أغلقت الجزائر الباب نهائياً، أمام فرضية استيراد أئمة من بلدان عربية، لإدارة المسجد الأعظم الجاري بناؤه، وأكدت اعتمادها على كفاءاتها الخاصة ومرجعيتها الدينية، مبدية مخاوف من المذاهب والتيارات الأخرى.

وربط القرار بمخاوف الحكومة الجزائرية، من تغلغل الفكر الوهابي أو المد الشيعي عبر ما تعتبره ثالث أكبر مسجد في العالم، تفادياً لتكرار الأزمة الأمنية المدمرة التي عرفتها سنوات التسعينيات، إذ اعتبرت الفكر السلفي التكفيري الدخيل على المجتمع الجزائري هو سبب شرارة الإرهاب.

مخاوف الحكومة من الطائفية الدينية

في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فند وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، استيراد الجزائر لسجاد فارسي من إيران جامعها الكبير، ونفى في الوقت ذات أن تكون دولة إيران قد تبرعت لها بما أسماه السجاد الأسطورة، وقال إن شخصية جزائرية تبرعت من مالها الخاص لاقتناء السجاد الذي يليق بمقام المسجد.

وأظهر الوزير لهجة شديدة في التعاطي مع الوضع إذ ربط الإشاعة برغبة جهات "في إحباط معنويات الشعب الجزائري، وتسفيه مسؤولي الدولة".
ويفهم من كلام عيسى، أنه يرغب في إبعاد شبهة التعاطي مع المد الشيعي أو إمكانية تسربه عبر المسجد الأيقونة، حتى ولو بشكل رمزي، وسبق وأن أكد في عدة خرجات إعلامية أن الشيعة خطر على الجزائر، وقال قبل أشهر "هناك إرادة خارجية لإدخال طوائف للبلاد، منها التبشير الشيعي".

وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني على صفحته الرسمية بفيسبوك، منشوراً حول قضية الاستعانة بمشايخ وأئمة من الشرق الأوسط أو الخليج العربي لتسيير مسجد الجزائر الكبير، عند تدشينه.

ولم يكتف الوزير، بنفي الخبر الذي تداولته وسائل إعلام محلية، بل اعتبره "مولوداً جديداً للفتنة"، وقال "ازدان فراش الفتنة بداية هذا الأسبوع بكذبة جديدة تضاف إلى أخواتها السابقات اللاتي ولدن لتقوية شوكة الباطل في هذا الوطن المجني عليه"، مضيفا "سميت هذه الكذبة "استيراد الدولة أئمة لتسيير جامع الجزائر".

وتابع الوزير عيسى، أن الخبر ليس صحيحاً وأنه لم يدل بأي تصريح مماثل، وأكد "لا،،، الجزائر لا تحتاج إلى "استيراد" أئمة من المملكة السعودية ولا من الجمهورية المصرية ولا من اليمن "الحزين"!!!".

وأكد في السياق ذاته، أن الجزائر قادرة بكفاءاتها الخاصة على تأطير الجامع من مختلف الجوانب الدينية والإدارية، قائلاً "وعندما يفرح الجزائريون برفع الأذان من منارة جامع الجزائر الباسقة، سيلاحظون بأن نغمة الأذان جزائرية وأن نبرة ترتيل القرآن فيه جزائرية وأن خطباء هذا الجامع ووعاظه كلهم جزائريون".

وأغلقت الحكومة الجزائرية عبر وزيرها للشؤون الدينية، الباب أمام مرجعيات دينية متجدرة في بلدان عربية، خاصة المذهب الوهابي الذي تعتبره سبباً في انتشار أفكار متطرفة بين الشباب الجزائري.

الغزو الوهابي والشيعي

حرص الوزير عيسى على اعتماد المرجعية الدينية الجزائرية (المذهب المالكي)، كنمط لتسيير الجامع الكبير، مبني على خلفية تصريحات سابقة، قال فيها " أن الجزائر لن تكون ساحة صراع بين الوهابية والشيعة ونقل عنه تلفزيون النهار "نحن لسنا وهابيين حتى نتعرض لغزو شيعي يستدعي ويتطلب التوبة ولسنا شيعة للغزو الوهابي الذي يستدعي أيضاً التوبة".


تجربة التسعينيات؟

ويبدو أن العشرية السوداء التي دخلتها الجزائر سنوات التسعينيات مازالت دعامة أساسية للتوجه الديني للبلاد، حيث اعتبر الصحفي المتخصص في الشؤون الوطنية أحمد أمير "أن اعتماد أئمة جزائريين بدل استيرادهم من السعودية أو مصر أو اليمين للجامع الكبير، أحسن قرار يمكن اتخاذه".

وقال المتحدث لـ"هاف بوست عربي" جلب أئمة من السعودية سيعيد لنا السلفية المقيتة التي دمرت الإسلام والمسلمين وخربت الدول"، معتبراً "أن مشايخ الأزهر فقدوا مصداقيتهم بعدما تخندقوا في صف السعودية".

ورأى في القرار خطوة لحماية المرجعية الدينية الجزائرية والمغاربية بشكل عام القائمة على التسامح وليس التكفير وإلغاء الآخر.

الوسطية والاعتدال

من جانبه أبدى رئيس نقابة الأئمة الجزائريين الشيخ جلول حجيمي، رفضه لفكرة استيراد الأئمة من الخارج لتسيير مسجد الجزائر الكبير الجاري بناؤه بميزانية ناهزت 2 مليار دولار.

وقال لـ "هاف بوست عربي" أنه "إذا كان الأمر في إطار تبادل للتجارب واحتكاك للخبرات فهذا مقبول، أما للتأطير والتسيير، فنقول لا، لأن لدينا كفاءات وطنية معروفة بالوسطية والاعتدال ولها خبرات معرفية عالمية".

وأكد حجيمي أن "التشدد والتطرف ليس من الإسلام، والتجربة المرة المقيتة التي مرت بها بلادنا قبل عقدين، جعلتنا نحتفظ بمرجعتينا وفقاً لخصوصيات المجتمع الجزائري"، مستطرداً "أن ذلك لا يعني قطع الأواصر مع مرجعيات أخرى".