حلَّ الهدوء مؤخراً مدن وأحياء تونس، بعد أن عمَّت المظاهرات والاحتجاجات كامل البلاد، في الأسبوع الذي سبق يوم 14 يناير/كانون الثاني 2018، الذكرى السابعة للثورة.

شباب معطل عن العمل، وطلبة جامعات، وتلاميذ، ومحدودو الدخل خرجوا للشوارع والساحات العامة للتنديد بالزيادات الأخيرة، التي أعلنت عنها الحكومة مع نهاية عام 2017 وبداية العام الحالي.

المتظاهرون الغاضبون اعتبروا الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية والرفع من قيمة الضرائب أصبحت حلولاً متكررة، اعتمدتها جل الحكومات التي تعاقبت على حكم تونس منذ الثورة إلى اليوم، وهذا ما خلق صورة لدى الرأي العام التونسي، بأن الأحزاب والوزراء والحكومات لا تبحث عن حلول جدية لمشكلات الشعب التي قامت من أجلها الثورة، والمتمثلة في التشغيل، التنمية، والتوزيع العادل للثروات بين الجهات، والقضاء على الفساد والرشوة.

tunisia

الحكومة التونسية ردّت على التظاهرات بأن الإصلاحات "قد تأخذ وقتاً طويلاً، وأنها لا تملك عصى سحرية لدى السلطة لإصلاح الواقع التونسي المتردي، وإقامة مشروعات استراتيجية وتحقيق التنمية والعدالة".

الصبر الذي تطلبه الحكومة لا يملكه التونسيون، الأمر بالنسبة لهم قد طال، خاصة أن الأزمة لم تستمر فقط سنة أو سنتين بعد الثورة، وإنما دامت سبع سنوات.

نظام سياسي هجين

ما أشبه اليوم بالبارحة، والمقصود باليوم هو يناير/ كانون الثاني 2018، والبارحة طبعاً يناير/كانون الثاني 2011. الأحداث والشعارات المرفوعة من قبل المحتجين تشابهت، ولم ينقص المتظاهرين سوى الصراخ بتلك العبارة الشهيرة "ارحل" أو "Dégage".

يتذكر الجميع في تونس أن التجمعات المكثفة للطلبة والمعطلين والمواطنين الثائرين كانت في ساحة "محمد علي"، قبالة مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، رافعين شعارات "الخبز والحرية والكرامة الوطنية"، و"العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجهات"، و"الديمقراطية والتعددية والحرية مطلب جماهيري واسع"، وغيرها من الشعارات التي أصبحت مشهورة، وانتقلت لبلدان أخرى في المنطقة.

أدت تلك الشعارات وقتها إلى تجميع الناس من حولها، لأنها تمس كل الطبقات. فالطبقة الضعيفة الدخل تجد نفسها في شعارات الخبز والعدالة الاجتماعية، وأما الطبقة الوسطى فتجد نفسها في الأفق الديمقراطي الذي تحلم به، باعتبارها الطبقة المتعلمة في تونس، وهي الخزان الأكبر للمثقفين والأكاديميين، وحتى للسياسيين المعارضين، أما الطبقات الغنية فأغلبهم له مصلحة في سقوط نظام زين العابدين بن علي، كي ينجلي استحواذ أقربائه على كل المشاريع الاقتصادية.

هرب بن علي بعد تلك الغمرة من الاحتجاجات والمظاهرات في الشوارع التي أودت بحياة 386 مواطناً، وجرح 7749، حسب لجنة الشهداء وجرحى الثورة بالبرلمان التونسي. وبقي التونسيون في تلك الأيام وجهاً لوجه مع الأقدار الممكنة التي تحيط بكل الثورات في التاريخ: إما النجاح في الانتقال نحو مستقبل أفضل، أو الانتكاسة التي تحمل العديد من الأوجه.

رأي الأغلبية العظمى في تونس يقول لا هذا وذاك، فلم ينجح التونسيون في إرساء نظام سياسي ديمقراطي مستقر، وذلك حسب رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، الذي علق على النظام السياسي التونسي بأنه "هجين وشاذ"، الأمر الذي أثار حفيظة عدد من القوى السياسية من بينها حركة النهضة الإسلامية شريكته في الحكم، ما يدل على أن الانقسام حاد وواضح، ولم يحسم بعد في طبيعة هذا النظام. ومن ناحية أخرى لم يتمكن التونسيون من تحقيق أهداف ثورتهم المتمثلة في الشعارات التي رفعوها: معيشة سهلة ومناخ اقتصادي منتعش وإجراءات حكومية فعالة ضد البطالة والفقر واللامساواة بين الجهات، كما يرى خبراء الاقتصاد التونسيين.

