ولاء خضير - خاص ترك برس

عمد بعض المؤرِّخين والكتَّاب من العرب والغرب، إلى توجيه اللوم، والانتقادات القوية للدولة العثمانية، بسبب ما ادَّعوا أنه احتلالٌ للبلاد العربيَّة، ونهبٌ لخيراتها، واستنزافٌ لمقدَّراتها، من خلال فرض الضرائب، والحكم المستبد، في اتهام مفاده أنه الدولة العثمانية، "كان لها اليد المباشرة في رجعية العرب وتخلُّفهم"!.

وتمر ذكرى انتهاء الخلافة العثمانية، التي استمرت على مدى 630 عاما، بين من يعدها بطلة إسلامية في أعين مناصريها، ومحطمة العرب في أعين معارضيها!.

ومن يتعمق في قراءة التاريخ، يدرك تمامًا أن الدّولة العثمانية، لم تكن تفرض نفسها على الشّعوب المظلومة، بل كانت تستجيب لمطالب تلك الشّعوب، سواء المسلمة وغير المسلمة، ويدرك دور الدولة العثمانية في نشر الإسلام في أوروبا، وحماية الأماكن المقدسة، وحماية البلاد العربية، لا سيما في ظل الاستعمار، الذي حاك المؤمرات، وسعى إلى السيطرة على البلاد!.

الخلافة العثمانية، هي آخر إمبراطورية إسلامية، أسسها عثمان الأول، وبدأت الدولة العثمانية بإمارة صغيرة في آسيا الصغرى، محصورة بين البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود.

وتأسست على يد آل عثمان، الذين حولوها إلى إمبراطورية عظمى، توسعت في قارة أوروبا، لتشمل البلاد العربية، إلى المغرب الأقصى، وعلى يدهم تجددت الخلافة الإسلامية، التي امتدت منذ عام 1299 م، وحتى عام 1924م، وهو تاريخ سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية.

وكان آخر سلاطينها، هو السلطان العثماني عبد المجيد، الذي ظل على رأس الإمبراطورية لعامين فقط، وكان قد انتخب للخلافة، بواسطة الجمعية الوطنية التركية فى أنقرة، واستقر فى اسطنبول، ومُنح لقب جنرال الجيش العثماني، وتم تنحيته على يد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، ويكون اتاتورك هو من قد أسدل الستار على الدولة العثمانية!.

وقد تناول الكثير من المؤرخين، وغيرهم من المؤلفين، تاريخ الدولة العثمانية، وكان تركيزهم على الجانب السياسي والعسكري، وأهمَلوا الجوانب الحضارية، التي عملت الدولة العثمانية على قيامها في جميع البلاد العربية، والتي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم!.

حكمت الدولة العثمانية العالم الإسلامي قرابة ثمانية قرون، استطاعت خلالها إقامة إمبراطورية عظيمة في آسيا وأفريقيا وأجزاء من أوروبا، وضمت دولة الخلافة العثمانية، معظم الدول العربية، وفي مقدمتهم مصر، والشام، والحجاز، وظلت مصر تحت السيادة العثمانية أربع قرون كاملة، منذ عام 1517 وحتى 1923.

وفي رد على مزاعم الركود والتدهور والتراجع والتخلف، الذي أصاب العواصم العربية، في العهد العثماني، ذكر الكاتب شعبان صوان، في كتابه النمو الحضري، ما وثقه التاريخ بحق الدولة العثمانية، إبان حكمها للبلاد العربية! ويذكر في كتابه قول المؤرخ أندريه ريمون: "تميز إنشاء الإمبراطورية العثمانية، بنمو شبه عام في جميع مدن العالم العربي الكبرى، صحيح أن بعض هذه المدن توقفت عن كونها عواصم دول، وانتُقِصَ من قدرها، لتصبح مجرد مدن رئيسية في ولايات، الأمر الذي قد يتسبب في تدهورها، ولكن العوامل العامة السابق ذكرها (من تنوع السكان، والحج، والنمو الاقتصادي، وعودة الأمن)، عوضت هذا الجانب السلبي.

تونس والجزائر مثلاً، سرعان ما عادتا لتصبحا من جديد عاصمتين لدولتين شبه مستقلتين، أما بالنسبة لدمشق وحلب والموصل وبغداد، فقد بقيت كلها عواصم لولايات، وهو الأمر الذي كان قائمًا من قبل الفتح العثماني، "المدن العربية الكبرى في العصر العثماني"، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع.

والخلاصة، إن أي تراجع لم يحدث في مكانة المدن العربية، إلا في المكانة السياسية للقاهرة، وهو ما تم تعويضه بعوامل الازدهار، التي جاء بها الانضمام إلى دولة جديدة واسعة، ومتنوعة، وآمنة، أصبحت فيها القاهرة المدينة، التي تلي عاصمة الدولة العثمانية مباشرة.

ومصر كانت هي الولاية الأولى في الدولة، والتشريفات السلطانية، مقدمة على أوروبا العثمانية، التي احتلت المكانة الأولى فيما سبق، ومقدمة حتى على الأناضول نفسه، وقد استمر النمو الحضري فيها حتى آخر أيام الخلافة العثمانية.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سمعنا عن نشوء مدن جديدة كالناصرية، والعمارة، في جنوب العراق، لأجل توطين العشائر البدوية، التي كانت مثيلاتها تعاني الإبادة في نفس الفترة، في الولايات المتحدة.

وقد سمعنا عن نشوء مدينة بئر السبع في فلسطين، في وقت متأخر جدًا، رغم ضعف الدولة العثمانية، وإفلاس الخزينة، وذلك لغرض مزدوج، هو توطين العشائر البدوية، والتصدي للتمدد الاستعماري البريطاني، الذي يحتل مصر.

وعمرت الدولة العثمانية الكثير من المواقع الفلسطينية، لمواجهة الأطماع الصهيونية والغربية، هذا بالإضافة إلى انتعاش المدن العربية على طول خط الحجاز، والانتعاش الذي كان ينتظر الحواضر العربية، كالكويت الواقعة على خط بغداد، لولا التآمر الاستعماري البريطاني!.

كما حصلت مدينة بيروت، في زمن السلطان عبدالحميد الثاني، على اهتمام خاص، أدى بها إلى تطورات عمرانية، وتعليمية، وصحية، وفي المواصلات البرية والبحرية، والبنية التحتية، كالمياه والإنارة، والمرافق التجميلية كالحدائق والمتنزهات، مما جعلها درة آل عثمان، كما وصفها الامبراطور الألماني ويلهلم الثاني.

ومما يجدر ذكره، أن الجوانب الإيجابية في الدولة العثمانية، كانت في مرحلة العصر العثماني الأولى، عصر القوة والتوسع، أما مراحلها الأخيرة للدولة العثمانية، فتمثل ببعض الجوانب السلبية، وقت الضعف والتراجع والانهيار، والتآمر من الدول الأوروبية.

وبعد هذا الاستعراض السريع والمختصر لبعض إنجازات الخلافة العثمانية، إبان حكمها للبلاد العربية، والتي لا يسع ذكرها جميعا في ملف واحد، يظهر أن الانشغال بتشويه مرحلة تاريخية، اتسمت بإنجازات كبرى، عجزت عنها الكثير من الحضارات، وواجهت المصاعب، رغم كل المؤمرات عليها، يقود إلى التجزئة والتبعية التي يريدها الغرب، في الوقت الذي تؤكد فيه الداراسات التاريخية، أن تاريخ حكم الدولة العثمانية، وحد البلاد العربية، وحماها عسكريا ضد الحملات الصليبية، ونهض بها حضاريا.