إبراهيم كاراغول - صحيفة يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

يتقدمون بخطوات ثابتة في تطبيق الخارطة الجديدة، التي يفرضونها على المنطقة، وعلى تركيا، ويقودون حربا ضد الأخيرة، باستخدام حزب الاتحاد الديمقراطي من الخارج، وباستخدام حزب العمال الكردستاني من الخارج، ويتواجد دولا في التحالف، إلى جانب إيران وروسيا لقيادة حرب الوكالة ضد تركيا، واعتقد أنّ أنقرة لا تدرك إلى الآن أبعاد نوعية هذه الحرب بسماتها الجديدة.

لا يوجد أي علاقة للشكل الجديد من هذه الحروب بالإرهاب، مع أنّهم يعلنون على الدوام أنها موجهة ضد "الإرهاب"، وإنما يستخدمون هذه الفزاعة كمجرد وسيلة لتحقيق أهدافهم، وستمتد هذه الحرب أكثر، وتنتشر بصورة أكبر، وسيقودونها أيضا "ضد الإرهاب"، لكنها في الحقيقة حرب مفتوحة ضد تركيا، وإذا لم تستطيعوا إدراك ذلك الآن، ستدركونه وترونه خلال الأشهر القليلة القادمة.

من يعمل بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني؟

لأول مرة، تواجه الجمهورية التركية مشروع كهذا، وخطر يتمثل بتشكيل خارطة جديدة، وأصبح هناك عناصر من الداخل، لا تستطيع فهم الواقع وما يجري، بل إننا أصبحنا نعتقد بأنها جزء لا يتجزأ من المؤامرة، وبأنهم يستخدمون أسلوبهم هذا للتمويه على حجم العملية التي تُقاد ضد بلادنا، وأصبحنا نتيقن بأنهم يعملون ضمن مشروع الخارطة الجديدة.

يعمل هؤلاء على إعاقة الدولة والشعب عن فهم الواقع، بدلا من أنْ يكونوا جزءا لا يتجزأ من بناء إدراك الدولة لما يحول حولها، ونحن نتابع بقلق شديد، محاولاتهم لجعل الدولة غير قادرة على مواجهة تلك المؤامرات، وعلى مواجهة الأخطار المحدقة بها، ويسعون لأنْ يفقد الشعب التركي ثقته بنفسه، وبدولته.

وجزء منهم، تسرب داخل أجهزة الدولة، ووصل حتى أدق شرايينها وأعصابها، وشكّل "دولة" بداخل دولة، وكانوا يسعون بذلك إلى أنْ يقودوا دولة تكون مرتهنة بيد الغرب، وعملوا على شلّ الدولة الحقيقية، وجعلها عاجزة عن القيام بمهامها، وبعدها رأينا كيف أنهم تحولوا إلى أداة علنية تُستخدم من قبل القوى المهيمنة، من أجل إيقاف تركيا من المضي قدما في مسيرتها خلال القرن الواحد والعشرين.

يغضون الطرف عن داعش، ويضربون باستخدام الاتحاد الديمقراطي

لكن هذه المرة، يوجد إشارات عديدة، تدل على أنّ تلك القوى الظلامية، تقود حربا واسعة ضد تركيا، وذلك من خلال استخدام أدوات خارجية، وأخرى داخلية، ولذلك يدعمون حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل أنْ يقود حرب الوكالة ، وفي نفس الوقت، يعملون على إعاقة التدخل التركي في مواجهته، ولا يتركون أمام تركيا سوى مواجهة داعش، لكن الغريب، أنهم يطلبون من تركيا محاربة داعش، وهم يتحركون بالاتفاق معهم.

أعلنت روسيا في السابق أنها قدمت إلى المنطقة من أجل محاربة داعش، لكنها في الواقع تتحرك بالتعاون مع داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي، وكذلك تعمل أمريكا في المنطقة على مبدأ "أولوية محاربة داعش"، لكنها تقدم كل الدعم لحزب الاتحاد الديمقراطي بصورة علنية، ولداعش بصورة سرية، وهذا ما تقوم به العناصر الداخلية، فهؤلاء الذين يمكن تسميتهم "بمحتلي الداخل"، يشكلون عنصر تعاون مشترك مع الاتحاد الديمقراطي، ويسعون بكل ما أوتوا من وسائل إلى حمايته، كما يستخدمون الإرهاب من أجل شلّ الدولة التركية من الداخل.

