شهدت تونس أقوى احتجاجات اجتماعية واقتصادية منذ اندلاع ثورتها. وقد طالت الأحداث معظم المدن التي شهدت أعمال عنف ونهب. فهل تجاوزت البلاد الأزمة أم أن المخاوف من انفجار خيبة أمل الشباب مجدداً ما زالت قائمة؟

ينكب عمال النظافة على رفع بقايا عجلات محترقة وحجارة متناثرة في الشارع الرئيسي بحي التضامن، وهي كل ما تبقى من ليلة صاخبة سيطر عليها الكر والفر بين الأمن وشبان غاضبين. لكن مع إطلالة الشمس استعاد الحي هدوءه مثل عدة مناطق أخرى في أنحاء البلاد، غير أن ذلك لا يعد في الواقع إشارة مطمئنة على انتهاء العاصفة في تونس.

منذ 2011 نجح الانتقال السياسي في تونس في أن يقفز فوق عدة حواجز، بيد أنه كاد يعرف انتكاسة مع أكبر موجة غضب يقودها شبان طال انتظارهم لرؤية تغيير يتفق مع ما كانوا يأملونه منذ أحداث الثورة قبل نحو ست سنوات.

ومع أن الديمقراطية الناشئة تدرك تماما أن التحدي الأول لها سيتمثل في كسب معركة التشغيل لأكثر من 600 ألف عاطل من العمل، أكثر من ثلثهم من أصحاب الشهادات العليا، فإنها لم تنجح حتى الآن في حلحلة هذا الملف، بل إنه تحول اليوم إلى معركة وجود لمفجرة الربيع العربي.

وتبادر للكثير من التونسيين هذه المرة أن احتجاجات العاطلين من العمل التي هزت أغلب المدن قد تشكل نهاية المطاف لانتقال سياسي هش لم يرافقه انتقال اقتصادي.

أزمة التشغيل

Arbeitslose Jugend in Tunesien

الآلاف من خريجي الجامعات بدون عمل في تونس

علي الشورابي أحد العاطلين من العمل الذين شاركوا في الاحتجاجات، وهو من مدينة القيروان وحاصل على الإجازة في مادة التاريخ منذ عشر سنوات، لكنه ما زال ينتظر الوظيفة.

يقول الشورابي في حديثه مع DWعربية "الاحتجاجات كانت متوقعة. الحكومة تأخرت كثيرا في الدفع بإصلاحات وببرنامج عمل واضح، واستمرت في اعتماد سياسة تنمية وتشغيل هشة موروثة عن النظام السابق وبعيدة عن نبض الشارع". ويضيف "كان على الحكومة أن تبدأ باتخاذ قرارات للحالات الاجتماعية العاجلة. الإجراءات التي تم الإعلان عنها لا زالت تعتمد آليات تشغيل غير واقعية".

تعترف الحكومة بأن هناك صعوبات كبيرة في إحداث طفرة في سوق الشغل والتوظيف نظرا لحالة الإغراق التي باتت عليها الإدارة والتي وصلت إلى ثلاثة أضعاف طاقة تشغيلها الحقيقية إلى جانب حالة الركود التي يشهدها الاستثمار الخارجي والاستثمار في القطاع الخاص جراء الافتقاد إلى الاستقرار الاجتماعي والأمني واستمرار تداعيات العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد العام المنقضي.

وفي الواقع لا ترقى برامج التشغيل الحالية التي تضعها الحكومة لامتصاص نسب البطالة المرتفعة في الجهات الداخلية الفقيرة، مثل الاعتماد على مشاريع البنية التحتية والتمويلات الصغيرة وآليات التشغيل المؤقتة، إلى طموحات أغلب الشباب العاطل. وهي آليات ما زالت تدفع بها الحكومة لمعالجة مشاكل أكثر عمقا الأمر، وهو ما يزيد في حنق ويأس الآلاف من العاطلين.

