية تتمثل في التأثُّر السلبي لشركات الإنتاج المحلية المغربية، وكذلك تضرر الموردين الآخرين من الدول الأخرى للمغرب؛ حيث ترى الحكومة أنها برفع قيمة الضرائب على الواردات من المنسوجات والألبسة التركية، فإنها تعمل على حماية المنتج المحلي المغربي من تنافسية السلع التركية.

وقالت وزارة الصناعة والتجارة إن لهذا الإجراء ما يبرره؛ حيث إن قطاع صناعة النسيج والألبسة الموجهة إلى السوق المحلية شهد عدة اختلالات منذ بضع سنوات، وهي تلك التي نجمت عن تنامي الواردات التركية بأسعار تنافسية. بالإضافة إلى التبرير الآخر الذي أوردته الوزارة أن الإجراء جاء علاوة على متوسط سعر المنتجات التركية المنخفض مقارنة بمنتجات موردين آخرين.

ذكرت الوزارة المغربية أيضًا أن النمو المتواصل في واردات المنتجات التركية خلال السنوات القليلة الماضية أسفر عن إضعاف عدَّة وحدات صناعية مغربية موجهة إلى السوق المحلية، بالإضافة إلى التسبب في وجود خسائر كبرى على مستوى فرص الشغل للمواطنين المغربيين.

الجدير بالذكر أن هذا القرار يعني تفعيل تدابير التعديلات الانتقالية المشار إليها في المادة 17 من اتفاق التبادل الحر بين المغرب وتركيا بشأن بعض منتجات النسيج والألبسة.

12 عامًا من التبادل التجاري المكثَّف بين البلدين

ما يقرب من 12 عامًا تقترب على ذكرى تاريخ دخول اتفاقية التبادل الحر بين تركيا والمغرب حيز التفعيل؛ حيث إنه بالرغم من التوقيع عليها في 7 أبريل (نيسان) 2004، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ إلا في عام 2006، والتي تشير إلى خفض أو إلغاء أي رسوم جمركية بين البلدين فيما يخص القطاعات المختلفة من التجارة، أي أن القرار الجديد للحكومة المغربية هو نهاية للتطبيق الكامل للاتفاقية على مدار ما يقرب من 12 عامًا، منذ دخول الاتفاقية حيز التطبيق للمرة الأولى.

القرار المغربي الأخير لم يكن متعلقًا فقط بقطاع المنسوجات والألبسة ذات المنشأ التركي، وإنما أيضًا متعلق بالاتفاقية بين المغرب وتركيا؛ حيث تشير العديد من المصادر أن المغرب هي الأقل انتفاعًا من الاتفاقية عن تركيا، بل إنها قد تكون متضررة أيضًا؛ حيث إن الواردات من تركيا زادت خلال سنوات تطبيق الاتفاقية لتصل إلى 18.2 مليار درهم، مقابل 7.4 مليارات درهم فقط من الصادرات المغربية نحو تركيا، ليُسجِّل حجم التبادل التجاري بين البلدين 25.7 مليار درهم، وذلك طبقًا لإحصائيات عام 2016.

Embed from Getty Images

الجدير بالذكر أنه بعد ثلاث سنوات فقط من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، فإن صادرات تركيا إلى المغرب ارتفعت إلى 6.9 مليار درهم بدلًا من 2.5 مليار درهم فقط، في المقابل نمت صادرات المغرب لتركيا بشكل بطيء جدًا لتصل بالكاد إلى 1.1 مليار درهم، بعدما كانت في حدود نصف مليار فقط في الفترة نفسها.

