بعد أن وقع الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى ميثاقاً مع الاتحاد العام للعمال الجزائريين وأرباب العمل، خلال اجتماع يقضي بفتح رأسمال مؤسسات عمومية أمام المستثمرين الخواص، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2017، وشرع بتحضير قائمة المؤسسات العمومية، تلقى تعليمات رئاسية صارمة نسفت كل ما قام به، التعليمات الواردة أوقفت عملية الخصخصة واعتبرتها من الصلاحيات الحصرية للرئيس بوتفليقة.

الرئاسة تتدخل

في مساء الخميس 11 يناير/كانون الثاني، تسلم الوزير الأول أحمد أويحيى، تعليمات من رئاسة الجمهورية، محررة من فقرتين، موقعة باسم الأمين للرئاسة حبة العقبي.

تقول التعليمات التي نشر موقع "ألجيري 1"، نصها الكامل "في إطار مشاريع الشراكة عمومي/خاص، وبصرف النظر عن التعليمة رقم 01-04 للأول من جمادى الثاني 1422، الموافق لـ20 أغسطس/آب 2001، المتعلقة بتنظيم وخصخصة المؤسسات العمومية الاقتصادية، المعدلة والمتممة، خاصة موادها 20، 21 و22، لي الشرف أن أحيطكم علماً بالتعليمة الرئاسية التي تخضع كل مشروع فتح رأسمال، أو وقف نشاط شركة عمومية اقتصادية للموافقة المسبقة للسيد رئيس الجمهورية".

وتابعت "القرار النهائي المتخذ يظل أيضاً من الصلاحيات المطلقة للسيد رئيس الجمهورية".

وينص ميثاق الشراكة عمومي/خاص، على فتح رأسمال المؤسسات العمومية أمام الخواص، وفق قاعدة 34/66، أي 34% من الأسهم من بعض المؤسسات المعنية بالخصخصة ستكون من نصيب رجل الأعمال.

ولم تعلن الحكومة عن القائمة الرسمية للمؤسسات التي كانت معنية بالتوجه، لكن مصادر إعلامية تحدثت عن مؤسسات تنشط في قطاعات السياحة والفندقة والصناعة.

ماذا تعني؟

أحدثت التعليمات فور تسريبها للصحافة الجزائرية، زلزالاً قوياً بقصر الدكتور سعدان (مقر الوزارة الأولى)، حيث فهمت على أنها تأنيب للوزير الأول أحمد أويحيى، الذي قطع شوطاً طويلاً في تهيئة عشرات الشركات العمومية الاقتصادية لقبول مساهمين خواص في رأسمالها.

ويفهم من تعليمات رئاسة الجمهورية أن الوزير الأول، ورغم كونه رئيساً لمجلس تسيير مساهمات الدولة، إلا أنه تعدّى على صلاحيات حصرية لرئيس الجمهورية.

وأكد وزير الصناعة والمناجم، يوسف يوسفي، الأحد 14 يناير/كانون الثاني، على صحة التعليمات، عندما صرّح لوسائل الإعلام قائلاً "لن يتم فتح رأسمال أي مؤسسة عمومية دون موافقة رئيس الجمهورية والحكومة"، وتابع "لم يسبق لنا أن فتحنا رأسمال أية مؤسسة عمومية دون التشاور مع الحكومة أو مع رئيس الجمهورية"، مؤكداً "أن القرار الأخير يعود إلى رئيس الجمهورية".

مفارقات

تصويب الرئاسة الجزائرية لوزيرها الأول أعاد إلى الأذهان سيناريو الصيف الماضي، وما حدث مع الوزير الأول السابق عبدالمجيد تبون، عندما تلقَّى تعليمات موقعة باسم مدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحيى، تطالبه "بالكف عن التحرش برجال الأعمال"، وذلك عقب شنِّه لحرب قوية على بعض المتعاملين الاقتصاديين، وعلى رأسهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد.

وعندما أنزل أحمد أويحيى من قصر الرئاسة لخلافة تبون على رأس الوزارة الأولى، ها هو يتلقى تعليمات موقعة رئاسية تدعوها إلى التزام حدوده، وتلغي آليا ما اتفق عليه مع المركزية النقابية وأرباب العمل.