الهشاشة السياسية والإرهاب

بعد تنصيب حكومة الباجي قائد السبسي الأولى سنة 2011، وبعد نجاح اعتصامي القصبة 1 والقصبة 2 اتجهت البوصلة بشكل عام إلى انتخابات تأسيسية جديدة، تكون بداية فعلية لنظام جديد قوامه دستور جديد يقطع مع الماضي الذي تميز برئاسة مدى الحياة للزعيم الحبيب بورقيبة مؤسس الدولة الحديثة، وبرئاسة مفصلة على مقاس بن علي تم تصميمها من قبل معاونيه وخبرائه القانونيين.

وبالفعل، كانت انتخابات المجلس التأسيسي، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، نقطة البداية، وقد أفرزت حكومة متشكلة من ثلاثة أطراف كانت رابحة في الانتخابات، وهي حزب "حركة النهضة" وحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" وحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية". وقسمت هذه "الترويكا" الحكم فيما بينها على أن يكون للنهضة رئاسة الحكومة، وللتكتل رئاسة المجلس التأسيسي، وللمؤتمر رئاسة الجمهورية.

ما طبع تلك الفترة من حكم تونس هو تساهل الحكومة تحت شعار الحرية والديمقراطية مع بعض التنظيمات المتطرفة، التي تمكنت من استقطاب الناس إليها بطرق شتى، وتوسعت وأنشأت لها قواعد واسعة في جميع أنحاء البلاد، واستغلت بعض تلك الجماعات مناخ الحرية لتشكيل خلايا إرهابية تعمل على تجنيد الشباب للقتال في بؤر التوتر كما في سوريا والعراق وليبيا أو العمل على التخطيط والقيام بعمليات إرهابية في تونس.

وعقدت منظمات مصنفة دولياً إرهابية ندوات واجتماعات علنية، ومن بينها مؤتمر أنصار الشريعة الذي عقد في القيروان، في مايو/أيار 2013، بحضور شخصيات في أعلى لوائح المطلوبين لدى الأمن التونسي والدولي، التي حاول الأمن التونسي منعها.

وقد بقيت أحداث كثيرة في ذاكرة التونسيين إلى اليوم، فحصاد سبع سنوات من الثورة خلَّف الكثير من ضحايا العمليات الإرهابية، التي من بينها الهجوم على متحف باردو في مارس سنة 2015، وتفجير حافلة الأمن الرئاسي بشارع محمد الخامس بعده بأشهر، وإطلاق النار على السياح في شاطئ فندق إمبريال بمدينة سوسة الساحلية، ومن قبلها ذبح عسكريين في جبال القصرين غربي تونس، إضافة إلى الاغتيالين السياسيين البارزين في تاريخ تونس ما بعد الثورة، وهما: اغتيال شكري بلعيد أمين عام حركة الوطنيين الديمقراطيين، ومحمد البراهمي أمين عام حركة الشعب.


عودة التكنوقراط

تسبب ذلك المناخ في إعادة تشكيل المشهد السياسي مرة أخرى، وهي ربما حاجة كانت ملحة عبّر عنها عدد من التونسيين من ذوي التوجهات المتباينة مع الإتلاف الحاكم، فانبثقت حكومة تكنوقراط بداية سنة 2014، مهّدت لانتخابات أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، التي ستفرز موازين قوى جديدة بشروط جديدة ومغايرة، خاصة أن الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي قد قاد حملات واسعة في تونس وخارجها، مفادها أن الوضع غير مستقر وغير مطمئن، ووجب تحقيق التوازن أمام الإسلاميين، فما كان إلا أن بادر بما سماه حينها "نداء تونس" وليست تلك المبادرة سوى الحزب الحاكم اليوم.

