يعود إلياس العماري إلى الواجهة السياسية في المغرب، بعد سنوات من التواري خلف كواليس حزبه “الأصالة والمعاصرة” (الجرار)، وذلك بعد انتخابه أميناً عاماً للحزب. ينتمي إلياس العماري إلى منطقة الريف المغربية، التي اشتهرت تاريخياً بفضل الزعيم الراحل، محمد عبد الكريم الخطابي، الذي قاد مقاومة بطولية ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني. وأبصر النور في منطقة بني بوعياش بإقليم الحسيمة في عام 1967، وانخرط باكراً في العمل السياسي، منجذباً نحو الأطروحات اليسارية، ومعجباً بالثائر الأرجنتيني تشي غيفارا.

وبزغ نجم العماري أكثر وسط المشهد السياسي والإعلامي المغربي، لدى تقلّده مهامّ رسمية، من بينها عضويته في “المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية”، و”الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري” سنة 2004، قبل أن ينضم إلى مؤسسي “حركة لكل الديمقراطيين” التي أسسها المستشار الحالي للملك، فؤاد عالي الهمة، وتتحوّل بعد ذلك إلى حزب “الأصالة والمعاصرة”.


سطع نجم العماري في هبة 20 فبراير 2011

وعلى الرغم من المسارات التي اختارها العماري، “إما طوعاً أو كرهاً”، في السنوات الماضية، فإن المغاربة لم ينتبهوا كثيراً إلى اسمه إلا عند اندلاع الهبة الشعبية، في 20 فبراير 2011، عندما رفع المحتجون صور العماري، مطالبين إياه بالرحيل بتهمة “الجمع بين الثروة والنفوذ”. اختفى العماري لفترة من الزمن، قبل أن يعود قوياً أكثر من قبل، بزعامته لأحد أكبر أحزاب المعارضة في المغرب. ولأنه “الرجل القوي” في “الأصالة والمعاصرة”، فإن صراعاً قوياً يكاد يصل إلى “الشخصنة”، اندلع بين العماري وبين أعضاء حزب “العدالة والتنمية” الذي يقود الحكومة الحالية.

وتعود بذور الخلاف الذي يصل في كثير من الأحيان إلى الصدام وتبادل الاتهامات الخطيرة بين العماري ورئيس الحكومة والأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، عبد الإله بنكيران، إلى كون “الأصالة والمعاصرة” الذي ولد من رحم “حركة لكل الديمقراطيين”، أخذ على عاتقه كهوية إيديولوجية التصدّي لما يُسمّيه “استغلال الدين في السياسة”.

وفي مؤتمر “الأصالة والمعاصرة”، يوم الأحد الماضي، جدد العماري الذي ترشّح وحيداً من دون أي منافس، وتحت وابل من التصفيق، في غياب صناديق الانتخاب، تأكيده على أن “حزبه جاء لمواجهة الإسلاميين، والحيلولة بينهم وبين بلوغ مراكز القرار في الحكومة المقبلة”، التي ستُعيّن انطلاقاً من نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

اقرأ أيضاً: قيادة “الأصالة والمعاصرة” المغربي تحت المجهر

وأكد العماري صراحة أنه يعارض ما وصفه بخلط “العدالة والتنمية” للدين بالسياسة، ودون ذلك لا مشاكل له مع هذا الحزب، قبل أن يعتبر أن “المغرب بلد مسلم، ونحن ندافع عن الدين، وليس الفكر الديني”، محذراً من “خوصصة المشترك”، معتبراً أن “عدم الفصل بين السياسة والدين سيؤدي إلى أمور سيئة”.

وفيما يرى الموالون للعماري أنه جاء لقيادة حزب “الأصالة والمعاصرة” في وقت مناسب جداً لمناهضة “إخوان بنكيران”، خصوصاً في الانتخابات التشريعية، بسبب تقديمه نفسه على أنه الوحيد القادر على كبح جماح “العدالة والتنمية”، يذهب معارضوه إلى أن زعامته للحزب هدية من السماء لحزب الإسلاميين في الاستحقاقات المقبلة.


يستعدّ “الأصالة والمعاصرة” لمنازلة انتخابية مع “العدالة والتنمية” في أكتوبر

ويعتبر مراقبون أن القائد الجديد لحزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي جاء أولاً في الانتخابات الجماعية والمحلية 4 سبتمبر/أيلول الماضي، سيعمل على سحب البساط من تحت “العدالة والتنمية” الذي يرأس الحكومة، باعتبار أنه بات “منهكاً” من كثرة ضربات الخصوم، وأيضاً بسبب تنامي الاحتجاجات ذات الصبغة الاجتماعية، كاحتجاجات الأطباء والأساتذة المتدربين والممرضين، ومشاكل صناديق التقاعد وصندوق المقاصة.

ويتوقع متابعون للشأن السياسي والحزبي بالمغرب أنه بعد صعود العماري إلى رأس “الأصالة والمعاصرة”، سيرتفع منسوب مواجهته مع رئيس الحكومة، الذي لا يخفي أبداً أن غريمه هو “أصل الشرور”، وفق تعبيره، وأنه أحد أسباب جعل “الأصالة والمعاصرة” حزباً تحكّمياً يعود إلى الدولة العميقة.

في المقابل، يذهب آخرون إلى أن زعامة العماري لحزب يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى “وسط اليسار”، وأنه البديل الديمقراطي والسياسي للأحزاب القائمة، والمناهض لأطروحات “العدالة والتنمية”، هو بمثابة كعكة وهدية مقدمة على طبق من ذهب لحزب بنكيران، الذي صرح بأن زعامة العماري لحزبه ستجعله لا يحتاج إلى إجراء حملة انتخابية في تشريعيات 2016.

وبالنسبة لسليمان العمراني، نائب الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، فإن قيادة العماري لحزب “الأصالة والمعاصرة”، بعد “تخفّيه خلف خشبة المسرح” بحسب تعبيره، تجعل من “المعركة السياسية اليوم سهلة وأكثر وضوحاً لمواجهة النموذج التحكمي الذي كان يجسده النافذون في هذا الحزب، واليوم يتجسد رسمياً في قيادته الجديدة” وفق العمراني.

اقرأ أيضاً: مدرّسو المغرب يطالبون بالعدالة الاجتماعية