يمتلك “الأمة” قاعدة شعبية تسمح له بالضغط(أشرف الشاذلي/فرانس برس)

الخرطوم ــ

“هنا الشعب” حملة سودانية جديدة لتغيير النظام الحاكم في البلاد عبر انتفاضة شعبية، أطلقها حزب “الأمة” بقيادة الصادق المهدي، وأعلنت قوى عدّة من المعارضة الرئيسية (السلمية والمعارضة) تأييدها والانخراط فيها، لا سيما في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب الحلول السلمية.

وتمثّل حملة “هنا الشعب” وسيلة ضغط على الحكومة السودانية للسير بمبدأ التسوية السياسية الشاملة عبر حوار وطني تقبل فيه بشروط القوى المعارضة، وهي شروط متصلة بوقف الحرب وعقد مؤتمر تحضيري في الخارج، فضلاً عن تنحّي الرئيس السوداني عمر البشير عن رئاسة الحوار، مع السماح للاتحاد الأفريقي بالإشراف عليه لإضفاء الصفة الإقليمية والدولية عليه.

وجمع حزب “الأمة” كوادره في دار الحزب يوم الثلاثاء الماضي، لإعلان تدشين الحملة، حيث تجمّع ما يزيد عن الألف شخص، وبدت عليهم الحماسة للخروج إلى الشارع مردّدين هتافات “الشعب يريد إسقاط النظام”، “ثورة ثورة حتى النصر”، منتظرين إشارة البداية من زعيم الحزب الصادق المهدي.


بدا الصادق المهدي حريصاً على التسوية السلمية، لأنه يخشى الوصول إلى واقع مماثل لما جرى في سورية

المهدي، وعلى الرغم من أنه بدأ الحملة بمطالبة الجماهير بترديد هتافات “الشعب يريد نظاماً جديداً”، إلا أنه بدا حريصاً على التسوية السلمية، لأنه يخشى الوصول إلى واقع مماثل لما جرى في سورية، وهو الذي شبّه نظام البشير في أوقات سابقة بنظام بشار الأسد. كما أن العنف الذي واجهت به السلطات السودانية تظاهرات سبتمبر/أيلول 2013 التي خرجت احتجاجاً على زيادة المحروقات، وأدّت لمقتل وإصابة نحو 500 شخص بالرصاص، ربما لا يزال حاضراً في ذهن المهدي.

في المقابل طالبت الحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، عبر رئيس “الحركة الشعبية” مالك عقار، ورئيس حركة “العدل والمساواة” جبريل إبراهيم، أعضاءها في الداخل بالانخراط في حملة “هنا الشعب” والمشاركة في الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات التي يُنتظر أن تُنفذ، بعد أن عبّرت هذه الحركات عن فقدان الأمل في جدية الحكومة بالوصول إلى تسوية سياسية لإنهاء حالة الحرب والاستقطاب السياسي، الأمر الذي رأت من خلاله أنه لم يترك لها مجالاً سوى إسقاط النظام عبر الانتفاضة الشعبية.

اقرأ أيضاً: البرلمان السوداني يرفض زيادات حكومية في أسعار غاز الطهو

وفشلت مفاوضات غير رسمية عقدتها الحكومة مع الحركات المسلحة الدارفورية في أديس أبابا، وأخرى منفصلة مع “الحركة الشعبية” في برلين، في الوصول لنقاط اتفاق تتصل بإشراكها في عملية الحوار والوصول لاتفاق سلام لإنهاء الحرب. وخرجت تلك الحركات لتؤكد رفض الحكومة لطلباتها ومقترحاتها.

وفي بيان تلقت “” نسخة منه، اعتبر الأمين العام لـ”الحركة الشعبية” رئيس الوفد المفاوض ياسر عرمان، أن رفض الحكومة لمقترحات الحركة حول التسوية السلمية للحرب وقضية الحوار، يضع الحركة في موقف جديد أمام الشعب السوداني والوسطاء والمجتمعين الدولي والإقليمي، مؤكداً أن حركته ستطرح على كل القوى المطالِبة بالتغيير أفكاراً جديدة لبلورة موقف سياسي يضع حداً لما سماه “عملية شراء الوقت”.

واقترحت الحركة على الحكومة إنهاء الحوار القائم حالياً بقاعة الصداقة في الخرطوم، داعية إلى البدء في مرحلة ثانية بإشراف الاتحاد الأفريقي، على أن يُعقد قبلها مؤتمر تحضيري خارج السودان، رافضة تماماً رئاسة البشير للحوار باعتباره خصماً، مع التأكيد على إيجاد موقع مناسب له في هيكل الحوار باعتباره الداعي إليه. إلا أن هذا المقترح، إضافة إلى مقترحات تتصل بمنح منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان حكماً ذاتياً، لقيت رفضاً قاطعاً من الحكومة.

وجزم عرمان، لدى مخاطبته هاتفياً المشاركين باحتفال لحزب “الأمة” لتدشين حملة “هنا الشعب”، بعدم مشاركته في الحوار الحالي ولو عمدت الحكومة إلى تمديده.

