خلف التفاؤل الذي أشاعته الدينامية الجديدة للعلاقة بين فرنسا وألمانيا، ترتسم بمزيد من الوضوح ملامح تنافس على القيادة في أوروبا بين إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل.

وشكَّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لباريس هذا الأسبوع، خلال احتفالات العيد الوطني الفرنسي، في 14 يوليو/تموز 2017، "ضربة دبلوماسية موفقة" للرئيس الفرنسي الجديد بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في آخر مايو/أيار الماضي. وأعطى هذا الأمر نموذجاً جديداً عن إعادة توزيع الأدوار الجارية حالياً في أوروبا.

واعتبر رئيس مؤسسة "شومان"، والخبير في الشؤون الأوروبية جان دومينيك جولياني، أن "فرنسا دخلت مجدداً في اللعبة". ورأى أن "إعادة التوازن للعلاقات مع ألمانيا كانت ضرورية".

منذ سنوات عديدة، سيطرت المستشارة الألمانية على الساحة الدبلوماسية الأوروبية من دون أن يشاركها أحد بذلك. وقد رسمت لها وسائل الإعلام الأنغلوسكسونية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، دور "زعيمة العالم الحرّ" في وجه التوجهات الشعبوية والسلطوية.

ولم تكن أنجيلا ميركل تريد لنفسها هذا الموقع. فهيمنتها على أوروبا منذ سنوات أتت نتيجة وضع فرض عليها أكثر من رغبة لها في ذلك.

وفرنسا الغارقة في صعوباتها الاقتصادية التي حرمت من هامش التحرك بسبب تراجع شعبية رئيسها السابق فرنسوا هولاند، تمكنت من إسماع صوتها بعد أن كان مهمشاً لمدة طويلة.

وفضَّلت بريطانيا، إحدى الدول الأوروبية الكبيرة، أن تكون خارج اللعبة فيما يخصّ قيادة الشؤون الأوروبية، وذلك بسبب خروجها من الاتحاد.

أما بولندا فمتهمة بالحكم التسلطي، وليس لديها أي فرصة قيادية، رغم أن ترامب خصَّها بزيارة قبيل قمة مجموعة العشرين. ويبقى أن إيطاليا وإسبانيا تواجهان متاعب اقتصادية.

وأسهم وصول ماكرون إلى قصر الإليزيه في خلط الأوراق مجدداً.

ثمة مشاعر ملتبسة في ألمانيا حيال زيارة الرئيس الأميركي لباريس وعلامات التقارب بين ماكرون وترامب، إثر قمة مجموعة الدول العشرين في هامبورغ.

وأشار مصدر دبلوماسي إلى أن "الألمان فوجئوا بإعلان زيارة ترامب لباريس".

واعتبرت مجلة "در شبيغل" الألمانية في عددها هذا الأسبوع، أن "ماكرون أراد مجاملة الرئيس الأميركي وإظهار نفسه كزعيم لأوروبا".

وفيما كان ماكرون يمد يده لترامب على أمل إبقائه "ضمن الدائرة"، تمسكت ميركل بموقفها الحازم حيال الرئيس الأميركي، التي تواصل انتقاد نهجه الحمائي وقراره انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس حول المناخ.

وقالت على هامش القمة الأخيرة لمجموعة العشرين في هامبورغ "لن نخفي الخلافات".

توزيع الأدوار

ورأت صحيفة "نوي زورشر تسايتونغ" السويسرية، الأحد، أن ماكرون "لم يكن مزهواً بنفسه ولم يطلق تعهدات خلال استضافته ترامب، مثلما فعلت المستشارة الألمانية في قمة مجموعة العشرين، إنما استقبله باستعراض عسكري وبكلمات ودية وبتهانٍ كثيرة".

وأضافت الصحيفة "ثمة شعور بأن ماكرون يمكن أن يحل محل ميركل بوصفه كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي".

صحيح أن ميركل لن تؤدي دور "الشرطي السيئ" إلى الأبد، لكنه يفيدها في الوقت الحالي. فهي تستعد لمعركة، في أيلول/سبتمبر، بهدف الفوز بولاية رابعة، في حين يسجل الرئيس الأميركي رقماً قياسياً في تراجع شعبيته لدى الرأي العام الألماني.

كما أن شيئاً من إعادة التوازن لن يضير ميركل، فألمانيا لا تطمح إلى الإمساك وحدها بزمام الأمور في أوروبا.

لكن ساعة الحقيقة ستحل بينها وبين ماكرون بعد الانتخابات الألمانية، وخصوصا عندما تبدأ المناقشات حول إصلاح منطقة اليورو، وسط تباعد في المواقف بين برلين وباريس.