بدأت القوات العراقية الأحد، 18 يونيو/حزيران 2017، اقتحام المدينة القديمة في الشطر الغربي من الموصل شمالي العراق، سعياً لطرد آخر مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) المتحصنين فيها، بعد ثلاث سنوات من حكم "الخلافة".

وقال قادة عسكريون لوكالة الأنباء الفرنسية، إن الهجوم انطلق فجراً، بعد ضربات جوية نفَّذها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لدعم القوات العراقية، فيما يبدي مقاتلو التنظيم مقاومة شرسة.

وتمثل عملية اقتحام المدينة القديمة في غربي الموصل، حيث الأزقة الضيقة والمباني المتلاصقة، تتويجاً للحملة العسكرية التي بدأتها القوات العراقية قبل أشهر لاستعادة كامل مدينة الموصل، آخر أكبر معاقل "داعش" في البلاد.

وخسارة الموصل ستشكل النهاية الفعلية للجزء العراقي من "الخلافة" العابرة للحدود، التي أعلنها التنظيم صيف العام 2014، بعد سيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا المجاورة.

وأعلن قائد عمليات "قادمون يا نينوى"، الفريق الركن عبد الأمير رشيد يارالله في بيان انطلاق الهجوم، قائلاً إن "قوات الجيش ومكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، تشرع باقتحام المدينة القديمة".

وتردد دوي المدافع الرشاشة في أرجاء المدينة القديمة صباح الأحد، فيما ارتفعت أعمدة دخان الصواريخ في سمائها.

وفي الطابق الأول من مبنى على طريق تتواجد فيه محال لإصلاح السيارات المدمرة، يحمل قائد من قوات مكافحة الإرهاب كمبيوتراً لوحياً، مرسلاً بانفعال إحداثيات لتوجيه ضربة جوية ضد سيارة مفخخة تقترب من موقعه.

وقال قائد جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن عبد الغني الأسدي لوكالة الأنباء الفرنسية، إن العملية تتقدم ببطء "لنحافظ على المدنيين ونتمكن من إمساك موطئ قدم في الحافة الأمامية".

"الحلقة الأخيرة"
وأضاف الأسدي أن "قواتنا اضطرت للدخول راجلة بسبب الشوارع الضيقة والأبنية المزدحمة. لا مجال لتحرك العجلات".

وأوضح الفريق الركن أن تنظيم "داعش" محاصر من ثلاث جهات من قبل القوات الأمنية، ومن الجهة الرابعة من نهر دجلة، لذا فلا خيار لدى الجهاديين إلا القتال، مؤكداً أن "هذه هي الحلقة الأخيرة من مسلسل داعش".

وأشار إلى أن "هذه المعركة هي الأكثر شراسة. المقاومة قوية جداً، لم يعد لديهم خيار".

وأعرب الأسدي عن أمله بحسم المعركة قبل عيد الفطر، المرتقب في 25 أو 26 من الشهر الحالي، إلا أنه تدارك "أعتقد أن الأمر سيأخذ وقتاً أطول".

ومن جانبه، قال صباح النعمان المتحدث باسم جهاز مكافحة الإرهاب لقناة "الحدث" ومقرها دبي، إن العملية ستركز الآن على قتال الشوارع، وسيكون استخدام الضربات الجوية والمدفعية محدوداً، إذ إن المنطقة كثيفة السكان والمباني متهالكة.

وأشار محللون مراراً إلى أن المدينة القديمة ستكون المرحلة الأصعب من العملية، نظراً إلى شوارعها الضيقة ومنازلها المتلاصقة التي بُنيت قبل أكثر من مئة عام.

وللمدينة القديمة أهمية رمزية لدى مقاتلي "داعش"، إذ إنها تضم جامع النوري الكبير، المسجد الذي شهد الظهور الوحيد لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، في يوليو/تموز 2014.

وكانت القوات العراقية بدأت، في أكتوبر الماضي/تشرين الأول، أكبر عملية عسكرية يشهدها العراق منذ سنوات، لاستعادة السيطرة على الموصل. فاستعادت الجزء الشرقي من المدينة، في يناير/كانون الثاني، وأطلقت عملية الجزء الغربي، في فبراير/شباط.

خطر على المدنيين
وأعلنت الأمم المتحدة الجمعة، أن أكثر من مئة ألف مدني عراقي محتجزون لدى مسلحي تنظيم "داعش" كدروع بشرية في الموصل القديمة.

من جهتها، حذَّرت "لجنة الإنقاذ الدولية" في بيان الأحد من المخاطر الكبيرة التي تواجه المدنيين الذين يعانون أصلاً من الصدمة.

وقالت ممثلة اللجنة في العراق نورا لوف: "ستكون مرحلة مرعبة لنحو مئة ألف شخص ما زالوا عالقين في المدينة القديمة بالموصل، ومعرضون حالياً لخطر المحاصرة في قتال الشوارع العنيف المرتقب".

وأضافت: "يجب على كل من قوات التحالف الدولي والقوات العراقية بذل كل الجهد للحفاظ على أمن المدنيين خلال هذه المراحل النهائية من معركة الموصل".

ومنذ بدء العمليات العسكرية قبل ثمانية أشهر، نزح نحو 862 ألف شخص من الموصل، عاد منهم نحو 195 ألفاً، معظمهم إلى مناطق شرق الموصل.

وكان ممكناً، اليوم الأحد، رؤية مدنيين ينظفون منازلهم في الشوارع المليئة بالأنقاض، على بعد أمتار فقط من المواقع المتقدمة للقوات العراقية وقذائف الهاون المتساقطة.

ويبدو أن بعض الأشخاص لم يغادروا قط، فيما كان آخرون يحملون صناديق طعام وحقائب ملابس بعدما عادوا إلى المناطق المحررة منذ أيام قليلة فقط.

وشكل سقوط الموصل الهزيمة الأقسى التي لحقت بالقوات العراقية في حربها ضد "داعش". واستعادة المدينة ستشكل تحولاً كبيراً في مسيرة هذه القوات التي استسلمت سريعاً، في 10 يونيو/حزيران 2014، رغم تفوقها عددياً على مقاتلي التنظيم.

ولكن مذاك، استعادت القوات العراقية مناطق عدة كانت بيد الجهاديين، بينها ثلاث مدن، وتمكنت من السيطرة على معظم مدينة الموصل.

وتأتي هذه العملية بينما يضيق الخناق على مقاتلي تنظيم "داعش" أيضاً في الرقة، معقلهم في سوريا، الذي دخلته قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف فصائل عربية وكردية مدعوم من الولايات المتحدة.