انطلقت المناقشات العامة لأعمال الدورة العادية الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2017، وذلك يوم الثلاثاء الماضي الذي وافق 19 سبتمبر (أيلول) 2017، في مقر الأمم المتحدة الرئيس بنيويورك، وكان الموضوع الرئيس للدورة هذا العام تحت عنوان: «التركيز على الناس: السعي من أجل السلام والحياة الكريمة للجميع على كوكب مستدام».

الجمعية العامة للأمم المتحدة يحضرها هذا العالم أكثر من مائة من قادة الدول المختلفة حول العالم، من رؤساء، وأمراء، وملوك، ويلقي معظمهم خطابات أثناء أعمال الجمعية العامة، حول رؤياهم عما يجري في العالم؛ فالجمعية العامة للأمم المتحدة هي أحد المنابر الرئيسية التي يتمكن من خلالها قادة ورؤساء العالم من توجيه رسائلهم للعالم كله، والتحدث عن المشكلات الكبرى الجارية مثل التعليم، والبيئة، وتغير المناخ، والتنمية الاجتماعية، والتكنولوجيا والابتكار، والمياه، والتجارة، والتنمية البشرية، بحسب الموضوعات التي أدرجتها الجمعية على جدول أعمال المناقشات لهذا العام.

72 عامًا مضت متضمنة 72 اجتماعًا ودورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تحوي كل دول العالم تقريبًا في الوقت الحالي. كل قادة العالم مروا من هنا، وتمكَّنوا جميعًا من إلقاء الخطب السياسية التي تخدم مصالحهم أو مصالح غيرهم على مدار السنوات، ولكن بالطبع كانت هناك لحظات كوميدية أو محرجة ظلت حاضرة في الذاكرة على مدار السنوات، وهو ما نحاول عرضه في هذا التقرير.

بوش في حاجة إلى «بيت الراحة»

في أحد اجتماعات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ضمن سلسلة اجتماعات الجمعية العامة، وتحديدًا يوم 14 سبتمبر (أيلول) 2005، التقط أحد مصوري وكالة رويترز الإخبارية، ريك ويلكينج، صورة لورقة مرَّرها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، إلى وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، كوندوليزا رايس، والتي كتب فيها بعض العبارات قبل أن يمررها للوزيرة ويترك القاعة والاجتماع.e9994061b3.jpg

bushXcopy.jpg%E2%80%9D

المصور الفوتوغرافي البارع، صاحب خبرة 12 عامًا في البيت الأبيض والمناسبات الكبرى حينها، استطاع أن يقوم بتقريب عدسته إلى الورقة التي كتبها الرئيس بوش باستخدام قلم رصاص، والتي اتضح أنه مكتوب فيها «أعتقد أنني بحاجة إلى استراحة للذهاب إلى الحمَّام، فهل هذا ممكن؟».

المُصوِّر ريك ويلكينج قال لاحقًا إنه التقط الصورة من باب الفضول، ولم يكن يعرف ما كتبه الرئيس الأمريكي حينها فيها، مؤكدًا أن السؤال الذي كتبه بوش لرايس لم يكن مفاجئًا، وذلك نظرًا لقلة خبرة بوش في حضور اجتماعات الأمم المتحدة، مثل تلك الخبرة التي تمتلكها رايس؛ فلم يكن على علم بالبروتوكول الخاص بالأمم المتحدة بالدخول والخروج أثناء الاجتماعات.

القذافي: زعيم كوميديا الأمم المتحدة

يوصف الزعيم الليبي الراحل بلقب زعيم كوميديا الأمم المتحدة؛ ليس ذلك نظرًا لكونه خفيف الظل ويستطيع المزاح في خطاباته، ولكن نظرًا لتصرفاته الغريبة والمفاجأة التي تكون سببًا للضحك عادةً. الخطاب التاريخي للقذافي كان ذلك الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2009، وهو الخطاب الذي ألقاه خلال أول زيارة له للأمم المتحدة، وذلك بالرغم من وجوده على رأس الحكم الليبي منذ عام 1969، ولكن يبدو أنه قرر أن يلقي خطابًا يعبر فيه عن كل ما أراد أن يتحدث عنه أمام الأمم المتحدة منذ توليه السلطة وحتى ذلك التاريخ، أي أنه خطاب يحمل تاريخ 40 عامًا كاملة.7935e28184.jpg