ماذا يعمل الشريك الداخلي السري؟

يعمل التحالف الدولي على تشكيل الخارطة الجديدة، وهو ما تخشاه تركيا، والتي ترى بموضوع الشريط الشمالي، أو الممر الشمالي، بأنه خطر يهدد أمنها القومي، ولذلك تسعى قوى مثل أمريكا بأسلوبها، وروسيا بوجودها في الجبهة، وألمانيا، على وضع الخطوط والإطار لحصر تركيا داخله، ولذلك نحن اليوم أمام خطر حقيقي واضح، وخطط تسوية تضر بنا، وهذا الخطر يتمثل "بالإحاطة" بتركيا، وإغراقها "في مستنقع داخلي"، وذلك من أجل إيقاف الحراك التركي.

ألا يكفي ما صرح به مساعد رئيس الوزراء الأمريكي جوزيف بيدن؟ الذي حاول خلال حديثه التركيز على أنّ أمريكا تميّز بين الاتحاد الديمقراطي وبين حزب العمال الكردستاني، والذي وصفه بالإرهابي أكثر من مرة، لكن الواقع على أرض الميدان، يشير إلى أنّ أمريكا تقدم دعما لا محدودا لحزب الاتحاد الديمقراطي، والذي يُعتبر الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني.

أمريكا تقدم الدعم لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يتحالف مع روسيا، ومع إيران، ومع بعض الدول الأوروبية، وكذلك مع الأسد، وحتى مع داعش، فما هو شكل التحالف الذي نواجهه؟ وما هو الفخ الذي يحاولون إيقاع تركيا فيه، من خلال التحالفات العلنية والسرية في سوريا؟

نحن لا نحارب العمال الكردستاني، وإنما نحارب عدة دول

ما يجري من عمليات "مكافحة الإرهاب" التي تقودها تركيا في جنوب البلاد، هو في الواقع، مواجهة تدخل "تحالف متعدد الجنسيات" في تركيا، نعم هو تدخل خارجي في الشؤون التركية، فهذا جزء من مشروع خارطتهم الجديدة، وهو ضرب تركيا من الداخل، وشل حركتها، من أجل ألا تؤثر على مشروع الخارطة الجديدة لهذه المنطقة، فنحن الآن نتعرض لهجمات، باستخدام سوريا، لكن ليس حزب العمال الكردستاني من يستخدم سوريا في محاربتنا، وإنما دولا حليفة لتركيا من أكثر من نصف قرن، تقاتلنا إلى جانب روسيا وإيران.

كيف لهم أنْ يضعوا تركيا إلى جانب التحالف الدولي في العمليات التي يقودها في سوريا، وهم في نفس الوقت، يدعمون حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني ويتعاونون معه ويتحركون بصورة مشتركة؟ وهما يحصلان أيضا على دعم الثلاثي الآخر، المكون من روسيا والأسد وإيران.

هذه حماقة ودجل

ولذلك فإنّ موضوع مكافحة داعش، هو حماقة، وأنْ يصرّح ذلك الثلاثي، وكذلك "حلفاؤنا" بأنّ الهدف هو مواجهة داعش، أمرٌ سخيف، وأنْ نركز كل تركيزنا على داعش، لنصبح لا نستطيع أنْ نرى المخاطر الأخرى، هو أمرٌ سخيف أيضا، فإذا كان داعش هدفا يجب مواجهته، فإنه يجب مواجهة الاتحاد الديمقراطي أيضا، ومن يعتبر إرهاب داعش عدوا له، عليه أنْ يعتبر إرهاب حزب الاتحاد الديمقراطي عدوا، لكنهم لا يقومون بذلك، ويكتفون بإطلاق وصف "منظمة إرهابية" على حزب العمال الكردستاني، وهذا هو الدجل بعينه.