اختراق كبير للمنسوجات والألبسة التركية للسوق المغربي

تشير البيانات إلى وجود أكثر من 80 شركة تركية في المغرب تعمل بشكل أساسي في صناعات النسيج والألبسة والصناعات الغذائية والأثاث، إلى جانب قطاعات أخرى مثل الإنشاءات والعقارات والأشغال العمومية والبنىة التحتية. ورغم ارتفاع صادرات المغرب إلى تركيا بنسبة 30% منذ دخول اتفاقية التبادل الحر بين البلدين حيّز التنفيذ في عام 2006، إلا أن البيانات تؤكد اتساع العجز التجاري المغربي مع تركيا؛ حيث بلغت قيمته مع تركيا سنة 2016 حوالي 10.7 مليار درهم مغربي.

يأتي ذلك في الوقت الذي حققت فيه صناعة الملابس التركية اختراقًا كبيرًا في السوق المغربية، خاصةً على مستوى ملابس الأطفال والنساء المحجبات؛ حيث استطاعت تركيا أن تنجح بما توفره من جودة في المنتج، وبأسعار أقل بكثير من الأسماء العالمية التي كانت مسيطرة على السوق المغربية من قبل، وذلك وسط اتهامات محلية ودولية، بأن الحكومة التركية تعمل على تقديم دعم خفي لتلك الصادرات، حتى تُباع بأسعار قليلة، مما يُسهِّل الاستحواذ على اقتصاد البلاد الأخرى، والتحكم فيه، وبالتالي الوصول إلى مكاسب سياسية بسهولة.

وتعد واردات الألبسة والنسيج من أبرز مستوردات المغرب من تركيا، كما ينشط مستثمرون أتراك في إقامة مصانع منسوجات في مدن مغربية. الجدير بالذكر أن الصادرات التركية إلى المغرب من منتجات النسيج والألبسة سجلت ارتفاعًا كبيرًا في الفترة بين عامي 2013 و2017، وذلك بنسبة 175%.

توتُّر حكومي في الرباط

يبدو أن الحكومة المغربية لم تكن متأكدة تمامًا من القرار، أو على اتفاق كامل بين أفرادها بخصوصه؛ حيث تضاربت الأقوال حول القرار الجديد؛ ففي الجريدة الرسمية، كشفت المادة الأولى من نص القرار خضوع منتجات النسيج والألبسة من الواردات ذات المنشأ التركي، بشكل مؤقت لمدة 200 يوم فقط، لرسم إضافي على القيمة يعادل 90% من رسم الاستيراد المطبق في إطار الحق العام للمنتجات المعنية بهذا الرسم، بدايةً من تاريخ نشر هذا القرار المشترك في الجريدة الرسمية.

يأتي ذلك بالتناقض مع تصريحات وزيرة التجارة الخارجية في الحكومة المغربية، رقية الدرهم، والتي أعلنت من قلب البرلمان، في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2018، أن قرار رفع الضرائب على منتجات النسيج والألبسة التركية، هو  «إجراء وقائي، ولمدة عام واحد فقط»، وذلك ردًا على سؤال لفريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، مشيرةً أن القرار جاء من أجل الحفاظ على القدرة التنافسية لقطاع النسيج بالمغرب، ولذلك فقد عملت الحكومة على تطبيق تدبير وقائي تفضيلي بشكل مؤقت على واردات بعض منتجات النسيج والألبسة، ذات المنشأ التركي.

فبرغم تصريح المسؤولة الحكومية قبل ساعات من نشر القرار أنه سيستمر لمدة عام واحد، إلا أن القرار المنشور ذكر أنه سيستمر لمدة 200 يوم فقط، مما يثير الشكوك حول مدى إجماع واتفاق أعضاء الحكومة المعنيين بخصوص القرار الجديد.

وذكرت «الدرهم» تزايد حدة الواردات ذات المنشأ التركي من النسيج والملابس، مضيفةً أن الحكومة اتخذت القرار إلى حين الانتهاء من المشاورات مع تركيا في إطار اللجنة المشتركة المنصوص عليها في اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وتركيا.