qaddafi.span_.jpg%E2%80%9D

سلَّط القذافي الضوء في خطابه على كل شيء في العالم تقريبًا: إسرائيل، وحركة طالبان، والغزو الأمريكي لجرينادا عام 1983، وحتى وصولًا إلى أنفلونزا الخنازير، مارًا في المنتصف بالهجوم على مجلس الأمن، والذي أكد أنه يجب أن يتم تسميته مجلس الإرهاب بدلًا من ذلك.

الأمر الآخر في الخطاب نفسه هو عندما حمل القذافي نسخة من ميثاق الأمم المتحدة، والذي قرأ منه بعض الجمل، ثم قام بتمزيقه وإلقائه أمام القادة والرؤساء أثناء الخطاب الذي استمر قرابة 100 دقيقة كاملة؛ غير أن الوقت المسموح به لإلقاء الخطب في الأساس طبقًا لنظام الأمم المتحدة هو 15 دقيقة فقط لكل فرد؛ ولكن القذافي استمر لأكثر من ساعة ونصف ساعة كاملة.

ولمَّا كان خطاب الرئيس الأمريكي حينها، باراك أوباما، قبل خطاب القذافي، فإنه لم يلتزم بفترة 15 دقيقة لخطابه حينها، بل تحدث لمدة 40 دقيقة كاملة، نظرًا لكونه الخطاب الأول لأوباما في الأمم المتحدة بعد أن أصبح رئيسًا؛ غير أن القذافي اتخذ من ذلك مهربًا له لعدم الالتزام بتوقيت الخطاب أيضًا؛ فكلما أرسل أحد له أي شيء يستعجله لإنهاء خطابه، رفض معللًا بأنه طالما الرئيس الأمريكي استطاع تخطي الوقت المسموح للخطاب، فهو أيضًا يمكنه ذلك.

وعلى الرغم من وجود الرئيس الكوبي فيدل كاسترو في القاعة، والذي يعتبر صاحب أطول خطبة في الأمم المتحدة في التاريخ، والتي وصلت إلى أربع ساعات ونصف الساعة عام 1960 جالسًا، إلا أنه لم يجد بُدًّا من النوم في خطبة القذافي التي استمرت ساعة ونصف الساعة.228d4101cf.jpg

56029e81c4618830668b4604.jpg%E2%80%9D

خطاب القذافي الطويل كان سببًا لانهيار المترجم الفوري، والذي يقوم بترجمة ما يقوله القذافي من العربية إلى الإنجليزية للرؤساء، والزعماء الآخرين؛ حيث قام بترجمة 75 دقيقة كاملة، إلا أنه بعد ذلك انهار عبر السماعات التي يستمع عبرها القادة الرؤساء؛ مؤكدًا أنه لا يستطيع ترجمة كلام القذافي مرة أخرى.

وحدثت خلال القمة أزمة بسبب خيمة الرئيس الليبي في ذلك الوقت، حيث طالب بإقامة خيمة بدوية كبيرة له في نيويورك إلا أن طلبه قوبل بالرفض؛ ولكن أحد كبار أباطرة تجارة العقارات في ذلك الوقت والرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب احتوى الأزمة بسماحه للقذافي بإقامة الخيمة في فناء منزله.

شافيز الفنَّان وطارد «الأرواح الشريرة»

الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافيز وخطاباته كان لها نصيب من الكوميديا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ ففي مناسبة أولى، وتحديدًا في 27 سبتمبر (أيلول) 2012، قال شافيز في خطابه «لقد جاء الشيطان إلى هنا أمس»، وذلك في إشارة منه لخطاب الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو بوش، من على نفس المنصة في الأمم المتحدة في اليوم السابق لخطاب شافيز؛ وقد أضاف: «رائحة الكبريت ما زالت موجودة إلى الآن، وأنا أقف أمامها»، وتلا ذلك بقراءة صلوات، بينما كان يمسك صليبًا، وذلك بحجة أنه يريد التخلص من الشيطان جورج بوش، منتقدًا سياسات الولايات المتحدة الخارجية.

