يعزز قرار وزير العدل المصري، أحمد الزند، منح الضبطية القضائية (صلاحيات مماثلة لصلاحيات الشرطة والنيابة)، لـ700 موظف من الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي “صيانكو” في المحافظات، المخاوف من تزايد موجة عسكرة المجتمع المصري عبر تعديلات قوانين العقوبات والتوسع في إحالة المدنيين للقضاء العسكري وتحويل كافة المباني الحكومية لمنشآت عسكرية. وتمت إحالة نحو 4000 مدني إلى المحاكمات العسكرية، ومُنع ظهور أساتذة الجامعات في وسائل الإعلام إلّا بإذن من رئيس الجامعة، وحُظّر انتقاد مؤسسات الدولة والمسؤولين الحكوميين، واستحدثت وظيفة معاون أمني للمدنيين للتعاون مع رجال الشرطة كمخبرين سريين.

ونشرت جريدة “الوقائع” المصرية في العدد 19، الصادر في 24 يناير/ كانون الثاني الحالي، قرار وزير العدل رقم 9750 لعام 2016، بشأن منح بعض العاملين في الشركة المصرية للخدمات الفنية وصيانة الأجهزة “صيانكو” صفة مأموري الضبط القضائي. وبرّر مسؤولون في الشركة القرار بأنّه يهدف إلى “مواجهة جرائم سرقات المياه من قبل المخالفين والتهرب من دفع الفواتير، وإحالة أي مواطن للنيابة مباشرة في حال امتناعه عن دفع الفاتورة”.


قرّر وزير العدل المصري أحمد الزند، منح الضبطية القضائية لـ700 موظف من الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي

وكانت وزارة العدل منحت يوم 14 سبتمبر/ أيلول 2015، صفة الضبطية القضائية لـ6 من أعضاء نقابة المهن التمثيلية، منهم نقيب الممثلين أشرف زكي، وكل من السكرتير العام للنقابة أشرف طلبة، وإيهاب فهمي، ومحسن منصور، وسامح بسيوني، ووائل عبدالله، وذلك بدعوى تسهيل مهام أعضاء نقابة الممثلين في اتخاذ إجراءاتهم ضد المخالفين.

وقبل ذلك، منح الزند الضبطية القضائية 5 مرات منذ توليه وزارة العدل لجهات عدة، منها رؤساء الأحياء والمدن، ونقابة المهندسين، ونقابة المعلمين لمحاربة الدروس الخصوصية. كما منحها لـ22 قيادة في محافظة الجيزة، ونائب المحافظ ورئيس المتابعة، وذلك لضبط المخالفات في أحياء المحافظة. وكان وزير العدل السابق، محفوظ صابر، منح الضبطية القضائية لمفتشي الأوقاف والتمويل العقاري، ومعاوني الأمن وحرس الحدود، بخلاف القيادات النقابية، والنقابات الفرعية، وأمن الجامعات، ومفتشي التموين وموظفي الجمارك.

وفي مقارنة أعداد الحاصلين على الضبطية القضائية الصادرة في مصر، تكون الفترة منذ 3 يوليو/ تموز 2013 لغاية اليوم، من أكثر الحقب التي شهدت توسعاً في منح الضبطية القضائية، والتي كانت تمارس في أضيق الحدود قبل ثورة 1952، وتمارس في حدود القوانين ذات العلاقة المباشرة بالحياة البيولوجية للبشر، مثل قوانين الأغذية، والصيدلة، والصحة العامة. وبحكم الصلاحيات التي يقررها وزير العدل، يحق للموظف اقتحام المنشآت التجارية أو الإنتاجية، وإصدار التعليمات بوقف بيع أو إنتاج الأصناف التي تهدد حياة البشر، واتخاذ الإجراءات الوقائية لمنع التهديد.

اقرأ أيضاً: القضاء المصري يتهم طفلا بـ”قلب نظام الحكم”

وتوسعت ولاية الضبطية القضائية بعد ثورة يوليو/ تموز 1952 لتشمل الأجهزة التي نشأت لحماية الثورة والأمن العام، ثم وصلت إلى الأجهزة الرقابية التي نشأت لحماية المال العام، مثل الكسب غير المشروع، والنيابة الإدارية، والرقابة الإدارية والتنظيم، والإدارة والتعبئة والإحصاء، وتمتد اليوم لتشمل شريحة كبيرة من الموظفين.