لم تتمكن تلك التغييرات في شكل السلطة من الولوج إلى جوهر النقاط الاقتصادية والاجتماعية، التي ثار من أجلها التونسيون سنة 2011. المناخ الديمقراطي مهدد بالاغتيالات والوضع الأمني الهش، والوضع الاقتصادي مرتبك ومتردٍّ وذو سمعة دولية سيئة، خاصة بعد تصنيف تونس في منطقة الخطر من قبل شركات التصنيف العالمية. ويتذكر الجميع أن خطاب السلطة الجديدة في ذلك الحين هو الحرص على التغيير، وأن الغد سيكون أفضل، طبعاً مع عدم تحديد مدة هذا "الغد".

نقاط الضوء

السبع سنوات لم تكن كلها سوداء، فقد شهدت تونس ازدهاراً ملحوظاً في الحريات العامة، خاصة الصحافة والتعبير، وبعض القوانين الإيجابية في مجال حقوق الإنسان عند الإيقاف الأمني أو التحقيق، وقد صاغت السلطة التشريعية جملة من القوانين، من بينها المرسومان 115 و116، اللذان ينظمان مؤقتاً قطاع الإعلام والصحافة في البلاد، وهما مرسومان يتطابقان نسبياً مع المعايير الدولية في الحريات العامة المتعلقة بالنشر والصحافة والتعبير.

من بين النقاط الإيجابية التي سجلت أيضاً حصول الرباعي الراعي للحوار على جائزة نوبل للسلام، وقد كان الخبر مفرحاً بالنسبة للتونسيين، لأن ذلك سيسهم في تحسين صورة تونس في الخارج، خاصة أن أنباء مشاركة التونسيين في تنظيم داعش بالشرق الأوسط تملأ وسائل الإعلام الدولية.

لكن هذه المكتسبات تقبع في نظر الناشطين الحقوقيين تحت التهديد، لأن القوى السياسية الأغلبية في البرلمان، التي تشكل الحكومة تسعى لتشريع قوانين دائمة ليست في مستوى المرسومين المذكورين، بل هي أدنى منها من ناحية ضمان حرية واستقلالية الصحافة والإعلام والهيئات الدستورية التي تمارس دور الرقيب، والمخفف من وطأة السلطة التنفيذية ونفوذها.

حرب على الفساد أم دعاية سياسية؟

من بين أبرز الشعارات التي رفعتها الحكومة كانت الحرب على الفساد وإدخال حزمة من الإصلاحات على الاقتصاد، من أجل تحسين مستوى عيش التونسيين.

وتم الإعلان عن حملة اعتقالات عديدة، شملت عدداً من رجال الأعمال بتهم الفساد، لكن ذلك لم يأت بالنتائج المطلوبة، فقد انخفضت قيمة الدينار التونسي إلى مستويات مخيفة، خاصة من بدء تسلم رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد مهامه كرئيس للحكومة، يوم 6 أغسطس/آب 2016، بعد أزمة سياسية أطاحت برئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد، وشهدت حكومته تغييراً وزارياً مهماً، في سبتمبر/أيلول الماضي، من أجل تدارك الوضع.

وأخذت الأحداث في البلاد في التطور إلى أن وصلت ذكرى الثورة، حيث أطلقت مجموعات شبابية كانت تقود حملة "مانيش مسامح" (لن أسامح)، ضد قانون المصالحة، حملة أخرى بعنوان "فاش نستناو" (ماذا ننتظر)، وهو شعار محفز على رد الفعل المواطني أمام الزيادات الأخيرة في الأسعار، والإجراءات الحكومية التقشفية، التي تقول إنها في صالح الاقتصاد، وإنها آخر الإجراءات المؤلمة وإن تونس ما بعد 2018 سوف تكون الجنة الموعودة.

عاد التونسيون مرة أخرى إلى الشارع يتهمون الحكومة بأنها تحرص على مصالح الأغنياء ولا تهتم بمطالبهم، والمسؤولون يصفون المحتجين بالمنحرفين الذين يسعون إلى النهب وإعادة البلاد إلى حالة الفوضى التي طبعت أيام ما بعد الثورة.

tunisia

ومع الاتهامات تسعى حكومة يوسف الشاهد لمسابقة الزمن، فتم الإعلان عن حزمة إجراءات جديدة لتخفيف الضغط الاقتصادي على المواطنين، وخاصة الفئات المحدودة الدخل، والشباب العاطل عن العمل.

وما بين الوعود والاحتجاجات تطفئ تونس الثورة شمعتها السابعة، المسؤولون يطلبون مزيداً من الوقت والصبر، والمواطنون ضاق صدرهم بسبب الغلاء والأوضاع الاقتصادية الصعبة.