من جهته، نصح رئيس هيئة تحالف المعارضة فاروق أبو عيسى، بعدم الوثوق بتعهدات حزب “المؤتمر الوطني” الحاكم، الذي وصفه بالخائن لوعوده، مشدداً على أهمية تغيير النظام، مؤكداً أنهم في تحالف المعارضة أغلقوا تماماً باب الحوار ويستعدون للانتفاضة، معتبراً أن حملة “هنا الشعب” تمهد الطريق نحو تلك الانتفاضة.

أما رئيس حزب “الأمة” الصادق المهدي فقال في خطابه خلال إطلاق الحملة، إن “كل من حكم البلاد بالقهر، عرض علينا المشاركة في الحكم مناصفة ولكننا رفضنا”، مشيراً إلى قدرة حزبه، بالتنسيق مع القوى الأخرى، على تنفيذ الانتفاضة الشعبية على الأرض، مهدداً بها النظام في حال عدم قيامه بحوار حقيقي يؤسس لحكم ديمقراطي ويعمد نحو الاعتراف بالتعددية ويضمن المشاركة العادلة في السلطة لكافة الأطياف السودانية.

وقالت نائبة رئيس حزب “الأمة” مريم الصادق المهدي، في حديث لـ””، إن الحملة جاءت لإحداث حراك جماهيري بالوسائل المدنية، لرفض سياسات النظام، فضلاً عن العمل على تغييره بثورة جماهيرية واسعة ضد الفساد والطغيان والحرب وتفشي البطالة عبر الوسائل المدنية، إضافة إلى التواصل مع المجتمع الدولي. وأشارت إلى أن آليات الحملة تتمثل في إقامة الندوات الجماهيرية والوقفات الاحتجاجية والاعتصامات، مؤكدة العمل لإسقاط التعديلات الجديدة التي أُدخلت على القانون الجنائي والتي أقرت عقوبات تتعلق بالتظاهر تصل إلى السجن لفترات تتفاوت بين خمسة وعشرة أعوام.


يرى مراقبون أن الحملة للضغط على الحكومة والمجتمعين الدولي والإقليمي لتحريك الحوار المجمّد للوصول إلى تسوية سلمية

ولم تكن هذه الحملة الأولى للتغيير التي يطلقها حزب “الأمة”، إذ أطلق عدة حملات سابقاً، لكنها جميعها تحاشت الخروج إلى الشارع، على الرغم من امتلاك الحزب شعبية تمكّنه من إنجاح تلك الخطوة في حال أراد ذلك، وهو ما جعل مراقبين يجزمون بأن إطلاقها في هذا التوقيت بالتحديد تم للضغط على الحكومة والمجتمعين الدولي والإقليمي لتحريك الحوار المجمّد للوصول إلى تسوية سلمية لأزمات البلاد، لا سيما أن الصادق المهدي ينأى بنفسه عن تحمّل دماء قد تسيل في حال أمر قواعده الجماهرية بالخروج إلى الشارع، ما يجعله يسعى للتغيير الناعم للنظام.

ويرى محللون أن معطيات نجاح الحملة على الأرض متوافرة تماماً، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، وإعلانها أخيراً عن حزمة إجراءات تتصل بزيادة أسعار الغاز، وتحرير أسعار بعض المواد البترولية، وفتح الباب للقطاع الخاص امام استيرادها، وهي سلع كانت تحتكر الحكومة استيرادها، ما يعني افتقارها للعملات الصعبة، فضلاً عن تململ الشارع والذي بدا واضحاً في الأماكن العامة، إضافة إلى احتدام حالة الاستقطاب السياسي.

ويرى المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ، أن فرضية نجاح الحملة الجديدة لحزب “الأمة” واختلافها عن سابقاتها، ترتبط بالأهداف النهائية التي يريدها زعيم الحزب، موضحاً أنه لا يرى أنها تختلف عن سابقاتها وهدفها الضغط على الحكومة ولفت نظر المجتمع الدولي والإقليمي إلى دور المعارضة عموماً وحزب “الأمة” خصوصاً للحيلولة دون استبعاده من أي حوار مقبل، معتبراً أن جوهر نجاح الحملة لن يتجاوز إطارها السياسي بخلق وضع سياسي ضاغط على الحكومة والأطراف الإقليمية والدولية حول الحوار.

ويستبعد أبو الجوخ أن يترتب على الحملة عمل جماهيري كأحداث سبتمبر/أيلول 2013 لعدة معطيات، منها تخوّف الأطراف الداخلية والخارجية من أن يكون المستفيد من أية تظاهرات، أطراف متشددة أُبعدت في الفترة السابقة عن السلطة وتسعى للعودة من خلال نفوذها ووجودها في العديد من المؤسسات والقطاعات. ويشير إلى أن “السيناريو الأسوأ مرتبط بظهور قوة مخفية تتمثل في الجماعات الجهادية المسلحة أسوة بما حدث في سورية وليبيا، وسيطرتها على الأوضاع، مع إمكانية التمدد من ليبيا في ظل إرهاصات انتقال تنظيم داعش إليها في أعقاب التطورات الميدانية السلبية له في العراق سورية”.

اقرأ أيضاً: نواب “الوطني” المنحلّ… الملاذ الأخير لمنع تفكّك “دعم مصر”