إحسان فقيه - خاص ترك برس

"إنني أُوقِّع كل يوم على مستندات كثيرة فيها مبالغ ضخمة، وإن للأموال جاذبية، ولو لمْ نر فقر هؤلاء الأهالي، فكيف يتسنى لنا إصلاح نفوسنا؟ كيف نتغلب على ألا نأكل الحرام أو نستسيغ منه لقمة واحدة؟ وكيف نقاوم جاذبية هذه الأموال في لحظة نكون فيها بمفردنا؟".

كان ذلك المقطع إجابة الرئيس رجب طيب أردوغان - إبان توليه منصب عمدة إسطنبول - على أحد رفقائه عندما عرض عليه أن يرسلوا المساعدات إلى الفقراء بدلا من قيامهم بهذه المهمة بأنفسهم.

فالرجل قد تأثر بمشهد البؤس الذي رآه في منزل أحد الفقراء، حيث دخل بصحبة أردوغان الذي دأب على تناول الإفطار مع الفقراء في رمضان، حيث خلع عمدة إسطنبول حذاءه، وافترش الغبراء مع أهل البيت، والتفوا على صينية من الألمنيوم، عليها قطع من الخبز وبعض الأعشاب المسلوقة، فأراد إعفاءه من مطالعة مثل هذا المشهد، إلا أن قائده أردوغان علّمه درسا في مزج السياسة والقيادة بالعاطفة.

كثير من الزعماء والقادة اكتسبوا شهرتهم وذاع صيتهم بعنصر القوة والحزم المفرط، فالكاريزما التي كانت لهتلر مثلا مصدرها قوته النفسية وجرأته وصلابته وما أصابه من جنون العظمة، لكن الزعيم أردوغان كان من الشخصيات النادرة التي جمعت بين القوة والحزم، وبروز الجانب الإنساني العاطفي، فتشكلت له كاريزما مغايرة لأقرانه.

الرجل الذي جلس في مؤتمر دافوس بجانب رئيس الكيان الصهيوني بيريز واضعًا إحدى رجليه على الأخرى في شموخ، واتهم الرئيس الإسرائيلي في جرأة مدهشة بسفك دماء الفلسطينيين ثم غادر المؤتمر، هو ذاته الرئيس الذي يُقبِّل أيادي العجائز، وتذرف عيناه الدموع على الفقراء والمضطهدين وضحايا الظلم.

ولعل العبارة التي صدّرت بها مقالتي، تكشف هذا الجانب في حياة الزعيم، فهو لا يفصل بين الجانب القيادي والجانب الإنساني، فيستفيد من تلك العاطفة الحية في تقويم مسلكه القيادي والإداري، ويرى في الوقت ذاته أن القيادة ليست تنظيرا وإصدارا للأوامر والتحدث من فوق الأبراج العاجية ومن وراء شاشات التلفاز، وإنما هي الانخراط والانصهار مع واقع الناس.

وأنا أصر على تسمية أردوغان بالزعيم، لأن حجمه تخطى كونه رئيسا للجمهورية التركية التي دخلت نادي العشرين، وأصبحت من القوى الفاعلة والمؤثرة إقليميا ودوليا، فالرجل قد وصل إلى مركزه عبر أكتاف الشعب وليس من خلال المعارك الحزبية، وأصبحت شعبيته جارفة ليس في تركيا فحسب، وإنما في الوطن العربي والإسلامي.

لعل الجانب الإنساني والعاطفي البارز في حياة أردوغان، كان أحد أبرز الأسباب التي أثارت إعجاب الشعوب العربية والإسلامية، والتي تشتاق لتلك اللمسات الإنسانية بعدما تجرعت مُرّ الدكتاتورية في معظم بقاع العالم الإسلامي العربي.

أردوغان يوقفه طفل أثناء رحلته ويستضيفه في بيته، فيلبي الزعيم رغبة الطفل ويدخل بصحبة قرينته ومساعديه، ليكتشف أن ذلك القلب الصغير يهفو للقائه بسبب تأثر والديه بسيرة الزعيم ومواقفه.

طفل يراه فيقول "عمي طيب" هكذا يدعوه ويعتبره عماً له، ويضيف "أمي أعدت شطيرة باللحم ونحن ننتظرك على الطعام"، هكذا بكل ببساطة وأريحية، فيجيبه الزعيم "حسنا تعال لترشدني إلى الطريق فعشائي اليوم عندكم".

كيف سينظر هؤلاء الأطفال إلى زعيمهم، وكيف سيكون انتماؤهم لوطنهم؟ إنها لمسات تصنع أجيالا صالحة ترى الزعامة والسؤدد رحمة وتقوى وصلاحا وإصلاحا.

ذات يوم في إسطنبول، اصطحب العمدة أردوغان، الجهة الموكل إليها هدم قرية تم الاتفاق مع أهلها بشأن التعويضات، وجلس يستمع إلى حكايات امرأة عجوز عن القرية وذكرياتها، فذرف الدموع لأشجان حديثها، ولمس في عينيها وعيون أهل القرية عدم رضاهم عن إخلاء القرية، فيأمر الفريق بالمغادرة، لا لشيء إلا لأن الإنسان أولا لدى هذا الزعيم.