محاولاتهم لاحتلال مناطق جنوبية مثل جزيرة وسيلوب وصور، هي محاولات مرتبطة تماما بما يجري في سوريا، فالتحالف القائم في سوريا، أو "تحالف الشر"، يستهدف تركيا ويحاول احتلالها من الداخل، ولذلك نحن الآن أمام مواجهة تدخل خارجي مباشر، وهم يسيطرون على تلك المناطق ويحتلونها باستخدام حزب العمال الكردستاني، ونحن نعمل الآن على تحرير تلك المناطق وإعادتها تحت سيطرتنا.

هناك محاولة جديدة لخيانة أنقرة!

على الجميع أنْ يضع عقله برأسه، كما يجب علينا جميعا، أنْ لا ننظر إلى الموضوع بأنه مسألة مكافحة إرهاب، أو مسألة كردية، وعليكم أنْ تدركوا بأنّ حزب العمال الكردستاني مجرد أداة لمشروع يستهدف أمننا ووطننا، وأنّ ليس حزب الشعوب الديمقراطي من يقدم الدعم السياسي لحزب العمال الكردستاني فقط، بل إنّ الشبكة الداخلية التي تقدم لهم الدعم واسعة جدا، وهذه الشبكة تسعى إلى إيقاع تركيا في فخ مرعب، وهناك عملية خيانة عظمى لتركيا في الداخل، ومن يضع داعش في الواجهة ويفتح المجال لتقدم حزب الاتحاد الديمقراطي، سيضع داعش في الواجهة ليفتح المجال لهم لاحتلال أجزاء من تركيا.

هذا هو السيناريو الجديد، الذي يأتي بعد سيناريوهات أحداث غزي بارك ومحاولة الانقلاب، ولذلك قاموا بتوجيه أنقرة بصورة خاطئة في تفاصيل التطورات السورية، كما يعملون على تجهيز الملفات بحق اردوغان، فمن استطاع إيقاف قاطرات الاستخبارات التركية، يريدون الآن قيادة عمليات أخرى، والهدف واحد، أنْ يظهروا أحدهم بصورة "المتهم"، ويعملون على أنْ يظهروا تركيا بأنها تقف خلف الإرهاب، ويسعون إلى عزل تركيا من المشهد.

كانوا بالأمس يعملون على تحقيق هذه الأهداف باستخدام التنظيم الموازي، لكنهم اليوم يستخدمون أدوات جديدة، ولذلك قد نكون نحن أمام موجة خيانة جديدة من داخل الدولة، ومن الساحة الداخلية، ومن النظام الداخلي، ليشكلوا حلقة جديدة، امتدادا لحلقات غزي بارك ومحاولة الانقلاب، والهدف نفسه، والحساب نفسه، والطريق والنظام نفسه، لكن الإطار أوسع من ذي قبل.

سيكون خط عزيز-جرابلس محض من الخيال

يعملون على بناء صور سميك على حدودنا الجنوبية، لعزل تركيا عن العالم العربي السني، وقد عملت إيران على تحقيق أهم خطوة استراتيجية لها في الآونة الأخيرة، المتمثلة بالإيقاع بين روسيا وتركيا، ولذلك أصبح بوتين يتحرك حسب ما تريده وتراه طهران، ويضرب المناطق التي من الممكن أنْ تكون مفيدة لتركيا، وتتشكل تلك الأهداف بحسب أولويات إيران.

ومع سقوط جبل التركمان، أصبح مشروع إقامة منطقة آمنة بين عزيز وجرابلس في خطر، فروسيا وإيران تقود من الجو، وحزب الاتحاد الديمقراطي يشكل المناطق على الأرض، ضد مَن؟ ضد داعش؟ أبدا، بل ضد تركيا، وقد يصبح ذلك الخط كله في خطر.

وعندما نريد أنْ نتدخل في المستقبل، لن نرى أمامنا حزب الاتحاد الديمقراطي أو داعش، وإنما سنجد روسيا وإيران، لأنهم كلهم يسعون إلى إخراج تركيا وطردها من المنطقة، ولذلك علينا أنْ لا ننسى بأننا لا نقاتل حزب العمال الكردستاني في الداخل فحسب، وإنما نقاتل روسيا وإيران، ونحارب بعض الدول الأوروبية، ونحارب تدخلا احتلاليا "متعدد الجنسيات".

وعلينا أنْ لا ننسى بأنّ العدو يوجه لنا الضربات من داخل وخارج حدودنا، وربما تسير تركيا نحو مواجهة خيانة داخلية مؤلمة!