رئيسة مسلمة محجبة لدولة آسيوية ذات أغلبية بوذية، يبدو خبراً يثير التفاؤل في وقت وصلت فيه العلاقات بين المسلمين والبوذيين لأسوأ حالتها في دولة آسيوية أخرى وهي ميانمار.

فالأربعاء 13 سبتمبر/أيلول، أعلنت سنغافورة -الدولة الآسيوية الغنية- عن رئيسةٍ جديدةٍ لها، ولكنها لن تأتي عن طريق الانتخابات.

وأصبحت حليمة يعقوب (63 عاماً)، المتحدثة السابقة باسم البرلمان السنغافوري، أول امرأة تشغل منصب رئيس الجمهورية في تاريخ البلاد، وأول من يتولَّى منصب الرئاسة من أصول ماليزية خلال العقود الخمسة الأخيرة، وذلك حينما تؤدي اليمين الدستورية الأربعاء.

وقالت حليمة التي ظهرت صورها بالحجاب، في كلمة بمكتب إدارة الانتخابات: "أنا رئيسة للجميع"، حسبما نقل عنها موقع" آر تي " الروسي.

وكان مواطنو سنغافورة يتوقعون التصويت بانتخابات الرئاسة في 23 سبتمبر/أيلول 2017، لكن تم إلغاء ذلك بسبب وجود مرشح واحد مؤهل فقط.

ولكن، ما كان يمكن أن يُعد حدثاً بارزاً في تاريخ الديمقراطية بسنغافورة أصبح -في المقابل- محاطاً بشكوكِ الرأي العام في كونها انتخابات مزورة، وأصبحت شرعيتها بالفعل في مرمى الانتقادات، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

لماذا يشككون في شرعيتها؟

وفي حين يكفل الدستور السنغافوري للمصوِّتين حق انتخاب رئيسهم في واقع الأمر، حدَّدت الحكومة معايير ضيقة لاختيار المرشحين، انطبقت فقط على السيدة حليمة.

واعتُمدت السيدة حليمة، الإثنين 11 سبتمبر/أيلول، من قِبل لجنة الانتخابات الرئاسية مرشحةً وحيدةً مؤهلةً لخوض الانتخابات، ونظراً إلى عدم وجود منافس فلن تكون هناك انتخابات.

وكتب ريو هو، الطالب بكلية الحقوق، في مقالٍ على موقع Consensus SG السنغافوري: "ما كان يمكن أن يكون حدثاً ديمقراطياً بارزاً، أصبح شيئاً موصوماً بوصمة قبيحة؛ لكونها انتخابات غير تنافسية، وهذا هو الثمن الذي ندفعه بسبب حكومة تفكر من حيث قوة السلطة بدلاً من الكرامة".

سلطاتها

ويعد منصب الرئيس في سنغافورة شرفياً إلى حد كبير، ولكن صلاحياته تتضمَّن سلطة التفويض لإجراء تحقيقات في قضايا الفساد.

ويرأس الحكومة السنغافورية رئيس الوزراء لي هسين لونغ، ابن مؤسس سنغافورة وأول رئيس وزراء لها، لي كوان يو، الذي مات عام 2015. ويرأس لي حزب العمل الشعبي، الذي يحكم سنغافورة منذ عام 1959. ويسيطر الحزب حالياً على 83 مقعداً من أصل 89 مقعداً انتخابياً في البرلمان.

وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، دخل "لي" في خلاف مع أشقائه؛ بسبب إساءة استخدام سلطاته كرئيس للحكومة للتحايل على رغبات والدهم. وأثار هذا الخلاف بشأن مصير العائلة، الذي كان على مرأى ومسمع العامة، تساؤلات عن فوائد استمرار حكم الحزب الواحد.

كانت السيدة حليمة عضوة في البرلمان وزعيمة حزب العمل الشعبي الحاكم قبل أن تتنازل عن مقعدها الشهر الماضي (أغسطس/آب 2017) للترشح لمنصب الرئيس.

