سارعت بغداد إلى إعلان الاستنفار لمواجهة تداعيات الزلزال الذي ضرب إقليم كردستان والمناطق الإيرانية المحاذية، وأرسلت تركيا بدورها مساعدات عاجلة. فهل يُذيب هذا التدخل الإنساني القليل أو الكثير من جليد الخلافات السياسية؟

مأساة إنسانية تلك التي تعرفها المناطق المحاذية للحدود الإيرانية-العراقية، بسبب الزلزال الذي ضرب المنطقة مساء الأحد الماضي، مخلفا آلاف الضحايا بين قتيل وجريح. الخسائر البشرية كانت أكثر فداحة في الجانب الإيراني، إذ يتحدث المسؤولون هناك عن مصرع 530 شخصا على الأقل وجُرح 7460 آخرين، بينما قُتل في العراق سبعة أشخاص وجُرح 321 على الأقل، طبقا للأرقام.

هذه المأساة تأتي في سياق من الحساسيات السياسية في المنطقة، فالضحايا العراقيون ينتمون جميعا إلى إقليم كردستان العراق، لذلك ظهرت مخاوف كثيرة من إسقاط الخلاف السياسي على المأساة الإنسانية، على اعتبار أن إقليم كردستان  شهد قبل أسابيع قليلة مواجهات بين القوات الكردية ونظيرتها العراقية، في سياق تنظيم حكومة الإقليم لاستفتاء يمهد للانفصال عن بغداد.

مساعدات من خصوم الأكراد

المخاوف بدأت من تصريحات رئيس حكومة إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، الذي انتقد أمس الاثنين، عدم إرسال بغداد الدواء الكافي للإقليم، الذي يستضيف، حسب قوله، مئات الآلاف من النازحين العراقيين واللاجئين السوريين، في سياق حديثه عمّا قال إنها "قرارات غير دستورية لبغداد، تسعى من خلالها إلى إلغاء الكيان الدستوري للإقليم". غير أن بارزاني لم يشر صراحةَ إلى تقاعس سلطات العراق عن القيام بعمليات الإنقاذ والمساعدة إثرالزلزال.

Nechirvan Barzani Premierminister Irak Kurdistan (Imago/Xinhua)

رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني يخطط لزيارة أنقرة

وفي هذا الإطار، استبق رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أيّ تأويلات في هذا الموضوع، إذ أعلن أمس الاثنين أنه وجَّه فرق الدفاع المدني والمؤسسات ذات العلاقة بالحفاظ على أرواح المواطنين فور حدوث الهزة الأرضية، حسب ما جاء في بيان صدر من مكتبه الإعلامي.  وأشار البيان ذاته إلى أن هناك "متابعة مكثفة من قبل حيدر العبادي للآثار التي ترتبت جرّاء الهزة الأرضية". بيان العبادي، رافقه بيان آخر للداخلية العراقية، التي أعلنت عن استنفار فرق الدفاع المدني.

وتدخلت أنقرة بدورها في الجانب الإنساني، فقد أعلنت رئاسة الوزراء التركية، في بيان لمركزها الإعلامي أمس الاثنين، أن جمعية الهلال الأحمر بدأت بإرسال مساعدات إغاثية إنسانية إلى المتضّررين من الزلزال شمال العراق، وأن فريقًا من إدارة الكوارث والطوارئ وفريقًا للإنقاذ الطبي الوطني توجها إلى معبر خابور الحدودي مع العراق، فضلًا عن إرسال مواد إغاثة إنسانية إلى المعبر، واستعداد فرق أخرى للتوجه إلى المنطقة عند الضرورة.

أيّ رهان وراء المساعدات؟

ومن الناحية النظرية، تندرج المساعدات القادمة من نظامين، تعتبرهما حكومة كردستان من أكبر خصوم الأكراد في المنطقة، ضمن التضامن الإنساني، خاصة وأن دولا مثل إيطاليا وألمانيا وروسيا أبدت كذلك استعدادها للمساعدة، وفق تصريحات رسمية. لكن الخطوة التركية كانت وازنة أكثر، إذ كانت أنقرة أول عاصمة تُعلن إرسال المساعدات، وهو ما تلقاه نيجيرفان بارزاني بكثير من الإيجابية عندما شكر تركيا، متحدثا عن أن حكومته ترغب ببناء علاقات صداقة مع كل دول الجوار، وأنه يخطط لزيارة أنقرة.

غير أن نواف خليل، رئيس المركز الكردي للدراسات في بوخوم بألمانيا، يرى أن تركيا "ترغب فقط في تجميل صورتها أمام العالم"، وقال متحدثا لـDW  عربية إن "تركيا تسبّبت في تهجير 500 ألف كردي، وهي ترفض حتى أن تسمي إقليم كردستان العراق بهذا اللفظ المتفق عليه في العراق، وبالتالي لا يمكنها أن تكون صديقة للأكراد بسبب الزلزال".

 ولا يبدو خليل متفائلًا كثيرًا بتدخل بغداد لمواجهة آثار الزلزال، إذ يقول: "من الناحية الإنسانية ستظهر حكومة العراق أنها حكومة كل سكان البلد، ولكن من يعرف حكومات الشرق الأوسط يُدرك أنها لا تتعاطى مع القضايا الإنسانية بعيدًا عن الأجندات السياسية".

ويعرب خليل عن أمله في "ألّا تستخدم حكومة بغداد مأساة الزلزال للتدخل في الشأن الداخلي للإقليم"، مضيفًا أنه حتى الإدارة الكردية في الإقليم كانت سيئة في تدبيرها للكثير من الملفات، آملًا أن يترتب على المأساة الإنسانية توحيد للبيت الكردي من جديد، وفق قوله.

وضع متأزم ميدانياً

بعيدًا عن التجاذبات السياسية، يبقى الوضع الإنساني في الأجزاء، التي ضربها الزلزال من العراق متأزمًا، وفق ما تنقله روشان قاسم، وهي صحافية في كردستان العراق، تتحدث عن استمرار الهلع بين السكان، خاصة وأنها المرة الأولى، التي تتعرّض فيها مناطق كالسليمانية للزلزال، لافتة إلى أن الفرق الإغاثية لم تصل بعد، وأن التطوّر الأبرز كان وصول طائرة عسكرية تركية تحمل معدات ومواد غذائية وإغاثية.

وتتابع روشان قاسم في تصريحات لـDW عربية أن المواطنين في كردستان "فقدوا الثقة في الحكومتين، سواء المحلية أو المركزية"، وأن الزلزال مثّل "القشة التي قصمت ظهر المواطن الكردي بعد الزلازل السياسية". وتضيف قاسم أن ما يهم سكان الإقليم حاليًا هو "نهاية الخلاف السياسي بين أربيل وبغداد حتى لا تزداد معاناتهم اليومية، خاصة وأن الشتاء على الأبواب".

إ.ع

Iran Erdbeben Suche nach verschütteten Personen (picture-alliance/abaca/AA/F. Bahrami)