«هذه الانتخابات مصيرية بالنسبة لهولندا؛ لأنني لا أريد أن ينتصر الخوف والكراهية، وهي مصيرية أيضًا بالنسبة لكل أوروبا». *جيسي كلافر

قبل 13 عامًا، انفصل خيرت فيلدرز عن حزب الشعب للحرية والديمقراطية؛ لأنه رأى في سياسات الحزب ما يتعارض مع أجندته الخاصة، وبعدها بعامين أسس حزبه الخاص، حزب الحرية، اليميني المتطرف، ليدخل به البرلمان ويصل من خلاله للحكومة، وهو الحلم الذي لم يتحقق إلى اليوم.

بعيدًا عما قد تثيره السياسة الهولندية من تساؤلات، ففيلدرز من هذه النقطة كان واضحًا متسقًا مع ذاته بوصفه أحد أبرز أعمدة اليمين الشعبوي الأوروبي، يحارب الإسلام ويريد إغلاق المساجد، لأنها معاقل للإرهاب في أوروبا من وجهة نظره، ويريد حظر القرآن لأنه كتابٌ نازيّ، ويصف المغاربة بالحثالة، ويخصهم بالذكر عن بقية العرب لأنهم الجالية الأكبر في هولندا من غير الأوروبيين.

فيلدرز يقود القاطرة

قبل ما ينوف على نصف قرن من الزمن، وتحديدًا في عام 1951، رأت ست دول أوروبية غربية ضرورة التعاون فيما بينها، لتجاوز الحدود الجغرافية، وأنشؤوا فيما بينهم جماعة الفحم والصلب، لتعزيز التعاون الاقتصادي، وبالتبعية السياسي والاجتماعي، وهذه الدول هي: فرنسا، وإيطاليا، وهولندا، ولوكسمبرج، وألمانيا الغربية، وبلجيكا.

وكانت الإشكالية التي لطالما حاول القادة الأوروبيون إيجاد تعريفات فاصلة بشأنها، هي إشكالية السيادة القومية في ظل تحالفات جمعية فوق قومية، تبحث المصلحة العامة لمجموع هذه الدول، التي تعززت أواصرها حتى صارت كتلةً واحدة، ومما يُستدل به على الإشكالية المتعلقة بالسيادة، الرفض الفرنسي الهولندي في عام 2005 لمقترح الدستور الأوروبي، والفيتو الفرنسي الديجولي على انضمام المملكة المتحدة للكتلة الأوروبية، باعتبارها أكثر انتماءً للأطلنطي من أوروبا.

ومع ذلك، وفي ظل هكذا تخوفات، كانت الرغبة الأوروبية للتحالف أقوى، لاعتبارات كثيرة، منها وعلى رأسها الرغبة في التكامل الاقتصادي، ودفع قطار التنمية الأوروبية بعد الحرب العالمية، ولعل هذا ما جعل بذرة الاتحاد الأولى ذات طابع اقتصادي بالأساس، وأحد أهم الاعتبارات التي مهدت طريق الوحدة كذلك، الرغبة الأوروبية في دمج ألمانيا الغربية، وريثة الرايخ الثالث، ضمن الأسرة الأوروبية، وبالطبع كانت الجغرافيا حاضرةً لتجعل الرغبة الأوروبية عارمةً في تكوين حائط صد منيع على يسار روسيا الشيوعية.

اقرأ أيضًا:

بهذه التقدمة يمكن القول إن فيلدرز قاد بالفعل قاطرة الشعبوية الأوروبية محاولًا اللوذ بإحدى بلدان الاتحاد الأصيلة، والتي كانت ضمن نواة الوحدة الأولى، تأتي بعده بشهر واحد الفرصة الأكثر سهولةً لليمين الشعبوي في العاصمة الفرنسية باريس، وكلاهما يسعى لفرض حدود القومية المتقاطعة مع صفة الاتحاد فوق القومي (الاتحاد الأوروبي).