ما علاقة الأمر برئاسيات 2019؟

الصحفي أحمد أمير قدم قراءة لما يجري على رأس هرم السلطة قائلاً "أويحيى تنطبق عليه مقولة كما تدين تدان، فقد انتصر لرجال الأعمال ضد تبون لما كان مدير لديوان الرئاسة، قبل أن توبخه (ضمنياً) الأخيرة بتعليمات مربكة".

وفسر المتحدث لـ"هاف بوست عربي"، أن الرئاسة تفطنت لمخطط جهنمي أعده الوزير الأول بالتنسيق المحكم مع رجال الأعمال والمركزية النقابية، يهدف لمنح عديدة للشركات العمومية بمبالغ رمزية لكبار أرباب العمل.

وتابع أحمد أمير، قائلاً "غاية أويحيى هي عقد صفقة مع رجال الأعمال، يمنحهم مؤسسات عمومية، ويحصل على تمويلهم لحملته الانتخابية في رئاسيات 2019".

وكان الوزير الأول، عرضة لانتقادات شديدة من قبل الأمين العام للحزب الحاكم، جمال ولد عباس، الذي اتهمه بأنه يضمر طموحاً رئاسياً، ودعا إلى ثلاثية موازية بمقر حزب جبهة التحرير الوطني، أكد من خلالها أن خصخصة مؤسسات الدولة خط أحمر.

وفي هذا الشأن اعتبر المحلل السياسي عبدالوهاب بوكروح في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أنه "لا أحد سيمنع بوتفليقة من الترشح لعهدة أخرى سوى وضعه الصحي"، وقال إن بوتفليقة يعرف جيداً كيف يقضي على منافسيه، وفي الوقت المناسب.

من جانبه رأى الباحث المتخصص في الشأن الجزائري، ومدير مركز الدراسات الاجتماعية والسياسية بجنيف، رياض الصيداوي، أن ما يجري يؤكد حقيقة مفادها "أن بوتفليقة يملك سلطة مطلقة، طبقاً لنظام الحكم الرئاسي، وأنه مسيطر على الوضع".

وأضاف الصيداوي لـ"هاف بوست عربي" قائلاً "بوتفليقة قال حين مجيئه إلى الحكم إنه لن يكون 3 أرباع رئيس، وهو يؤكد ذلك من عام لآخر، وتأكد العالم من ذلك عند إقالته للعديد من الجنرالات الأقوياء، وعلى رأسهم مدير المخابرات السابق محمد مدين المدعو توفيق".

تراجع أحد الشركاء

وفي أول رد فعل له على تعليمات رئاسة الجمهورية، قال الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبد المجيد سيدي سعيد "نحن نفتخر بأن يعود القرار النهائي للرئيس في قضية خصخصة المؤسسات العمومية"، وأضاف في تصريح إعلامي "أين المشكل في أن يقرر رئيس الجمهورية".

وفهم على أنه تراجع من قبل سيدي سعيد على التزامه السابق مع الوزير الأول وأرباب العمل بشأن ميثاق الشراكة عمومي/خاص.

بينما لم يصدر عن رجال الأعمال حتى كتابة هذه الأسطر أي تعقيب أو تعليق على التعليمة الرئاسية الموجهة لأويحيى.

ارحل يا رجل

وتفاعل نشطاء مواقع التواصل مع التعليمات الرئاسية الموجهة لأويحيى، واعتبروها بمثابة قرع لجرس خروج أويحيى من الوزارة الأولى مثلما حدث مع سابقه عبدالمجيد تبون.
واعتبر الصحفي قادة بن عمار أن ما جرى دليل على أن أويحيى يتحرك بعيداً عن رغبة الرئيس، وكتب مغرداً

ودعا أحد النشطاء أويحيى إلى الاستقالة، حفاظاً على ماء وجهه، وكتب "وزراء أويحيى ينقلبون عليه، وجل تصريحاتهم تثمن طروحات الافلان (جبهة التحرير الوطني) تماشياً مع تعليمات الرياسة.. ارحل يا رجل حفاظاً على ما تبقى من ماء الوجه..؟!