وقالت حليمة في تصريحات صحفية، الإثنين 11 سبتمبر/أيلول 2017، بعد اعتمادها مرشحةً وحيدةً مؤهلةً للانتخابات: "يمكنني فقط أن أقول إنني أتعهد ببذل ما في وسعي؛ لأتمكن من خدمة الشعب السنغافوري، وهذا لن يتغير، سواء كانت هناك انتخابات أم لا".

وانتُقِدَ شعار حملتها "افعلوا الخير معاً" على نطاقٍ واسع؛ لكونه يتضمَّن أخطاءً نحوية، ولكنها دافعت عنه واصفةً إياه بأنه مؤثر للغاية.

وضيَّقت الحكومة معايير الترشح لمنصب الرئيس في بداية الأمر العام الماضي؛ لتسمح فقط لذوي الأصول الماليزية بشغل منصب الرئيس القادم، على أساس أنه لا يوجد أي ماليزي شغَل المنصب خلال الفترات الخمس السابقة.

ويمثل الماليزيون نحو 13% من تعداد سكان سنغافورة، ويسيطر العرق الصيني على الحكومة؛ إذ يشكل نحو ثلاثة أرباع أعضائها.

و74.1٪ من سكان سنغافورة من أصل صيني، و13.4٪ من أصل الملايو (ماليزي)، و9.2٪ من أصل هندي، و3.3٪ من أصل آخر، حسب ويكيبيديا.

33.2% من سكان البلاد بوذيون، و18.8% مسيحيون، و14.0% مسلمون.

هكذا تم تفصيل القوانين لصالحها بشروط غريبة

وذكرت "نيويورك تايمز" أن لجنة الانتخابات الرئاسية ضيقت معايير الترشح للمنصب لاحقاً، لتتضمَّن شرطاً ينص على أن أي مرشح ينتمي للقطاع الخاص يجب أن يكون -أو كان- مسؤولاً تنفيذياً في شركة تبلغ قيمة أسهمها المالية 500 مليون دولار سنغافوري (نحو 371 مليون دولار أميركي) على الأقل.

وأخذت اللجنة مرشَّحَين ماليزيَّين آخرين بعين الاعتبار، أحدهما رجل الأعمال محمد صالح ماريكان، المدير التنفيذي لشركة Second Chance العقارية، والذي قال إنه إذا انتُخِبَ رئيساً لسنغافورة فسيبدأ تحقيقاً في مزاعم إساءة استخدام "لي" لسلطاته في خلافه مع أشقائه.

ورُفِضَ كلا المرشحين المحتملين بداعي أن الشركتين اللتين يترأساها ليستا كبيرتين بما يكفي.

وكتب الكاتب الماليزي سودهير توماس فاداكيث، على مدونته "Musings From Singapore: تأملات من سنغافورة": "لن يكون هناك مكان لحزب العمل الشعبي للاختباء من واحد من أكبر أخطائه على الإطلاق، بتقويض الديمقراطية والسلطة التنفيذية بمثل هذه الطريقة الحمقاء".

وقال يوجين تان، الأستاذ المساعد في مادة القانون بجامعة الإدارة في سنغافورة، إن الحكومة أخطأت بحرمان المواطنين من فرصة التصويت لاختيار رئيسهم الجديد.

وأضاف تان في بريد إلكتروني، رداً على بعض أسئلة "نيويورك تايمز": "هناك عاصفة من الآراء المعارضة بشدة على الإنترنت. الانتقادات ليست موجهة للسيدة حليمة، ولكن للعملية الانتخابية والحكومة أكثر، والتي اعتبرها الكثيرون إقصائية وتحرمهم من حقهم".

وتوقَّع تان أن يرحب المواطنون بالسيدة حليمة، ولكنه قال إن مهمتها قد تكون صعبة؛ بسبب الطريقة التي وصلت بها إلى منصب الرئيس.

وقال تان: "كانت المنافسة ستضيف إلى شرعيتها".