ديمقراطية الأقليات

لطالما عجزت النظرية السياسية عن تقديم نظام حزبي يمكن الجزم بصلاحيته كطبيعة أي إنتاج بشري قابل للنقص، ولعلنا لا نستطيع الجزم أيهما أنفع للمجتمعات؛ نظام الثنائية الحزبية أم التعددية، لكن بأي حال فإن النظام متعدد الأحزاب في هولندا لم يكن أبدًا في صالح المجتمع الهولندي، إذ في الفترة ما بين 2002 و2012 لم تتم أي من الحكومات الائتلافية فترتها الكاملة (الأربع سنوات)، واضطرت البلاد لخوض خمسة انتخابات برلمانية بغية التوصل لحكومة توافقية، حتى كانت انتخابات عام 2012 حدثًا مفصليًّا أنتج لنا حكومة مارك روته، بائتلاف ثنائي متجاوز للأيديولوجيا، بين حزب الشعب للديمقراطية والحرية (VVD)، حزب يمين الوسط، وحزب العمل (PvdA)، حزب يسار الوسط، وهي الحكومة التي فرّغت مقاعد المعارضة من أي من الحزبين الكبيرين، لحزب صغير، يميني متطرف، هو حزب الحرية.

واصل حزب الحرية حصد الأصوات الناقمة على الأداء الحكومي، والتي لم تجد سواه في المعارضة الفعلية، فأغلب الأحزاب من خارج الحكومة على اليمين واليسار الوسط، ما يجعلها لا تشكل معارضةً حقيقية، يمكن الوثوق بكونها بديلًا لحزبي الحكومة.

جاءت انتخابات الأربعاء الماضي، 15 مارس (آذار) لنجد حزب الحرية قبل أسبوعين فقط من ساعة الصفر متصدرًا لاستطلاعات الرأي، يليه حزب الشعب الحاكم (يمين الوسط)، بينما تأثرت مقاعد العمل كثيرًا، لتكون الانتخابات يمينية- يمينية.

جيسي كلافر


صحيح أن السياسة الداخلية لا تصنعها الأحداث الفردية، لكن بعضها جديرٌ بإحداث التغييرات المطلوبة في مرحلة محددة، وهو ما أحدثته الحرب الكلامية التي أشعلها الطرفان الهولندي- التركي، برفع أسهم يمين الوسط، داخل الحكومة وخارجها، وارتفعت أسهم ثلاثة أحزاب يمينية، بينما تناقصت نسبيًّا أسهم حزب الحرية لهذه الثلاثة، وهي أحزاب (الشعب للحرية والديمقراطية، والنداء المسيحي، والديمقراطيون D66)، لكنهم جميعًا لم يكونوا ليشكلوا الحكومة، ولم تتجاوز حصتهم مجتمعة الـ76 مقعدًا المطلوبة، فكان لهم أن يعرضوا التحالف على أبرز الأحزاب اليسارية (حزب الخضر)، والذي حقق نجاحًا غير مسبوق، متربعًا على عرش اليسار الهولندي بعد تهاوي حزب العمل وكافة أحزاب اليسار.

اقرأ أيضًا:

جيسي كلافر


جيسي كلافر: هازم الشعبوية وباعث الأمل الأوروبي

«الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع مرشح ليتغير جذريًّا، وإن لديّ أخبارًا سارة، لقد بنينا مجتمعنا ونحن من يملك القدرة أيضًا على تغييره. إن ذلك مبعث أمل. إن بعض مستشاريّ ينصحونني بعدم قول ذلك، لكني أرى أن الناخبين الهولنديين يستحقون الأفضل». *جيسي كلافر

كل فترة بالطبع لها نجمها، ومنذ عام 2015 سيطر رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو على الساحة الإعلامية، وللشبه في ملامح الوجه والشعر والطلّة الأنيقة، أطلقت عليه الصحف الأوروبية «ترودو الهولندي»، وهو بالطبع تعامل مع الأمر بالفكاهة، فقال ما يفصلني عنه هي العضلات.

كلافر، الشاب الثلاثيني لأب مغربي وأم من أصول إندونيسية، أصغر زعماء الأحزاب الهولندية على كثرتها، وأكثرهم طموحًا على ما يبدو، فلم يلبث أن انتخب زعيمًا للحزب في مايو (آيار) من عام 2015 حتى صرّح بأن الحملة الانتخابية للحزب قد بدأت للتو، وهو بالفعل ما توّج بحصده 14 مقعدًا من أصل 150 هي إجمالي مقاعد البرلمان الهولندي، وكان الحزب بقيادة برام فان أوييك (60 عامًا) قد مُني في انتخابات 2012 بخسارة كبيرة، حاصدًا أربعة مقاعد فقط.

