لم تمر أول زيارة للقائد العسكري الليبي خليفة حفتر إلى تونس، والتي التقى خلالها الرئيس التونسي السبسي دون أن تخلف جدلاً كبيراً بين التونسيين.

هذا الجدل تعاظم بعد نشر ما يسمى بـ "شعبة الإعلام الحربي" التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية مساء الخميس 21 سبتمبر/أيلول فيديو استعرض خلاله كواليس الزيارة، مما دفع الكثيرين للتساؤل عن الرسائل التي أراد حفتر تمريرها من خلال بث هذا الاستعراض الأشبه بالدعاية الحربية لشخصه وجهازه الأمني والعسكري.

وأظهر الفيديو ومدته دقيقتان و21 ثانية، فرقة حراسة ليبية خاصة مسلحة مكونة من أكثر من 30 عسكرياً رافقت موكب المشير حفتر إلى تونس جواً، وتم خلالها تحميل سيارة خاصة لحفتر محملة بأجهزة رصد المتفجرات، فيما تعالت أصوات الحرس الخاص الملثم بأهازيج حربية في أجواء أشبه بدق طبول الحرب منها إلى القيام بزيارة دبلوماسية لشخصية سياسية وعسكرية ليبية.


مستشار الرئيس السابق المنصف المرزوقي، عدنان منصر، وصف كواليس زيارة حفتر لتونس واستعراض القوة العسكرية المبالغ فيه في الجناح الرئاسي بمطار قرطاج بـ"الفضيحة لرئاسة الجمهورية وتجاوز للأعراف وخرق لتقاليد الأمن الرئاسي"، بحسب تدوينة له عبر فيسبوك.

منصر اعتبر أن مسؤولية حماية الشخصيات وضيوف الرئيس محمولة تقع على عاتق الأمن الرئاسي التونسي دون غيره، لافتاً إلى أن الاستعراض الخاص لقوات حفتر يحمل بصمات مصرية إماراتية لا تخلو من تمرير رسائل.

وشدد في ذات التدوينة على أنها المرة الأولى التي تستقدم فيها شخصية سياسية وعسكرية مرموقة قوات خاصة إلى تونس بهدف حمايتها منذ زيارة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لتونس إبان فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة حيث قدم حينها برفقة قوات خاصة.

في عام 1979، زار الرئيس العراقي السابق صدام حسين تونس وبصحبته فرقة مسلحة، لكن الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة، اعترض على قبول المرافقة المسلحة الزائدة عن اللزوم، وتم تبليغ صدام عند اِستقباله في المطار أنّ أمنه وسلامته على التراب التونسي شأن الدولة التونسية التي لا تقبل وجود مظاهر مسلحة من خارج قواتها على أراضيها.

وكان المشير خليفة حفتر قد التقى الرئيس السبسي في قصر الرئاسة الإثنين 18 سبتمبر/أيلول في لقاء وصفه بيان لرئاسة الجمهورية بأنه "ضمن الجهود التونسية المبذولة من أجل التقريب بين الفرقاء الليبيين، وتشجيعهم على الحوار، والتفاهم لإيجاد تسوية سياسية شاملة للأزمة في ليبيا".


وحول كواليس زيارة حفتر لتونس والاستعراض العسكري المصاحب لها أكد المحلل السياسي والعسكري الليبي أسامة كعبار، لـ"هاف بوست عربي" أن حفتر أراد إرسال عدة رسائل للداخل والخارج في تونس وفي دول أوروبية معارضة لسياسته ولاسيما إيطاليا.

وأكد أن حفتر الذي رفض سابقاً المجيء لتونس حين كان وضعه الميداني أكثر قوة، عاد إليها الآن مجبراً بعد أن فقد السيطرة على أغلب النفوذ الميداني شرق ليبيا في ظل حالات التمرد عليه من قبل قبائل الشرق الليبي، والتي تدين بالولاء لنجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي ونظامه السابق.

وشدد على أن الاستعراض العسكري المبالغ فيه في الفيديو هو نوع من الدعاية الحربية ومحاولة منه لإيهام خصومه السياسيين أنه لايزال رجلاً عسكرياً قوياً يملك نفوذاً وقوات نظامية قوية على الميدان.

واعتبر في ختام حديثه أن فقدان حفتر للدعم الدولي بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب واغتيالات ممنهجة في بنغازي، ومطالبات بالتحقيق معه في محكمة الجنايات الدولية وبالقيادات الموالية له على غرار القائد الميداني محمود الورفلي.

موقف الرئاسة التونسية

مصدر من رئاسة الجمهورية في تونس أكد لـ"هاف بوست عربي" أن قوات الحرس الرئاسي التونسي هي من قامت بتأمين حماية حفتر من مطار قرطاج إلى القصر الرئاسي في تنسيق أمني كامل وتام مع القوات الليبية المصاحبة له، وشدد على أن الفيديو الذي نشرته جهات عسكرية ليبية تم تصويره داخل الطائرة الخاصة لحفتر في إطار الدعاية و"الشو" لرجل يحمل خلفية عسكرية.

المصدر أوضح أن عناصر فرقة الكومندوس التي رافقت حفتر على متن الطائرة الخاصة به لم تدخل قصر قرطاج، باستثناء بعض الأمنيين الذين رافقوه بزي مدني إلى القصر فيما تكفل الأمن الرئاسي التونسي بباقي البروتوكول.

بدوره اعتبر القيادي في "كتلة الحرة" والنائب بمجلس الشعب الصحبي بن فرج، والذي سبق أن التقى حفتر في زيارة خاصة لوفد من حزبه إلى ليبيا، أنه من حق المشير حفتر أن يوفر لنفسه حماية أمنية في حال شعر أنه ليس بمأمن عن الخطر.

وأضاف: "شاهدت فيديو لرئيس الحكومة التونسي السابق الحبيب الصيد خلال زيارة سابقة قام بها إلى ليبيا عبر مطار معيتيقة وكان مرفوقاً بفرقة أمنية خاصة من تونس وهذا أمر معمول به".

بن فرج اعتبر أن زيارة حفتر المفاجئة لتونس تعد انقلاباً استراتيجياً في المنطقة، وتمثل تحولاً في العلاقات التونسية الليبية تريد بعض الأطراف التقليل من شأنها بافتعال مواضيع جانبية لا أهمية لها، وفق تقديره.

وعبر النائب عن تمنياته أن تعود تونس إلى سابق قوتها حتى تستطيع حماية الشخصيات الأجنبية أثناء زيارتها لتونس.

جدل حول الزيارة

وأثارت زيارة حفتر لتونس ردود فعل في مجملها غاضبة ومستنكرة لزيارة هذا الرجل الذي تلاحقه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وتعذيب في ليبيا، والذي سبق وأن أهان تونس ووصفها بـ"الدولة الفقيرة والعدوة والطامعة في ثروات ليبيا"، زادت حدتها بعد نشر الفيديو الذي وصفه الكثير من التونسيين بالمستفز والمهين لهيبة الدولة التونسية وجهاز أمنها الرئاسي الذي يشهد له بالكفاءة.