وقبل ذلك التاريخ بسنواتٍ ثلاث فقط، كانت الأمم المتحدة ومنبرها مسرحًا هذه المرة من أجل إظهار مواهبه؛ حيث قام شافيز بالغناء بطريقة ارتجالية، متخيلًا نفسه كما لو كان يعزف على آلة الجيتار، وذلك في خطابه أمام الجمعية العامة في عام 2009.

كلينتون تترك الأزمة السورية من أجل الرسم

في 26 سبتمبر  (أيلول) عام 2012، التقط عدد من المصورين الصحافيين صورًا لوزيرة الخارجية الأمريكية حينها، هيلاري كلينتون؛ حيث كانت ترسم بطريقة عشوائية في الأوراق الموجودة أمامها. ظهر ذلك بوضوح شديد عندما جاء الدور على كلينتون لإلقاء كلمتها في إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي حينها؛ حيث كان الحديث عن محورين رئيسين في هذا الاجتماع؛ الأزمة السورية وأبعادها، والأمن العالمي.af6968ade8.jpg

article-2209148-153967E0000005DC-53_634x

بدا الوضع كوميديًا للوهلة الأولى؛ حيث بدت الوزيرة كلينتون كما لو كانت تقضي إجازة، وليست في اجتماع مع قادة أبرز دول العالم، أثناء مناقشتهم لأهم القضايا السياسية الجارية في العالم حينها؛ خاصةً وأن هذا الاجتماع جاء بعد وقتٍ قليل من الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي بليبيا.b6f8789d6b.jpg

Hillary-Clinton-doodles-at-the-United-Na

الرسومات العشوائية، أو التي بدت كذلك، كانت عبارة عن دوائر متداخلة في بعضها البعض، ومرسومة بطريقة يدوية Doodling، بالإضافة إلى نجمة، ودوائر أخرى تشبه الدوامات، بطول 28 سم، وعرض 22 سم تقريبًا. عدد من كبرى المؤسسات الفنية قامت بتحليل ما رسمته الوزيرة كلينتون، واصفين إياه بأنه مثَّل حالة من الراحة لكلينتون، في ظل المواضيع الخطرة المتعددة التي ناقشها الاجتماع.

انقطاع التيار الكهربائي في الأمم المتحدة

في الدورة الـ66 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن وراء المشهد الرئيس الظاهر أمام الشاشات، يحكي الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، أن هناك أحد المواقف المحرجة والكوميدية في الوقت نفسه حدثت أثناء الاجتماعات التي عُقدت في دورة الأمم المتحدة عام 2011؛ حيث حدثت بعض المشكلات في التيار الكهربائي، والذي انقطع عن أحد المباني لمدة أربعة أيام كاملة، مما كان سببًا لاضطرار بعض القادة والرؤساء لصعود السلالم على أرجلهم، وذلك لتعطل المصعد مع تعطل الكهرباء.

ويحكي بان كي مون أنه كان في الدور الثالث لاستقبال الزعماء الصاعدين على السلم، غير أن معظمهم كانوا لا يستطيعون التنفس جيدًا عند وصولهم للدور الثالث؛ فقد قالوا له مازحين: «شكرًا لك وللأمم المتحدة لإتاحة الفرصة لنا لممارسة الرياضة عبر الصعود على أرجلنا»، غير أنه أكد على تفهمهم للموقف، وشكره لهم.

خريتشوف يخلع حذاءه

في حادثة شهيرة لنيكيتا خريتشوف، رئيس وزراء ما كان يعرف سابقًا بالاتحاد السوفيتي، والذي ألقى خطابه في الدورة الـ15 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1960.