لا يفتأ كلافر يذكر بيرني ساندرز ملهمًا له شخصيًّا ولليسار الغربي عمومًا، وهو ابن الثلاثين ربيعًا، الذي حافظ على تاريخ غير قليل من النضال داخل الجامعة، ما أهله لينتخب رئيسًا لنقابة الشباب، العضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في هولندا، ثم انتخب نائبًا في البرلمان عن حزب الخضر عام 2010، وزعيمًا للحزب بعدها بخمسة أعوام.

الكثير من الصحف الأوروبية تشبهه بجاستين ترودو للشبه الذي بينهما في ملامح الوجه، والأكمام المطوية، والأحاديث الصحافية المنمقة، وبالإضافة إلى ذلك أيضًا كلاهما امتاز بالاهتمام الجماهيري، والانبهار الشعبي غير المفسر أحيانًا، فنجد كلافر على سبيل المثال، تختاره محطة (إيفن فانداغ) الفضائية أفضل سياسي شاب لعام 2015، كما تنقل إحدى الصحف، بأن الاختيار فاجأ كلافر نفسه.

صراع الطموح والخبرة

السياسي الشاب الذي استطاع خوض الانتخابات الهولندية -بطبيعتها (المُفتتة)- على الطراز الأمريكي، وصناعة الكتلة الجماهيرية القابلة للالتفاف حوله وحزبه، وجد نفسه بعد الأربعاء الماضي زعيمًا لكتلة اليسار الهولندي المهترئة، بعدما خابت آمال حزب العمل وحصل على تسعة مقاعد فقط، بعدما كانت لديه في الانتخابات الفائتة 38 مقعدًا، مكنته من دخول الحكومة.

استطاع جيسي كذلك وبشكل كبير، إيجاد فرصة كبيرة ليسار فرنسا، إيمانويل ماكرون، وكذلك ألمانيا وغيرهما، وكون كلافر حقق هذا النجاح، وضاعف كتلة حزبه في البرلمان، رغم أصوله المغربية، فهو ما عُد هزيمة كبيرة لفيلدرز، وحزبه، الذين لا يتورعون عن وصف المغاربة بالحثالة، في إطار مطالباتهم بإرجاع هولندا للهولنديين مرة أخرى، لكن كلافر يبدو اليوم على الرغم مما حققه وكأنه في مأزق حقيقي، يتصارع بداخله طموح الانتصارات السريعة، والتي بدأها في عام 2009 بانتخابه رئيسًا لنقابة الشباب، وتعقل السياسي المحنك القادر على إطالة أمد البذر للحظة الحصاد الكبير؛ إذ يُعرض على حزب الخضر اليوم التحالف مع أحزاب يمين الوسط الثلاثة لتشكيل حكومة ائتلافية، وإن قبل الائتلاف فستكون هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها حزب الخضر أروقة الحكومة.

بالطبع ملّ أعضاء حزب الخضر في مسيرتهم التي امتدت لربع قرن تقريبًا من الجلوس في مقاعد المعارضة، لكن هل يقبلون لإحراز هذا الإنجاز التاريخي الدخول في ائتلافات لا تعبر عن أيديولوجيتهم؟

كلافر كان قد صرّح، قبل الانتخابات، بأنه يطمح في حكومة لا تكون برئاسة مارك روته، رئيس الوزراء الحالي، وهو الآن يدعو لحكومة برئاسة روته، فهل يقبل؟ أم ينتظم في دوائر المعارضة، متزعمًا بكتلته البرلمانية الجديدة أحزاب اليسار الهولندي، لتكوين جبهة معارضة حقيقية، لا يجد حزب الحرية المتطرف موضع قدم فيها؟

هذه الإشكالية على حزب الخضر أن يحسمها قبل انقضاء الفترة المتاحة لتشكيل الحكومة، وهي ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان النتائج الانتخابية. الحكومة لأول مرة في التاريخ أم المعارضة وتأجيل الثمار لأربعة أعوام قادمة، يمكن للحزب أن يضاعف خلالها مكاسبه؟