ويوضح الشورابي "القرارات الأخيرة ستفضي إلى نفس المشاكل بعد سنوات قليلة لأنها تمنح بدائل مؤقتة ووضعيات تشغيل هشة".

حكومات دون توقعات الشباب

Arbeitslose Jugend in Tunesien

الاحتجاجات اجتاحت غالبية المدن التونسية ورافقها أعمال سلب ونهب

أما صديقه العاطل من العمل أيضا معز مومن من مدينة جندوبة وحامل شهادة في العلوم الإعلامية منذ 2010، فيعتبر أن الأمل في تغيّر الأحوال يبقى ضعيفا طالما أن الحكومة لم تقدم برامج حقيقية وواقعية.

ويضيف معز لـDW عربية "جميع حكومات ما بعد الثورة أكدت فشلها في تحقيق توقعات الشباب وأنها لا تملك برامج للإصلاح ولا إرادة للتغيير. الطبقة السياسية لم تساير انتظارات الشارع ولم تكن في المستوى. هناك ثورة تغيّر مسارها وضاعت".

ومثل علي ومومن، فإن الآلاف من الشباب في تونس لا يجدون أي معنى لتركيز نظام ديمقراطي طالما لا تملك الحكومات جرأة في مكافحة الفساد وإصلاح القوانين وتعزيز الشفافية والحد من البيروقراطية. وهي نقائص تضع الانتقال السياسي على كف مجهول رغم المكاسب التي تحققت في مجالي الحريات والحقوق ورغم الانتقال إلى مرحة الحكم الدائم والمؤسسات الدستورية المنتخبة.

ويوضح المحلل السياسي والمؤرخ الجامعي خالد عبيد لـDW عربية قائلا "ربما نجحت قوات الأمن في احتواء الاحتجاجات الأخيرة. وقد تكون الحكومة نجحت في تجاوز العاصفة، لكن هذا يظل مؤقتا وليس مضمونا أن تفلح في احتواء أي اضطرابات جديدة إذا ما تكررت".

وبحسب عبيد، فإن "الإجراءات المعلنة من قبل الحكومة لاحتواء الأزمة ليست مجسدة على أرض الواقع. وإذا لم يلاحظ المحتجون أي تغيير حقيقي على المدى القريب، فإن الاحتمالات كلها تبقى واردة".

Arbeitslose Jugend in Tunesien

ليس مضمونا احتواء أي اضطرابات مماثلة في المستقبل

وقد دقت الاحتجاجات الأخيرة ناقوس الخطر أمام تونس وشركائها. إذ إن الاستقرار في الديمقراطية الناشئة بات يتوقف أكثر من أي وقت مضى على منح دفعة لقطاع الشغيل عبر أفكار جديدة والبدء بإجراءات عاجلة غير تقليدية في المناطق الأكثر فقرا حتى تمنح إشارات مطمئنة للمحتجين.

وفي كل هذا لا تبدو الطبقة السياسية بمنأى عن أي ارتداءات لهذه الاحتجاجات إن تكررت. وهو أمر كشفت عنه الدعوات المبكرة نحو حل البرلمان المنتخب وإجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

ائتلاف غير متجانس

ويشير المحلل السياسي والأمني ناجي الزعيري لـDW عربية إلى أن ما يصعّب مهام الحكومة الحالية هو افتقادها إلى إسناد سياسي قوي من الائتلاف الرباعي الحاكم وافتقاد هذا الأخير إلى التجانس.

ويوضح الزعيري أكثر: "رئيس الحكومة يعمل بلا خارطة، أضف إلى ذلك حالة البرود بين الأحزاب المشكلة للائتلاف وفشلها في تقديم برنامج اقتصادي مشترك". وتبدو الصعوبات مضاعفة أمام تونس اليوم، إذ لا يتعلق الأمر بتجاوز أزمتها الداخلية فحسب بل يتوقف ذلك أيضا على مدى قدرتها على الصمود وسط مناخ إقليمي صعب يتسم بمخاطر إرهابية ووضع اقصادي معقد.