بعد الخسارة الجسيمة لأكراد العراق في الأيام الماضية طفت إلى السطح مجدداً مسألة مستقبل مسعود برزاني السياسي. كيف تبدو آفاق وريث وحارس "البرزانية السياسية"؟ وما دور كل من الاقتصاد والجوار الإقليمي في تقويض شعبيته؟

دعا رئيس برلمان إقليم كردستان العراق يوسف محمد الثلاثاء (17 تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، مسعود برزاني إلى التنحي عن السلطة، مشيراً إلى أنه "سيقدم خدمة كبيرة لشعب كردستان عند استقالته". وقال محمد في كلمة خاصة بشأن الأوضاع في كركوك: "إننا جميعا أسرى لنخبة سياسية تعمل للسيطرة على ثروات الوطن من أجل توسيع سلطتها.. هذه النخبة السياسية تتاجر بتضحيات الشعب ودماء شهدائه"، بحسب ما نقلت وكالة أنباء الإعلام العراقي/ واع.

تراجع في شعبية برزاني

يأتي ذلك بعيد استعادة قوات الحكومة المركزية في بغداد سيطرتها على مدينة كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها مع الإقليم. في هذا السياق قال رئيس المركز المصري للدراسات والبحوث الكوردية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية رجائي فايد إن الخسارات العسكرية لكردستان العراق في الأيام القلية الماضية ستؤدي "للتأثير سلباً على شعبية برزاني". ويذهب الخبير بالشؤون الكردية أبعد من ذلك في حديث لـDW  عربية: "ربما يؤدي هذا الأمر إلى عزلته السياسية تماماً".

ويستنتج فايد من رسالة برزاني إلى "شعب كردستان والرأي العام الكردستاني والعراقي والعالمي" أمس الثلاثاء أن الزعيم الكردي يتصف بـ"العناد والمكابرة وعدم التسليم بما حدث من هزيمة فادحة".

ومن جانبه، لا يعتقد الدكتور بيار دوسكي من الجامعة الأمريكية في دهوك في حوار مع DW عربية أن ما حدث في الأيام القليلة الماضية سيؤثر على شعبية برزاني "كثيراً". ويعلل ذلك بأن بارزاني "استجاب لرغبة الناس بالإصرار على إجراء الاستفتاء". كما يستند دوسكي في معرض تبريره "للقاعدة الشعبية الكبيرة ولرمزية عائلة برزاني".

Irak Kirkuk Regierungstruppen übernehmen die Stadt (picture-alliance/abaca/H. Ghaedi)

شكل السقوط الدراماتيكي لكركوك ضربة موجعة للحلم الكردي

دعم إقليمي للمنافسين والخصوم

خاطب رئيس برلمان إقليم كردستان العراق  وسف محمد مسعود برزاني قائلاً: "عليك الاعتراف بالفشل وترك شعبنا يقرر مصيره بنفسه وليس أن تحدده أنت بحسب رغباتك". وينتمي محمد إلى حركة "حركة التغيير" (غوران)، التي تأسست على يد نوشيروان مصطفى عام 2009 بعد تركه حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال طالباني. وفي انتخابات 2013 البرلمانية في الإقليم حصلت الحركة على 24 مقعداً من أصل 111 مقعداً متقدمةً على حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" ولتصبح القوى الثانية في برلمان كردستان العراق بعد "حزب برزاني".

وكان "الحزب الديموقراطي الكردستاني" بزعامة برزاني قد منع في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 رئيس برلمان الإقليم يوسف محمد من دخول مدينة أربيل، عاصمة الإقليم، وعطل عمل البرلمان منذ ذلك التاريخ. وقاطع نواب حركة التغيير ونواب "الجماعة الإسلامية في كردستان العراق"، التي لها ستة مقاعد في البرلمان، جلسة البرلمان العراقي في 25 أيلول/ سبتمبر الماضي والتي صادقت على إجراء الاستفتاء على استقلال كردستان عن العراق.

وتأسس حزب "الجماعة الإسلامية في كردستان العراق" عام 2001 على يد علي بابير، العضو السابق في "الحركة الإسلامية في كردستان العراق".

والجدير ذكره أن "حزب طالباني" انشق عن "حزب برزاني" في عام 1975 وعقد مؤتمره التأسيسي في دمشق. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط طالباني بعلاقات وثيقة مع دمشق ومن ثم مع طهران. كما تتحدث مصادر عن "علاقة مقربة" تربط حزب "الجماعة الإسلامية في كردستان العراق" مع كل من أنقرة وطهران. كما ترتبط هاتان الجهتان بعلاقات جيدة مع كل من بغداد وأنقرة.

استفتاء "فرض بالقوة"

بعد فوزه في الانتخابات غير المباشرة عام 2005، أعيد انتخاب برزاني مرة أخرى في 2009 بنحو 70 في المئة من الأصوات في أول انتخابات عامة مباشرة، ليبدأ ولاية جديدة من أربع سنوات. وبعد انقضاء المدة، مدد برلمان الإقليم ولاية برزاني لعامين آخرين. لكن برزاني لم يغادر منصبه مع انتهاء هذين العامين في 2015، ما أثار أزمة داخل الإقليم.

وأمام المعارضة القوية من خصومه، قال إنه لن يترشح للرئاسة. لكنه بعد الاستفتاء أنشأ "المجلس السياسي الأعلى لكردستان" برئاسته، على أن تكون مهمته "إدارة نتائج الاستفتاء والعلاقات مع بغداد والدول المجاورة".

Ungewöhnliche Allianzen (AP)

يرتبط "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بعلاقات وثيقة مع طهران

وبشكل أعمق، يشعر قادة الاتحاد الوطني الكردستاني أن برزاني كان يتخذ القرارات بمفرده، لا سيما بسبب مرض خصمه جلال طالباني الذي توفي في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر. وتقول النائبة من" الاتحاد الوطني الكردستاني" في البرلمان العراقي آلاء طالباني إن الاستفتاء "فرض بالقوة" من جانب رئيس رفض الاستماع إلى حلفائه.

كما دعا يوسف محمد مسعود برزاني "الذي يحكم بشكل شرعي وغير شرعي منذ 12عاماً على رأس هرم السلطة"، أن يقدم "خدمة كبيرة لشعبه من خلال استقالته من منصبه".

يعتقد رجائي فايد أن ما يضمن بقاء برزاني في السلطة هو فقط "القوة العسكرية المتمثلة في قوات البيشمركة، والتي يسيطر عليها تماماً"، في إشارة إلى جزء من قوات البيشمركة الذي يسيطر عليه برزاني.

بوادر انشقاق

في مقابلة مع فضائية "العربية الحدث" تحدث سكرتير "الحزب الديموقراطي الكردستاني" وأمين سر مكتبه السياسي فاضل ميراني عن "اعتزازي بعراقيتي طالما كردستان غير مستقلة"، مضيفاً بالقول: "في الوقت الحاضر كل الأراضي عراقية. لا توجد أراضي عراقية وأخرى غير عراقية. كركوك عراقية مثلها مثلها مثل السماواة والناصرية".

يستشعر فايد في ذلك "مراجعة للمواقف" من قبل بعض قيادات حزب برزاني. ويعتبر فايد ذلك "مؤشراً حقيقياً على محاولة عدة أطراف من داخل تيار برزاني للتنصُّل مما حدث". ومن جانب آخر رأى البعض أن في التصريحات "محاولة لامتصاص الصدمة" وربما لـ"توزيع الأدوار".

تدهور اقتصادي

قالت النائبة الكردية آلاء طالباني: "لا أحد يعلم أين هي أموال آبار النفط وإنتاجها في وقت يسيطر فيه حزب برزاني عليها منذ حزيران/ يونيو 2014". من جانبه أشار لاهور شيخ جنكي، المسؤول العام للجهاز الكردي لمكافحة الإرهاب في منطقة السليمانية، معقل الاتحاد الوطني الكردستاني بالقول: "فيما كنا نقوم بحماية الشعب الكردي، كان مسعود برزاني يسرق النفط ويعزز نفوذه"، مضيفاً في بيان له: "اعتباراً من الآن، لن نضحي بأبنائنا من أجل عرش مسعود برزاني".

ونشرت وكالة فرانس برس قبل حوالي شهر من الآن تقريراً عن الوضع الاقتصادي للإقليم مستندة لدراسة للبنك الدولي عام 2015. وذكرت الدراسة أن عجز الميزانية وتدفق النازحين كان لهما أثر سلبي على اقتصاد الإقليم، وأدّى إلى "انخفاض قدره 5 بالمئة في نسبة النمو بين عامي 2013 و2014، وارتفاع معدل الفقر إلى 8.1 بالمئة بعد إن كان 3,5 بالمئة للفترة نفسها". وأكد مصدر بارز في حكومة الإقليم لفرانس برس انخفاض أجور الموظفين الحكوميين منذ نهاية 2015 بنسبة 60 بالمئة. والأسوأ من ذلك أنه لم يتم دفع رواتب موظفي الإقليم، وعددهم 1.2 مليون شخص، خلال شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين.

وترى الخبيرة في شؤون النفط العراقي ربى حصري أن الأزمة أكثر سوءاً مما تدعيه حكومة كردستان، موضحة أن "خزائن كردستان فارغة والإقليم ممزق بالديون". وترى الخبيرة النفطية أن "الاستفتاء يمثل هرباً إلى الإمام من أجل البقاء في السلطة فيما الوضع الاقتصادي كارثي".

ووسط الحصار المطبق على الإقليم وتلك الأوضاع الصعبة بالنسبة للأكراد فإن خسارة كركوك تشكل ضربة اقتصادية كبيرة لبرزاني. بيّد أن رجائي فايد يعتقد أن "الملف الاقتصادي سيفلت من يد الجميع وليس برزاني وحده".

خالد سلامة/ س.أ/ ي.ي

  • Irak Mustafa Barzani und Abdel Rahman Araf (picture-alliance/dpa/United Archives/TopFoto)

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    اتفاقيات سلام عديدة

    وقعت الحكومة العراقية مع الاكراد اتفاقيات سلام عدة، إحداها بين الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف الظاهر في الصورة والزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني - يسار الصورة- بعد سلسلة من الثورات. الاتفاقية منحت للأكراد حكما ذاتيا واعترفت باللغة الكردية كلغة رسمية.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1974 أزمة جديدة

    تأزمت العلاقة بين الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني بعد مطالبة الملا مصطفي برزاني بالحصول على آبار نفط كركوك والأكراد ينادون بثورة جديدة.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1975 الانشقاق الكردي

    جلال طالباني أعلن من دمشق عن تأسيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بما مثل انشقاقا جوهريا تاريخيا وخروجا عن سلطة الملا مصطفى برزاني الذي يعده الاكراد زعيما تاريخيا.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1987 الوحدة القلقة

    جلال طالباني (يسار) ومسعود برزاني (يمين)، نجل مصطفي برزاني، يعلنان عن تأسيس الجبهة الكردستانية، التي تعرضت فيما بعد الى هزات عنيفة وشهدت حربا بين الزعيمين وحزبيهما.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1991 انتفاضة آذار

    قوات كردية بقيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني بدأت انتفاضة ضد الحكومة العراقية إثر غزو الكويت وهزيمة القوات العراقية فيها. لكن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين أخمدها بالقوة لينزح على إثرها أكثر من مليون كردي الى دول الجوار.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1992 انتخابات فوق خط العرض 32

    عُقدت انتخابات برلمانية في أربيل عاصمة الاقليم ضمن منطقة الحماية الجوية الدولية شمال خط العرض 36 ، حصل فيها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على 49.2 بالمئة من الاصوات فيما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 50.8 بالمئة ليتقاسما مقاعد البرلمان ويشكلا حكومة جديدة.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    1994 حرب الأخوة الأعداء

    اشتباكات بين قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تمتد الى حرب أهلية شاملة انتهت باتفاق سلام وقع في واشنطن عام 1998.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    2005 بداية عصر الكرد الذهبي في العراق

    بعد اسقاط نظام صدام حسين عام 2003 ، شهد الأكراد ولادة إقليم كردستان العراق بقوات مسلحة وشرطة وبعلم ودستور ونشيد قومي وحكومة وبرلمان مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد. كما انتخب مسعود برزاني رئيسا للإقليم وجلال طالباني رئيسا لجمهورية العراق.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    2009 بداية عصر النفط الكردي

    بدأ الإقليم في تصدير النفط الخام إلى الخارج بمعدل 90 إلى 100 ألف برميل يوميا، ليصل إلى 600 ألف برميل يوميا في 2017. وسبب هذا خلافات حادة مع الحكومة المركزية ومع دول الجوار.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    2014 مشروع الاستفتاء

    مسعود برزاني يعلن عن إجراء استفتاء لاستقلال الإقليم عن العراق. لكن اجتياح داعش لبعض القرى الكردية أجل الاستفتاء. في نفس العام، تلقت قوات البيشمركة دعم الوجستيا وعسكري امن الجيش الأمريكي للمساعدة في مواجهة داعش.

  • default

    محطات في تاريخ الحركة الكردية بالشرق الأوسط

    2017 الاستفتاء بات حقيقة

    رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني يعلن عن إجراء استفتاء شعبي نهاية شهر سبتمبر/أيلول لاستقلال الإقليم عن العراق. والحكومة في بغداد ترفض ذلك، كما رفضت الأمم المتحدة الإشراف على عملية الاستفتاء.