أردوغان يقف بعد صلاة الجمعة على باب المسجد ليوزع الكعك - الذي اشتراه من خالص ماله- على المصلين، كيف سيكون شعور المواطن وهو يرى نفسه أمام رئيسه مباشرة، ويصافحه ويأخذ من يده الكعك؟

أردوغان الذي لم يملك دموعه حين عرض مقدم البرنامج الذي استضافه، رسالة الدكتور محمد البلتاجي القيادي بجماعة الإخوان المسلمين بمصر، والتي رثى بها ابنته بعد استشهادها في مجزرة رابعة، كيف سينظر إليه المضطهدون في شتى بقاع الأرض عندما يقول للعالم أجمع بلسان الحال: الزعيم إنسان؟

أردوغان يتناول طعامه مع الفقراء في بيوتهم، يأكل في أوانيهم، ومن طعامهم المتواضع، يجالسهم على الأرض، ويُجلس صغارهم على رجله وهو يحتسي معهم الشاي، ترى ما هو شعور هؤلاء الفقراء عندما يرون ذلك الاهتمام من رجل الوطن الأول؟ وأي شعور بالأمان سوف يتدفق في نفوسهم وهم يجدون قائدهم يتفقد أحوالهم؟

أردوغان يقبل يد العجوز والشيخ المسن..

أردوغان يصلي على الأرض خارج المسجد عندما يأتي لصلاة الجمعة متأخرا حتى لا يتجاوز الرقاب..

أردوغان يسير في الجنازة ويحمل النعش على كتفه..

أردوغان يقدم واجب العزاء ويجلس متربعا على الأريكة ويتلوا آيات القرآن..

أردوغان يلقي قصيدة شعرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيبكي الجماهير...

أردوغان يشارك في مباريات الكرة ويرتدي الزي الرياضي ويحرز الأهداف ويسعد الجماهير...

تلك اللمسات الإنسانية التي بدت من الزعيم منذ بداية مشواره السياسي، تركت آثارها في قلوب الملايين، فانتشر في الوطن العربي تسمية المواليد بـ رجب أردوغان، وصار أنموذجا فريدا من الزعماء يتمنى الكثيرون من أبناء الأمة أن يمن الله عليهم بمثله يُولى عليهم.

ومن جميل ما يُروى بشأن أردوغان، أنه أثناء فترة اعتقاله بعد إلقائه قصيدة شعرية ذات صبغة إسلامية إبان توليه رئاسة بلدية اسطنبول، أن شابا وفتاة كانا على وشك الزواج، فأرسلا إليه في سجنه: "إننا ننتظر خروجك من السجن حتى نتزوج، فلا نريد أن نتزوج طالما أنت مسجون".

الجانب العاطفي الإنساني في حياة أردوغان أخرج الكثيرين من أعوان الطغاة في أمتنا عن شعورهم، ولم يجدوا بُدّا من التشغيب عليه من خلال تلك المآثر نفسها، فاتهموه بالمخادعة والتمثيل والتكلف لاستمالة القلوب، غير أن واقع الرجل ينفي ذلك جملة وتفصيلا، فمحال أن يتكلف إنسان أفعالا على هذا النحو طيلة هذه السنوات، فترجمة هذه العاطفة الحية تظهر عليه في جميع أحواله، وهو ما يستحيل معه التصنّع.

لو أنصف هؤلاء لعلموا أن العاطفة الحية التي اقترنت بالشخصية القيادية لأردوغان، كانت لها عوامل شكلتها.

أبرز هذه العوامل نشأته الدينية وخلفيته الإسلامية، فقد نشأ في بيئة محافظة متدينة، فجدّه قُتل أثناء أدائه الصلاة في المسجد لأنه وقف ضد محاولة للاستيلاء على أوقاف القرية، كما عرف والديه بالتدين، والبيت كان مشهودا له بالصلاح والإنفاق على الفقراء رغم ضيق اليد.

وإضافة إلى ذلك فقد ترعرع أردوغان في المناخ الإيماني الذي أوجده المصلح بديع الزمان النورسي مقابل السطوة العلمانية، وحتى العمل السياسي الذي خاضه أردوغان كان من خلال أحزاب ذات جذور إسلامية انطلقت من ذلك الأساس الروحي الذي وضعه النورسي.

كما أنه التحق بمعهد الأئمة والخطباء ونال فيه قسطا من العلوم الشرعية، أثّرت في تكوينه بشكل قوي.

العامل الثاني الذي أسهم في تشكيل الجانب العاطفي الإنساني في شخصية أردوغان، هو النشأة الشعبية، فأردوغان ابن الشعب، نشأ على ذات المعاناة التي نشأت عليها البيئة الشعبية، وليس الخبر كالمعاينة، ولن يشعر بالفقير والضعيف إلا من ذاق نفس الطعم.

أردوغان نشأ في حي شعبي بسيط، من أسرة فقيرة، كان يدرس ويعمل من أجل نفقات الدراسة، وحتى يساعد والده في الإنفاق على إخوته، كان يبيع البطيخ أحيانا، وأحيانا أخرى يبيع السميط.

لم يكن الفقر والمعاناة فقط ما شكّل هذه العاطفة الحية لدى أردوغان، فالرجل نشأ في حي قاسم باشا، والذي كان رغم شدة بأس أهله، مدرسة اكتسب من خلالها أردوغان قيم الشهامة والمروءة والنّبل.

شئنا أم أبينا، هذا الرجل من الشخصيات القيادية النادرة التي جمعت بين الحزم وحسن التدبير والإدارة، وبين العاطفة الإنسانية الحية، وليت من يتطاولون عليه يخبروننا عن قادتهم وزعمائهم.