على خلفية الأزمة المحيطة برئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق وتبرئته من تهمة الفساد بعد اكتشاف 681 مليون دولار في حسابه الشخصي، اتضح أن الأمر يرتبط ب "هبة ملكية سعودية". فهل يعكس ذلك استمرار سياسة دفتر الشيكات السعودية؟

في خضم الأحداث التي طغت على منطقة الشرق الأوسط في الأسبوعين الماضيين، غابت بعض الأحداث خارج المنطقة عن حيز التغطية، ولم تحظ برد فعل كبير، عدا في الدول التي عاشت تلك الأحداث، في حين لايمكن تجاهل انعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط .

المدعي العام في ماليزيا، محمد أباندي علي، كان قد أعلن أمس الثلاثاء (26 يناير/ كانون الثاني 2016) عن براءة رئيس الوزراء نجيب رزاق من تهمة الفساد، وذلك بعد أن تبين أن مبلغ 681 مليون دولار الذي تم اكتشافه في حسابه الشخصي لم يكن سوى "هبة ملكية سعودية".

ورغم أن نسبة 91 في المائة تقريباً من هذا المبلغ أعيد دفعه بعد أربعة شهور فقط من الحصول عليه، إلا أن مصير 61 مليون دولار متبقية من هذا المبلغ لازالت مجهولاة، ما يثير تساؤلات الاستغراب وشكوك.

يأتي هذا الإعلان بعد أشهر من محاولة رزاق لتفادي المساءلة حول مصدر هذه الملايين في حسابه الشخصي، خاصة وأن الشكوك حامت حول تحويل ملايين الدولارت إلى حساب رزاق الشخصي من صندوق استثماري ماليزي أسسه رزاق عام 2009 لتحديث البلاد وبات حالياً مثقلاً بديون تبلغ حوالي عشرة مليارات دولار.

King Abdullah bin Abdulaziz al-Saud

تم تحويل الأموال في عهد الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، الذي توفي مطلع عام 2015 (أرشيف)

وبالرغم من أنه أنكر بادئ الأمر امتلاكه لهذا المبلغ، إلا أنه اعترف فيما بعد بأنه هدية من العاهل السعودي السابق الملك عبد الله، الذي توفي في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي. لكن هذا التفسير من قبل المدعي العام، الذي عيّنه نجيب رزاق بنفسه آنذاك، قوبل بغضب عارم في الأوساط الشعبية الماليزية، وطرح تساؤلات أكبر. فلماذا تقوم العائلة السعودية المالكة بـ"التبرع" بما يزيد عن نصف مليار دولار لرئيس وزراء ماليزيا؟

علاقة نجيب رزاق بالسعودية

تعود العلاقة بين رزاق والسعودية إلى الانتخابات البرلمانية الماليزية عام 2013، والتي كان نجيب رزاق يخوضها على رأس ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم، في مواجهة التحالف الشعبي المعارض، الذي يتكون من عدد من التيارات الإسلامية بقيادة السياسي المعارض أنور إبراهيم، الذي شارك في تأسيس حركة الشباب الإسلامي عام 1971، والتي يعتبرها مراقبون ممثلا حقيقيا لفكر الإخوان المسلمين في ماليزيا.

وبحسب مصدر سعودي رفض الكشف عن هويته وتحدث لموقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" الإلكتروني، فإن الأموال السعودية جاءت لدعم الحملة الانتخابية لنجيب رزاق، وذلك بهدف ضمان فوزه بالانتخابات، وبالتالي تحجيم نفوذ جماعة الإخوان المسلمين هناك، لاسيما وأن الرياض كانت تخشى من توسع نفوذ الإخوان في ماليزيا – البلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو 31 مليون نسمة ويشكل فيه الإسلام السني الدين الرسمي.

كما كان الخبير المصري في شؤون الحركات الإسلامية، طارق أبو السعد، قد أشار، في حديث مع موقع "اليوم السابع" الإخباري المصري في أغسطس/ آب 2014، إلى أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وبعد تصنيفه كمنظمة إرهابية في كل من مصر والسعودية والإمارات، حاول نقل مقره من قطر إلى ماليزيا وتركيا، وذلك خشية حدوث تحول في الموقف القطري وأيضا بهدف تسوية العلاقات مع الجيران الخليجيين.

Screenshot Facebook Malaysia PM Statement

ردود فعل غاضبة

وبغض النظر عن الأسباب، فقد أثارت تلك الفضيحة وما تبعها من تبرئة لرئيس الوزراء الماليزي، حالة من السخط الشعبي، خاصة وأن نجيب رزاق كان قد أعلن في مطلع الشهر الحالي عن إعادة النظر في ميزانية عام 2016 بسبب الانكماش الاقتصادي الذي سببه الانخفاض غير المسبوق لأسعار النفط، والذي يشكل أحد أبرز الموارد الطبيعية الأحفورية في البلاد.

فعلى صفحة نجيب رزاق في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كانت هناك عاصفة من الإهانات والاتهامات بالخيانة والفساد من قبل الماليزيين، الذين ذكّروا رئيس الوزراء بحملته المناهضة للفساد والرشاوى في القطاع الحكومي.

كما دعا نشطاء وحقوقيون على موقع "تويتر" إلى إيقاف تغوّل حزب "المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة" (أنمو)، والذي يتزعمه نجيب رزاق ويعتبر المكون الرئيسي للائتلاف الحاكم، بسبب الفضائح المتكررة لرزاق.

امتداد لدبلوماسية دفتر الشيكات

من جهة أخرى، يشير المصدر السعودي في حديثه مع "بي بي سي" إلى أن هذه الهبات من العائلة المالكة السعودية ليست بالأمر غير المعتاد، خاصة وأن "دبلوماسية دفتر الشيكات" المعهودة للمملكة قد أثبتت فعاليتها في دعم مصر عقب عزل الرئيس المصري السابق المنتمي إلى الإخوان، محمد مرسي، في يوليو/ تموز 2013.

كما أن السعودية دفعت في فترات مختلفة "هبات" بمئات الملايين أيضاً إلى كل من الأردن والمغرب والسودان ، وذلك دعماً لاستقرار الأنظمة الحاكمة هناك والمقربة من الرياض ولا تربطها علاقات ودية بجماعة الإخوان.

الجدير بالذكر أن أبعاد الأزمة الحالية لنجيب رزاق تفاقمت بعد أن أمرت الحكومة الماليزية بحظر الوصول إلى أحد أشهر المواقع الإخبارية الماليزية، وذلك عقب نشره تقرير "ساراواك" الذي أعده صحفي بريطاني واتهم فيه رزاق بالفساد على خلفية "الهبة السعودية".