الجدير بالذكر أنه سيتم تطبيق التدابير الجديدة على السجاد وغيرها من أغطية الأرضيات النسيجية، ومنتجاتها من الملابس، وبعض الأقمشة، بما فيها تلك المستخدمة في المفروشات والمنسوجات المنزلية، وبعض ألياف النسيج والبطاريات، بحسب ما أوردته «الدرهم» خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين المغربي.

تباين الآراء بين التجار

التُجَّار والموردون في المغرب مختلفون حول جدوى القرار الذي اتخذته الحكومة المغربية؛ ففي الوقت الذي يرى فيه كريم التازي، رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، أن فرض الضرائب على المنتجات التركية غير كاف لإعادة المنتج المغربي إلى مكانته؛ ولكن في الوقت نفسه، فإن «التازي» يقدِّر ويُثمِّن قرار الحكومة الذي جاء في صالح المغاربة العاملين في قطاع النسيج؛ حيث إن الإعفاء الضريبي الذي شمل المنسوجات التركية كبَّد قطاع النسيج بالمغرب خسائر كبيرة، مما أدى إلى تقليل عدد العاملين في القطاع من 520 ألف شخص في 2010 إلى 420 ألف شخص في 2015، وذلك بحسب ما أدلى به «التازي».

يأتي هذا في الوقت الذي يرى فيه التُجار العاملون في المنتجات التركية، أن القرار قد تكون له عواقب سلبية وخيمة على عدد كبير من الأفراد والتُجَّار، الذين يعملون بشكلٍ كامل في المنتجات التركية؛ حيث إن أعمالهم الآن مهددة بسبب هذا القرار، مع العلم أن غالبيتهم من الشباب، أو من النساء ربَّات البيوت، ممن استطاعوا توفير مورد رزق جديد، ولذلك فقد دعا فهمي عبد الحفيظ، أحد مستوردي الملابس التركية في المغرب، في تصريحاته لموقع «اليوم 24» المغربي، أنه ينبغي على الحكومة أن تعمل على إدماج من سيفقدون مناصبهم وأعمالهم بسبب القرار، في السوق المحلية.

وفي الوقت نفسه، يرى آخرون أن فرض ضرائب جديدة على المنسوجات والألبسة التركية سيساعد المنتجين المحليين على استعادة مواقعهم في السوق، إلا أنه إجراء غير كاف وحده لحل أزمة القطاع، قائلين إن: «أزمة قطاع لا يحلها قرار واحد». ولكن في النهاية، يبدو أن غالبية التُجَّار المغاربة يؤيدون القرار، غير أنهم يختلفون في مدى جدواه، إن كان هو الحل الأفضل الذي سيحل أزمة قطاع النسيج والألبسة في المغرب أم لا.

الجدير بالذكر، أن هناك عددًا من تجار المنتجات التركية يرون أن القرار قد يؤدي إلى خلق احتقان بين المغاربة، كما أنه قد يؤدي إلى الإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين، مشيرين إلى أنه جاء لحماية مصالح فئة لا تمثل حتى 1% من المهنيين العاملين في الأنسجة والألبسة، مؤكدين أن اتفاقية التبادل الحر مع تركيا وفرت لفئة عريضة من المواطنين منتجات بجودة عالية وأسعارٍ تنافسية مقارنة مع سلع دول أخرى.

Embed from Getty Images

الغريب في الأمر، أن الحكومة التركية لم ترد بأي شكل من الأشكال على القرار المغربي، ويبدو أن الاتهامات التي وُجهت إلى الجانب التركي بأنه يسعى للسيطرة والهيمنة على الأسواق المحلية في عدد من الدول، منها المغرب، قد تكون صحيحة. وفي الوقت نفسه، وبرغم القرار، والغضب الحكومي المغربي من المنتجات التركية التي تؤثر على الاقتصاد المغربي، إلا أنه لا يبدو أن العلاقات الثنائية، السياسية أو الاقتصادية، قد تتأثر بشدة بسبب القرار، كما لا يبدو أن قرارًا كهذا قد يتسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين.