بينما ستضاعف عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية الغارقة فوق احتياجاتها من الوقود، الضغط على الأسعار التي هبطت أخيراً إلى أقل من 30 دولاراً للبرميل الواحد، تساءل مراقبون حول ما إذا كانت طهران قادرة بالفعل على رفع إنتاجية النفط، وهو ما يتبعه انخفاضات جديدة في سعر الخام قد تؤثر على إيران وتؤخر خططها الاقتصادية قبل منافسيها.

وتوقعت الوكالة الدولية للطاقة أن العرض سيفوق مقدار الطلب بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2016.

وحذرت في تقرير لها: "ما لم يحدث تغيير فستغرق أسواق النفط بالعروض الزائدة"، بحسب تقرير نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية، الخميس 28 يناير/كانون الثاني 2016.

الحصول على نصيب من الكعكة

ليس في مصلحة إيران أبداً زيادة تخمة الأسواق؛ لأنها تعوّل على أرباح النفط كي تنهض باقتصادها وتنعشه بعد سبات سببته العقوبات الغربية.

لكن المسؤولين الإيرانيين يقولون إن انخفاض أسعار النفط لا يشغل بالهم في المقام الأول، وإنما الاستحواذ على جزء من السوق الذي تقوده دول أخرى كالسعودية وروسيا وغيرهما.

حالياً يقف الإنتاج الإيراني للنفط الخام عند مستوى 1.1 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل نصف الطاقة الإنتاجية الإيرانية من النفط قبل العقوبات.

لكن الحكومة تعتزم في الأسابيع القادمة رفع إنتاجيتها بمقدار نصف مليون برميل يومياً، وستزيدها نصف مليون برميل آخر قبل نهاية العام.

يأتي ذلك بعدما رفع الحظر الدولي عن إيران في 16 يناير/كانون الثاني 2016، حيث كانت العقوبات السابقة مفروضة على البلاد من أجل الحد من نشاطاتها النووية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال وزير النفط الإيراني بيجان زنغينه: "من حقنا استئناف مستوى الإنتاج الذي كنا عليه في الماضي".

لكن هل تتمكن إيران من رفع إنتاجيتها بهذه السرعة؟ يتساءل مراقبون ويتشككون بقدرتها على ذلك.

فإدارة معلومات الطاقة الأميركية لم تتوقع لإيران سوى إضافة 300 ألف برميل من الخام هذا العام، يتبعها نصف مليون آخر في عام 2017.

أهداف إيران

ويرى بعض المراقبين والمحللين أن أهداف إيران الطموحة تكتنفها أهداف سياسية أكثر منها اقتصادية، فالدولة الإيرانية تحاول فرض سلطتها ضمن أروقة منظمة أوبك للدول المصدرة للبترول بعدما خسرت مكانتها فيها لصالح خصمها الرئيسي في المنطقة، السعودية.

كما تسعى الحكومة الإيرانية إلى طمأنة مواطنيها بأن الأرباح الاقتصادية المرتقبة من صفقتها النووية التاريخية آتية على الطريق.

إيران كانت في السابق ثاني أكبر مصدر للبترول في أوبك، كما تمتلك الجمهورية الإسلامية ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، وهي الرابعة عالمياً في احتياطي النفط.

وكان الإنتاج الإيراني بلغ في المتوسط 3.7 مليون برميل يومياً عام 2006 قبيل فرض العقوبات الأميركية والأوروبية، والتي قلصت صادراتها النفطية وحظرت عليها استيراد أحدث التقنيات والمعدات الغربية.

الحاجة لمزيد من الاستثمارات

ورغم أن خبراء صناعات النفط يرون أن رفع إنتاجيتها إلى سابق عهده بسرعة نسبية أمرٌ ممكن، إلا أنهم يرون أن البلاد بحاجة لمزيد من الاستثمار بغية تحقيق المستوى المنشود الذي وعدت به الحكومة.

وقال جوليوس ووكر، كبير مستشاري الطاقة في مؤسسة JBC Energy في فيينا: "الموضوع هنا هو فتح حقول النفط وإنعاش البنى التحتية وفرض طاقة إنتاجية جديدة وإعمال تقنيات جديدة في تلك الحقول، وهذا كله مسألة وقت ولا يمكن حدوثه بين ليلة وضحاها".

وكانت وزارة النفط الإيرانية أعربت عن رغبتها في استقطاب 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية؛ بغية تحديث وتنشيط قطاع الطاقة لديها، وهو أمرٌ لا يخلو من تحديات، حسب رأي بعض المحللين.

الطلب على النفط الإيراني

وعلق الرئيس التنفيذي السابق في شركة أرامكو الوطنية السعودية، سداد بن إبراهيم الحسيني، بقوله: "هل لدى المستثمرين ثقة لتشغيل أموالهم في إيران؟ سجلاتها حتى الآن ليس مواتية للمستثمرين الأجانب، وما سمعته عموماً من مصادر في وسط النفط أن الشروط (التي تقدمها إيران) ليست جذابة بما يكفي".

في المقابل، قال الكاتب الصحفي في مجال الطاقة، رضا زندي، إن حماسة المستثمرين واضحة من قائمة الزوار الذين ترددوا على أروقة وزارة النفط، بما في ذلك وفود رفيعة من بريطانيا وألمانيا والدنمارك والنمسا وإيطاليا وروسيا والصين، بل حتى أنه قبل توقيع الاتفاق النووي في يوليو/تموز الماضي، كانت كبرى شركات النفط غير الأميركية مثل شركة Shell البريطانية الهولندية وشركة ENI الإيطالية، تخطبان ود الشركاء الإيرانيين.

جولة أوروبية لروحاني

يأتي ذلك بينما يسعى الرئيس الإيراني حسن روحاني في جولته الأوروبية هذا الأسبوع لإبرام صفقات تجارية جديدة.

ووقعت إيران، الخميس 28 يناير/كانون الثاني 2016، عقوداً بقيمة 400 مليون يورو مع شركة بيجو الفرنسية، بينما تسعى طهران لاتفاقيات أخرى بالتزامن مع زيارة الرئيس الإيراني.

لكن إيران تواجه منافسة قوية من السعودية وروسيا والعراق التي أغرقت أسواق أوروبا بل وآسيا كذلك، حيث كانت طهران تأمل ببيع براميل نفط إضافية لزبائنها هناك، الذين حافظت عليهم رغم العقوبات.

ويضيف ووكر: "إن المفتاح لفهم قدرة إيران أو عدمها على تسويق كل هذا الخام لديها يكمن في درجة استعدادها لتحطيم أسعار الخام لمضاهاة الأثمان الزهيدة التي يقدمها المنتجون الآخرون".

الخبير الاقتصادي سعيد ليلاز، الموالي لحكومة إيران، قال إن تكلفة الإنتاج في إيران منخفضة وتبلغ حوالي 7 دولارات للبرميل الواحد.

وتابع: "ولذلك فحتى لو هبط سعر البرميل إلى 15 دولاراً للبرميل الواحد فستكون هناك جدوى لإيران من تصديره".

كما قد تلجأ إيران إلى تقديم مغريات أخرى مثل إرجاء الدفع أو الاستثمار في المصافي الأجنبية التي ستستخدم نفطها الخام.