في السياق، يصف مدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، محمد زارع، منح الضبطية القضائية بشكل عشوائي بـ”الخطأ الجسيم”، مشيراً، في تصريحات صحافية، إلى أنّ “الجهات التي يحق لها بالضبطية معروفة، وهي الشرطة والنيابة”. ويلفت إلى أن التوسع في تلك السلطة يعد إضعافاً لجهاز الشرطة والدولة، لوجود جهات أخرى تقوم بدورهما، مضيفاً أن تلك الجهات من المؤكد أنها ستقوم بهذا الدور من دون احترافية، وهو ما سيؤدي إلى الفوضى، على حدّ قوله.


الفترة منذ 3 يوليو/ تموز 2013 لغاية اليوم، من أكثر الحقب التي شهدت توسعاً في منح الضبطية القضائية في مصر

بدوره، يعتبر المحامي محمد إبراهيم أنّ “دلالة ارتفاع منح الضبطية القضائية للعديد من مؤسسات الدولة تشير إلى الاتجاه لعودة المواطن المخبر، وهو ما إن تحاول التحدث بأي شيء ينتقد الدولة أمامه، إلا وتجد حولك العديد من رجال الأمن، لأن ذلك المخبر شعر بأنك خطر على الدولة، فقام بالإبلاغ عنك”. ويضيف إبراهيم أنّ عدداً كبيراً ممن منحوا ذلك الحق يستغلونه في التنكيل بالمواطنين والقبض عليهم، سواء كانوا متلبّسين بجريمة أو غير ذلك، بالإضافة إلى تشويه السمعة. كما أن الضبطية ضد حفظ كرامة المواطن وحريته وخصوصيته التي نص عليها الدستور والقانون، على حدّ تعبيره.

والضبطية القضائية هي صلاحيات يتمتع بها بعض الموظفين، وتعطي لصاحبها حقوقاً أقرب إلى الحصانة البرلمانية، وتسمح له بالربح، والابتزاز، وممارسة التهديد. وينصّ القانون على أن الضبطية القضائية هي سلطة البحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى. ويطلق على من يخوّل إليهم الضبطية القضائية، “مأمورو الضبط القضائي”. ووفقاً للقانون، فإن هؤلاء تابعون للنائب العام وخاضعون لإشرافه في ما يتعلق بأعمال وظيفتهم، ويُحدد العاملون بها بقرار من وزير العدل.

ويوضح قانون العمل، رقم 12 لعام 2003، “تفتيش العمل والضبطية القضائية”، ضوابط عمل مأموري الضبط القضائي وجهة اختيارهم وتحديد مهامهم. وجرى تحديد مأموري الضبط القضائي على سبيل الحصر في المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المصري. وينقسم هؤلاء إلى فئتَين؛ الأولى، مأمورو الضبط الذين لهم الضبطية القضائية تجاه جميع أنواع الجرائم. والثانية، مأمورو الضبط الذين ليس لهم الضبطية إلّا تجاه جرائم معينة متعلقة بوظائفهم الأساسية.

سياسياً، تترقب الأوساط السياسية أن يشهد المجتمع المصري مزيداً من الانقسامات والسجالات، بسبب تزايد حالات التجسس والبلاغات الكيدية، واتهامات بالإرهاب والانتماء لجماعات عنف، لتصفية حسابات شخصية، كحالة المواطنة التي أبلغت الشرطة المصرية بأنّ زوجها إرهابي يصنع متفجرات. وبعد القبض على زوجها والتحقيق معه، اكتشفت السلطات أن البلاغ كيديٌ بسبب خلافات زوجية.

وتشهد قرى مصرية فرض إتاوات (خوّات) من قبل رجال الأمن السريين والمخبرين، بحسب أحد تجار الملابس في القليوبية، الذي يؤكد لـ””، أن أحد المخبرين السريين يقوم بتحصيل إتاوة شهرية من تجار منطقة العرب، لعدم إبلاغ الشرطة عنهم بأنهم ينتمون لـ”الإخوان المسلمين”، أو تحرير مخالفات، أو منع وصول إعلانات قضايا إليهم. وتصل قيمة الإتاوة إلى نحو 500 جنيه (64 دولاراً) شهرياً، بحسب التاجر.

اقرأ أيضاً: حصار موسيقى الثورة: كل شيء مباح