وتلا كلمته كلمة للوفد الفلبيني؛ حيث قام خريتشوف بطرق طاولة الوفد السوفيتي بحذائه اعتراضًا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني لورينزو سومولونج، والذي انتقد السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي وتصرفاته في شرق أوروبا واصفًا إياها بالاستعمارية، ومن أجل إحداث ضجيج في القاعة في محاولة منه لإسكات الوفد الفلبيني لدى الأمم المتحدة.c8043d7379.jpg

125126_nikita-khrushchev_641_452.jpg%E2%

نتنياهو يستعين بالرسم أيضًا

في اجتماع الدورة الـ67 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديدًا في يوم 27 سبتمبر (أيلول) 2012، استعان رئيس الوزراء الإسرائيلي بالرسم من أجل تنفير وتوضيح الخطر الإيراني على دول العالم بسبب التهديد النووي من قِبل إيران.27573e4fe7.jpg

8e06327e-8348-4907-affe-f82bb19b50ed-460

وجاء نتنياهو برسمة تمثل قنبلة نووية، وشرع في استخدام قلم أحمر من أجل وضع علامة قبل انفجار القنبلة مجازًا؛ لتمثل الدور الذي يجب على دول العالم، والأمم المتحدة، أن تفعله من أجل إيقاف التهديد الإيراني من وجهة نظره، ووقف تخصيب اليورانيوم، مشيرًا إلى أن خطر إيران أصبح وشيكًا، خاصةً في ظل تقدمها في الفترة الأخيرة في المجال النووي، أو كما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي أنها تعدت 90% من مراحل تصنيع القنابل النووية، بحسبه حينها.

رئيس بيلاروسيا يصطحب ابنه لاجتماعات الأمم المتحدة

الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، الذي يُطلق عليه لقب «آخر الديكتاتوريين الأوروبيين» في بعض الأحيان، قام باصطحاب ابنه البالغ من العمر 11 عامًا فقط لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعامها الـ70 في عام 2015، وتحديدًا يوم 29 سبتمبر (أيلول) 2015.861835148a.jpg

ce4b0749adbefcba58ef38da0a80d354.jpg%E2%

وحضر الابن، نيكولاي لوكاشينكو، اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جانب والده، الرئيس، وصحبة وزير الخارجية البيلاروسي، والسكرتير الصحفي للرئيس. التبريرر المُعلن أن هذه الخطوة جاءت للابن الصغير حتى يتمكن من الحصول على بعض الخبرة الدبلوماسية الدولية من الوقت الحالي، وحتى يكون الوريث المختار من والده ليخلفه من بعده. الجدير بالذكر أن لوكاشينكو تم انتخابه عام 1994 رئيسًا لبيلاروسيا، وما زال حتى الآن رئيسًا لها لولاية خامسة، غير أنه وُجهت له العديد من الاتهامات بأنه يمارس قمعًا ويقوم بالتضييق على حرية الرأي والتعبير والحقوق الأخرى في بلاده.

الجدير بالذكر أيضًا أن الابن، نيكولاي، ظهر للمرة الأولى تحت الأضواء عام 2007، عندما كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات فقط، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن وهو يصاحب والده في استقبال الزعماء الآخرين، وفي زياراته الرئاسية الرسمية خارج البلاد، حتى إنه ارتدى بدلة عسكرية كوالده في إحدى المناسبات.

نتنياهو يصمت خلال كلمته بشكل مفاجئ

خلال خطابه في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، وتحديدًا في الجلسة الرئيسية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى رئيس الوزراء الإسرئيلي، بنيامين نتنياهو، كلمته، معبرًا عن غضبه لعدم وجود أي ردة فعل من الأنظمة الدولية والدول الأخرى تجاه التوعد الإيراني بقتل مواطنين إسرائيليين.

وقام نتنياهو بعمل غير اعتيادي أثناء خطابه؛ حيث إنه صمت لمدة 45 ثانية كاملة، بدت كما لو كانت دهرًا من الزمان، وسط نظرات متعجبة مما يحدث، غير أنه بعد ذلك وصف هذا الصمت بأنه تجسيد لموقف العالم من التهديدات الإيرانية لإسرائيل، خاصةً بعد توقيع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى ظهور موجة من التعليقات على فعلة نتنياهو.