رصد تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية تجربة رائدة قامت بها أكاديمية ألمانية، إذ دشنت موقعًا إلكترونيًّا يمنح اللاجئين الأكاديميين فرصة للتواصل مع نظرائهم الألمان، واستكمال أبحاثهم العلمية.

وقال التقرير: «عندما وصل عدد قياسي من طالبي اللجوء واللاجئين إلى ألمانيا قبل عامين، كانت كارمن باتشمان واحدة من العديدين في البلاد الذين يشعرون بأنهم مضطرون لمساعدة القادمين الجدد على الاستقرار».

لم تسرع كارمن، البالغة من العمر 41 عامًا والأستاذة الجامعية في جامعة لايبزيج، باستقبال اللاجئين بلافتات الترحيب أو التعهد بالتطوع في مخيمات اللاجئين. بدلًا من ذلك، فقد تحولت إلى مساعدة اللاجئين بعملية أشبه بمواقع التعارف. أنشأت موقعًا على شبكة الإنترنت، وهو موقع Chance for Science، لربط الأكاديميين من اللاجئين مع نظرائهم الألمان عبر مجموعة واسعة من التخصصات.

اقرأ أيضًا: «انتحار اللاجئين».. موت آخر يواجهه السوريون في المهجر

يستخدم الموقع قالب خدمة التعارف، ويسمح للمستخدمين بالتسجيل بصفة لاجئ أكاديمي أو أستاذ أو باحث ألماني، مع تحديد موقعهم ومجالات الدراسة، حتى يمكن للمستخدمين أن يكونوا متطابقين مع الآخرين الذين يقومون بأعمال مماثلة. ويوجد الآن 720 مستخدمًا مسجلين، من بينهم 224 لاجئًا، وفق ما ذكر تقرير الصحيفة البريطانية.

أشار التقرير إلى أن الروابط التي تم إنشاؤها عبر الموقع يمكن أن تقود إلى إيجاد وظيفة، على الرغم من أن كارمن قالت إن هذا لم يكن فقط الهدف الرئيسي لإنشاء الموقع.

ونقل التقرير عن كارمن قولها: «التفكير الأساسي هو تشجيع التعاون على العمل، وتبادل الأفكار أو مساعدة العلماء اللاجئين على الوصول إلى أحدث الأبحاث. وإلى جانب ذلك، قمنا أيضًا بتشغيل ورش عمل تعليمية العام الماضي بتمويل من الحكومة. إنهم يساعدون القادمين الجدد على فهم كيفية عمل النظام الأكاديمي الألماني».

وتابعت كارمن: «نحن نريد أيضًا أن يشعر الناس وكأنهم على اتصال مع العالم الأكاديمي. كونهم أكاديميين هو جزء من هويتهم، وعندما يأتي اللاجئون إلى هنا يفقدون ذلك. من المهم بالنسبة لهم أن يكونوا في بيئة تمكنهم من أن يكونوا متخصصين مرة أخرى، وأن ينظر إليهم الناس على هذا النحو. يمكن للناس أن يجتمعوا ويتبادلوا الأفكار ويناقشوا ويخلقوا شبكات».

اقرأ أيضًا: مع تفاقم أزمات اللاجئين.. كيف أصبحت تتم «صفقات» الزواج؟

مواصلة العمل البحثي

ونتيجة للمشروع، تعمل كارمن الآن مع غوناي كارلي، البالغ من العمر 45 عامًا، وهو عالم كمبيوتر متخصص في الذكاء الاصطناعي. عمل كارلي في جامعة الفاتح في تركيا قبل أن تكون واحدة من المؤسسات التي أغلقتها السلطات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في منتصف عام 2016، على خلفية ارتباطها برجل الدين المنفي فتح الله كولن، المتهم بتدبير محاولة الانقلاب.

ونقل التقرير عن كارلي الذي وصل إلى ألمانيا من البوسنة قبل ثلاثة أشهر، قوله: «لقد كنت مندهشًا حينما سمعت عن المشروع… هذا المشروع مهم للاجئين؛ لأننا لا نملك أي شيء يتعلق بمجالاتنا أو نظامنا الأكاديمي. نحن لا نعرف أي شخص على دراية بنظم العمل، ولدينا الرغبة في مواصلة بحثنا والتعلم وتبادل الأفكار».

7a8b7b587c.jpg

كارمن باتشمان مؤسسة موقع Chance for Science– ألمانيا- الجارديان

تعمل كارمن وكارلي معًا على الضرائب. أحد الجوانب التي ينظران إليها هو ما إذا كان من الممكن التنبؤ بالأداء المستقبلي للشركة، ومؤشر الأداء الرئيسي (KPI) من خلال تحليل وسائل الإعلام الاجتماعية. ويساعد كارلي في تحليل البيانات واستخدام برامج الكمبيوتر.

وبينما ينتظر كارلي الاستماع إلى نتيجة طلب اللجوء الذي قدمه، فإنه يسعده مواصلة العمل الأكاديمي. وعلى الرغم من أنه لا يستطيع أن يمارس عملًا بأجر، إلا أن كل ما يفعله سيكون مفيدًا لسجله الوظيفي. وقد قال كارلي: «أنا لاجئ ولكن هذا ليس سوى جزء صغير من شخصيتي. كما أنني ما زلت أكاديميًّا. بغض النظر عن الوضع الذي أنا فيه، فإنني لا بد أن أستمر في مجالي البحثي. لا يمكننا أن نوقف عقولنا عن العمل».

عقدت كارمن وفريقها الصغير مؤخرًا مؤتمرًا بعنوان «أكاديميون على الرحلة»، حيث تحدث ثمانية لاجئين عن أعمالهم وقدم آخرون ملصقات. وحصلت كارمن على دعم مالي من الحكومة لإدارة ورش العمل والمؤتمرات، ولكن قيمة الدعم نفدت في ديسمبر (كانون الأول) الجاري.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن هندسة «أزمات اللاجئين» وتحويلها لأسلحة شاملة؟

وقالت كارمن: «أود الحصول على مزيد من التمويل؛ لأنها أصبحت وظيفة ثانية بدوام كامل بالنسبة لي… أنا بحاجة إلى الدعم لأن هناك الكثير من الإمكانات في هذه الفكرة التي تنمو بسرعة». وقالت إن التحدي الأكبر للمشروع كان التغلب على بيروقراطية النظام الألماني. لم تطلب كارمن الإذن من أي شخص لإنشاء الموقع، فقط رئيس الجامعة، إذ إن طلب الإذن كان سيستغرق وقتًا طويلًا للقيام بذلك رسميًّا.

بحسب التقرير، فقد مثّل لقاء جمع كارمن بلاجئ أكاديمي في مخيم للاجئين مصدر إلهام لها لإنشاء الموقع. وقالت كارمن عن هذه التجربة: «التقيت رجلًا وكل ما كان معه هو شهادة الدبلومة الجامعية. كان سعيدًا جدًا لوجود شخص يوليه هذا الاهتمام لأن -من المفهوم- المتطوعين كانوا يتأكدون فقط من أن الجميع لديهم مأوى وطعام».

واختتم التقرير بقولها: «من تلك اللحظة أصبح الأمر شخصيًّا جدًا بالنسبة لي، وساعدني على إدراك ماذا يعني أن تكون أكاديميًّا. لقد تعلمت الكثير من هذه العملية ومن هؤلاء الأشخاص الذين قدمت لهم المساعدة».